بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

في كتاب الشخصية الأردنية

يعالج الكاتب الأردني سليمان نصيرات قضية من أهم القضايا المؤرقة للعقل السياسي الأردني، في هذا المرحلة التي تتطلب ليس فقط التأكيد على طرح الأسئلة التي عالجها فكر النهضة منذ نشأته بل محاولة استنتاج إجابات تتسم بالموضوعية بذات القدر إلى تتكئ فيه على مرجعيتها التاريخية والفكرية.

يبدأ المؤلف كتابه بمقدمة تسوغ مشروعية بحثه ليعالج بعد ذلك أبعاد المشروع العربي في أزمته المتمثلة بذلك التفاوت غير المفهوم ما بين النظرية والممارسة، فيحدد ملامح الأزمة بعدة أوجه تتعلق بما يسميه الانحراف في الأدلجة وتحديد الأولويات وتفاوت مضامين المفاهيم الرئيسية التي تشكل أعمدة الفكر النهضوي المعاصر مثل مفاهيم الحرية والاشتراكية والديمقراطية والوحدة وعلاقة الدولة القطرية بالمشروع الشمولي للأمة وكذلك العلاقة بين العروبة والإسلام.

وبهذه المعالجة فإن الكاتب يقدم وجهة نظر جديرة بالفحص لا لمرجعيتها التاريخية بل لاستنادها إلى عناصر التجربة السياسة الحية، ويتابع عرضة ليقدم ملامح المشاريع الفكرية التي قدمتها لتجارب السياسية الحية، ومن أبرز هذه المشاريع المشروع الهاشمي والبعثي والناصري ليخلص إلى تقديم وجهة نظرة في العلاقة بين البعد القومي وتأثيره على الشخصية الأردنية بعد أن يدرس مجموعة المؤثرات العربية والإقليمية والدولية على هذه الشخصية وأبرزها المؤثر الإسرائيلي.

ولا يكتفي بهذا القدر، بل يغوص في التجربة المحلية فيقدم قراءته الخاصة والمتميزة للتجربة السياسية الأردنية وتطورها والدور الأردني العربي الريادي والعلاقة الأردنية الفلسطينية.

إن أهم ما يميز هذا الجهد الكبير الذي يقدمه الكاتب سليمان نصيرات بسلاسة تدفع إلى السير مع سطوره في رحلة المتابعة الدقيقة، تأكيده أن الديمقراطية والتعددية السياسية بما جسدته من أحزاب وهيئات قد نشأت منذ نشأة الدولة الأردنية في بداية العشرينات، وان كان طابع آلية هذه المؤسسات التقطع وعدم الاستمرارية إضافة إلى اعتمادها أسلوب التحالفات المؤقتة، كما يؤكد أن أزمة الديمقراطية داخل بنية المؤسسة السياسية الأردنية الشعبية بأحزابها وهيئاتها في مرحلتها اللاحقة من السمات الرئيسية التي أدت إلى عدم تمكن هذه المؤسسات من القيام بدورها المنوط بها، إضافة إلى أزمة التناقض بين الفكر والممارسة.

ولا يكتفي الكاتب بعد مراجعته الشاملة للتجربة الماضية وتشخيصه لملامح الأزمة، بل يعتمد إلى اقتراح جملة من الأسس الموضوعية والواقعية الكفيلة فيما لو اعتمدت من قبل الفعاليات السياسية الشعبية وأحزابها لامتلكت القدرة على الفعل المؤثر في الساحة السياسية المحلية والعربية، وبالتالي الوصول إلى أهدافها، ومن أبرز هذه الأسس العمل من أجل الوصول إلى تسوية تاريخية بين القومي والإسلامي وصفة الدولة القطرية في إطار العمل الديمقراطي المنتظم والمندرج، لأن فك الارتباط ما بين الحركة القومية سواء في الإطار الفكري أو الممارسات التطبيقية وبين الديمقراطية كان يمثل نقطة الضعف الأساسية في بنية الفكر والحركة.

وبعد.....

فإن هذا العمل الإبداعي الهام يمثل إنجازاً نوعياً في مسيرة الأستاذ سليمان نصيرات كباحث وكمفكر يعني بالهم الوطني والقومي في آن معاً، وأخال بأنه ومن خلال سلسلة أبحاثه المنشورة والمخطوطة والتي أتيح لي أن أطلع على بعض منها، فأنه يراكم إلى سجل فكري إبداعي سوف يكون له مكانة مميزة في المكتبة القومية، وسوف يسهم في الإجابة على الأسئلة التي تُشكل بمجموعها المأزق العربي الراهن ببعديه الفكري والسياسي.

المقدمة

ان الشخصية الوطنية لأي شعب هي نتاج تفاعل عوامل ثقافية واجتماعية ودينية وتاريخية واقتصادية وسياسية وجغرافية ضمن الجماعة أو الجماعات الوطنية وطبيعة علاقاتها مع الجماعات الأخرى التي ترتبط بها بعلاقات العرق أو الدين أو الجوار أو اللغة أو الأهداف المشتركة وغيرها، لقد تشكلت الشخصية الأردنية على ضوء تفاعل هذه العوامل الداخلية والخارجية وضمن مراحل تاريخية متعاقبة، بحيث أصبحت هذه الشخصية بعامة نموذجاً متسقاً من الاعتزاز بالوطن والإيمان بالعروبة والتعلق الفطري بالإسلام، وبشكل عام، فإنه على الرغم من وجود شخصية وطنية ثقافية بالمفهوم العام والتي يمكن أن يطلق عليها بالشخصية الثقافية الوطنية التقليدية، فإنه في الإطار السياسي يوجد تيارات عديدة تتجاذب الشخصية الوطنية السياسية وتشدها باتجاهات عديدة وذلك انعكاساً لعوامل ومؤثرات وتفاعلات سياسية سادت ساحة الوطن العربي بعامة والأردن بخاصة، إن الشخصية السياسية المتوازنة تتحقق من خلال التطبيقات السياسية الراشدة ضمن المنهج الديمقراطي، وخلال فترة معقولة من الوقت، لذلك فإن الشخصية السياسية الأردنية خلال العقود الماضية كانت متعثرة ومبعثرة ضمن تيارات سياسية مرجعيتها خارج الوطن، الذي لم يساعد على تحديد هوية سياسية أردنية مميزة في إطار التعددية السياسية وخارج الإطار الرسمي، إن هذا الوضع من التناقض والازدواجية في الشخصية والهوية السياسية الأردنية من حيث الولاء والانتماء بقي وحتى قرار الميثاق الوطني وصدور قانون الأحزاب الأردني والذي أتاح إنشاء أحزاب سياسية أردنية مستقلة، وبعيداً عن المفهوم السياسي للشخصية الأردنية فإن هذه الشخصية في إطارها العام قد أثر عليها وصقلها العديد من العوامل ومنها:

أولاً: طبيعة علاقة الأردن وقيادته بالمشروع النهضوي العربي الحديث ممثلاً بالثورة العربية وتمسك الشعب الأردني وقيادته بمبادئ الثورة الوحدوية التحررية.

ثانياً: طبيعة الموقع الجغرافي للأردن والذي مثل القلب لمنطقة آسيا العربية وحلقة الربط بين الهلال الخصيب والجزيرة العربية وأفريقيا العربية.

ثالثاً: احتضان الأردن عبر تاريخه لكافة الأحرار والثوار العرب وموجات الهجرة المتعاقبة، وتوفي الملجأ الأمن والحياة الكريمة لهم.

رابعاً: طبيعة العلاقة الخاصة والمميزة التي تشكلت ما بين الأردنيين والفلسطينيين والتحام الشعبين بشرياً ونضالياً في مواجهة الغزوة الصهيونية.

خامساً: وجود الأردن في خط المواجهة المباشرة مع إسرائيل والذي وضع الأردن بإمكاناته المحدودة أمام التهديد المستمر من قبل دولة معادية ذات إمكانات عسكرية واقتصادية كبيرة الأمر الذي خلق لدى الأردنيين نزوعاً قوياً نحو التضامن والتكامل العربي لدرء الخطر. 

أن هذه العوامل والضغوطات والإرث التاريخي وطبيعة الدور والشعور بالخطر والاعتدال في المواقف وطبيعة الواقع السياسي العربي المحيط بالأردن، قد حدد معالم الشخصية الأردنية وصقلها ضمن إطار جديد ومعادلة مركبة ولكن متوازنة من الحس الوطني والحس القومي والحس الديني ولذلك فإن البحث في أغوار الشخصية الأردنية المعاصرة ببعديها السياسي والشعبي يعد مرتكزاً لأي بحث يستهدف مناقشة المشروع النهضوي ببعديه الوطني الأردني والعربي القومي.

كذلك فإن المشروع الهضوي الحديث والذي شغل حيزاً كبيراً من جهد وفكر الشعوب العربية ومثقفيها خلال القرن المنصرم وتعلقت به أفئدتهم في مسيرتهم الطويلة المضنية لتحقيق حريتهم وتشكيل شخصيتهم العربية الواحدة سواء في مجالها السياسي أو الاقتصادي والتي تعمل على صهر الشخصيات الوطنية ضمن إطار شخصية عربية واحدة، أصبح يثير القلق لدى العديد من المفكرين والمثقفين العرب وبخاصة في أعقاب الإخفاقات والانتكاسات التي مني بها المشروع النهضوي العربي الحديث على الرغم من التضحيات المادية والبشرية الجسيمة التي قدمتها الأمة في سبيله، لذلك بدأ هؤلاء بعملية تقييم ومراجعة شاملة لأسس ومنطلقات وأهداف وتطبيقات هذا المشروع خلال العقود الماضية لتقصي أسباب الفشل والتراجع، من خلال عقد المؤتمرات والندوات وحلقات النقاش، وصدرت العديد من الدراسات التي تناقش الفكر القومي والحركات القومية الحديثة وممارساتها على أرض الواقع وانعكاس هذه الممارسات على تشكيل الشخصية العربية بعامة والشخصية الوطنية بخاصة.

ولقد رأيت من واجبي كإنسان عربي يتوق ويتشوق لتحقيق وحدة هذه الأمة وإعادة مجدها وعزتها وخلاصها من تبعيتها وتهميش دورها أن ساهم في هذا الجهد لإنعاش الذاكرة القومية من خلال إلقاء الضوء على الجوانب الفكرية والتطبيقات العملية للتيارات والأنظمة القومية ومدى تأثيرها على الشخصية العربية بعامة، وكذلك دراسة وتحليل معالم الشخصية الوطنية الأردنية كمكون أساس في الشخصية العربية، وتقصي العوامل التي أثرت على تشكيل هذه الشخصية، من خلال دراسة وتحليل السياق التاريخي والواقع السياسي ببعديه العام القومي والخاص الوطني.

لقد أردت من هذا الكتاب أن يقدم خدمة لأمتنا العربية الماجدة ووطننا الأردني العزيز، ولقد دفعني لإنجاز هذا العمل عدد من الأسباب منها:

أولا: إن الدراسات الموضوعية حول تقييم التجارب القومية العربية خلال العقود الماضية كانت إما قليلة أو غير موضوعية في بعض منها، وقد يعزى هذا في بعض منه إلى أن الأنظمة العربية التي كانت ترفع الشعار القومي خلال تلك الحقبة كانت في سدة الحكم في أكثر من قطر عربي، وربما أنها لم تكن معنية في تقييم تجربتها وإظهار نواحي الضعف والإخفاق والتقصير لأن هذا المشروع كان يمثل أساس شرعيتها في الحكم، إن هذا الوضع ربما أدى إلى احجام المفكرين والمثقفين العرب عن الخوض في هذا المعترك الذي قد يضعهم في موقع الصدام مع الساسة، أو ان كتابات بعضهم كانت خجولة أو موجهة لامتصاص الاحتقان الجماهيري، أو أن هذه الكتابات جاء من فئات سياسية معارضة لم تر سوى الجوانب السلبية من الصورة، أو أنها كانت تطرح تصوراتها وتحليلاتها في سياق التنافسات الإقليمية والدولية وخدمة لأغراضها وليس انطلاقاً من الحرص على المصالح الوطنية أو القومية الحقيقية.

كما أن الكتابات حول الشخصيات الوطنية العربية وعوامل تكوينها كانت قليلة أو حتى مرفوضة لأن الكثير من المفكرين والمثقفين العرب رأوا في الشخصيات الوطنية نقيضاً للشخصية العربية أو عدوها نتاجاً استعمارياً لتفتيت الأمة العربية ولم ينظروا للشخصية الوطنية بصفتها مكوناً أساسياً من مكونات الشخصية العربية العامة وأن المشروع النهضوي العربي لا يمكن أن يبنى إلا على مشروع نهضوي وطني ديمقراطي يكون الرافعة للمشروع النهضوي العربي الديمقراطي المنشود.

ان فك الارتباط ما بين الحركات القومية سواء في الإطار الفكري أو الممارسات التطبيقية وبين الديمقراطية، كان يمثل نقطة الضعف الأساسية في بنية الفكر والحركة.

إن استشراء الفردية والاستبداد وكبت الحريات منعت من تشكيل إطار معارضة حقيقة داخل هذه البني تستطيع تقديم الإنذار المبكر عن الأخطاء والانحرافات وتعمل على تصويبها قبل استفحال أمرها، كما أن هذه الظواهر غير السوية أدت إلى ظهور جماعات انتهازية وصولية نفعية في هيكلية هذه الحركات والتيارات والأنظمة، عملت على الترويج للاستبداد والفردية وعملت منه قمة الديمقراطية وزينت الانحراف وجعلت منه قمة الاستقامة الأمر الذي أدى إلى تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشعوب العربية وجعلها مكشوفة أمام الأعداء المتربصين بها.

ان البعد الديمقراطي أصبح عاملاً أساسياً في مكونات أي مشروع نهضوي وطني أو قومي، وذلك لأن مشاركة الشعب من خلال الديمقراطية في المساهمة في بناء هذا المشروع يعزز شرعية القائمين عليه كما يرسخ شرعية المشروع نفسه، إن أي طرف يرغب عملياً في تصدر قيادة هذه المهمة، لا بد له من الاستناد على الديمقراطية بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأن هذه العوامل تعزز شرعية القيادة والنظام.

ان تشجيع النقد الموضوعي للأطر الفكرية والتجارب السياسية للأنظمة والأحزاب والتيارات القومية خلال العقود الماضية أصبح ضرورة قومية ووطنية، وذلك مع تداعي معظم معاقل الحركة القومية العربية وفقدانها للمواقع التي كسبتها في الحقبة الماضية الأمر الذي يتطلب من المفكرين والمثقفين العرب أن يفتحوا ملف الحركات القومية العربية الحديثة لإجراء مراجعة شاملة ودقيقة لهذه التجارب للوقوف على أسباب الفشل والإخفاق والتي قسم منها يعزى إلى الإطار الفكري غير المرن والذي لم يستجب للمتغيرات ولكن القسم الأكبر منها يعزى إلى الممارسات والتطبيقات المخطوءة للتيارات القومية التي وصلت لسدة الحكم وكانت تمسك بيدها باللحظة التاريخية، لترجمة الأفكار والطروحات إلى واقع عملي على أسس فكرية جديدة تتسم بالواقعية والموضوعية تكون المرجعية للقائمين على أحياء المشروع النهضوي العربي الحديث.

ان هذا الكتاب الذي أردت من خلاله تحديد معالم الشخصية الوطنية الأردنية وإلقاء الضوء على بعض جوانب الشخصية العربية، أردت من خلاله أن أقدم تحليلاً للواقع الفكري والتجارب السياسية العربية التي حددت معالم الشخصية العربية ببعديها الوطني والقومي، وذلك بقصد تحديد نقاط الضعف لتلافيها ونقاط القوة للبناء عليها، للارتقاء إلى واقع عربي جديد يستطيع أن يعيش فيه الإنسان العربي الذي عانى الأمرين من الاستبداد السياسي والفوضى الاقتصادية بشكل أكثر أمناً واستقراراً على مستقبله ومستقبل أبناءه من بعده، لذلك فقد تناول هذا الكتاب المحاور الأساسية والتي تمثل الركائز للمشروع النهضوي ببعديه الوطني والقومي وهي:

1.    المحور الأول: الشخصية الوطنية والحركة الوطنية.

وقد شمل هذا المحور، العوامل التي تساعد على تمسك الشخصية الوطنية وكذلك العوامل المؤثرة على تشكيل هذه الشخصية، كما تطرقت إلى الحركة الوطنية الأردنية ومسيرتها خلال العقود الأخيرة، وكذلك إمكانات العمل السياسي ومعيقاته.

2.    المحور الثاني: الشخصية الوطنية وتطور الحياة السياسية.

وقد ناقشت فيه تطور الحياة النيابية الدستورية في الأردن منذ تأسيسه وحتى عام 1975 وكذلك مراحل تطور الأحزاب الأردنية خلال تلك الفترة.

3.    المحور الثالث: الشخصية الوطنية والأمن الوطني.

وفيه ناقشت أبعاد الأمن الاقتصادية والاجتماعي والسياسي والمائي، وتأثيرات هذه العوامل في بلورة شخصية وطنية متوازنة.

4.     المحور الرابع: البعد الديمقراطي وأثره في تشكيل الشخصية الأردنية.

وفيه ناقشت تأثيرات الديمقراطية في بناء الشخصية الوطنية والأمن الوطني والاستقرار ودورها في التنشئة السياسية، كذلك مستقبل الديمقراطية وآفاقها.

5.    المحور الخامس: الشخصية الأردنية والبعد الأردني الفلسطيني.

وفيه تطرقت إلى الخلفية التاريخية والسياسية للعلاقة الأردنية الفلسطينية كما استعرضت آراء عدد من السياسيين والمثقفين الأردنيين حول آفاق ومستقبل هذه العلاقة، كذلك فقد بينت آراء عدد من الأحزاب الأردنية التي ظهرت بعد صدور قانون الأحزاب الأردني حول أبعاد ومستقبل هذه العلاقة.

6.  المحور السادس: أضواء على الشخصية العربية، وفيها ناقشت عدداً من المواضيع التي تلقي الضوء على طبيعة الشخصية العربية وعوامل تكوينها وكذلك أثر البيئة المحلية والدولية والأبعاد الثقافية والاجتماعية والتاريخية المؤثرة في هذه الشخصية وكذلك تطرقت إلى العوامل اللغوية والنفسية والعامل الجغرافي والاقتصادي وحاولت من خلالها تقصي تأثيراتها على الشخصية العربية بعامة.

7.    المحور السابع: الشخصية العربية والمشروع النهضوي العربي.

وفيه ناقشت أسس المشروع النهضوي العربي وخلفيته التاريخية وأزمات هذه المشروع، كذلك فقد استعرضت كل من التجربة البعثية والتجربة الناصية وقدمت تحليلاً لهاتين التجربتين كما أجريت مقارنة ما بين المشروع الهاشمي والمشروع البعثي والمشروع الناصري، كذلك فقد ناقشت فيه أيضاً البعد الإسرائيلي ومدى تأثيره على الشخصية العربية والعقل السياسي العربي.

8.    المحور الثامن: العلاقات التفاعلية والتبادلية ما بين البعد الوطني والبعد القومي.

وقد ناقشت فيه عدداً من المواضيع ومنها السياسات العربية بين النظرية والتطبيق وكذلك مسيرة الوحدة العربية، والعلاقات التبادلية ما بين البعد الوطني والقومي، وأثر التكامل التنموي السياسي والاقتصادي والاجتماعي على الشخصية العربية.

إن أي جهد يبذل لتحليل الواقع الوطني أو القومي لإلقاء الضوء على هذا الواقع لاستشراف مستقبل أفضل للوطن والأمة، هو خطوة بالاتجاه الصحيح. وعليه فإني أمل أن يمثل هذا الجهد المتواضع حافزاً للمفكرين والباحثين العرب لمتابعة الجهود لإثراء الموضوع من خلال تقييم الواقع الوطني والقومي وتقديم الآراء والتصورات الموضوعية للإحاطة بكافة جوانب المشروع النهضوي العربي ببعديه الوطني والقومي.

إن أي جهد بشري عو عمل تراكمي يضاف لما سبقه من جهود، كما أن أي جهد بشري لا يمكن أن يصل إلى الكمال وسيبقى فيه ثغرات أو هفوات غير مقصودة تقتضيها الطبيعة البشرية، لذلك فإنه لا يسعني كبشر إلا أن أتمثل قوله تعالى:

)ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا أصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، وأعف وأغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين[   صدق الله العظيم.

                                                                       المؤلف

سليمان نصيرات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

الشخصية الأردنية والحركة الوطنية

1.    المقدمة

2.    العوامل التي تساعد على تماسك الشخصية الوطنية متطلبات تعزيز الشخصية الوطنية

3.    متطلبات تعزيز الشخصية الوطنية.

4.    العوامل المؤثرة على تشكيل الشخصية الأردنية

أ - العامل الجغرافي.

ب- العامل الاجتماعي.

ج العامل الاقتصادي.

د العامل السياسي.

5.    نشوء وتطور الحركة الوطنية الأردنية.

6.    الحركة الوطنية الأردنية وازدواجية الهوية السياسية.

7.    الحركة الوطنية الأردنية في الميزان.

8.    إمكانات العمل السياسي وواقع الأحزاب الأردنية.

أ إمكانات العمل السياسي.

ب- معوقات العمل السياسي الحزب في الأردن.

1)    أزمة النخبوية.

2)    أزمة الديمقراطية ضمن الأطر الحزبية.

3)    أزمة الشرذمة والازدحام.

4)    أزمة عدم الشفافية والانغلاق.

9.    طبيعة الدور التاريخي للأردن وأثره على الشخصية الأردنية.

10.           الشخصية الوطنية والوحدة الوطنية.

11.           العلاقات الإيجابية بين السلطات الثلاث وأثرها في بلورة الشخصية السياسية المتوازنة.

12.           المعارضة ودورها في الإطار الديمقراطي.

 

 

 

 

((إن الدور الريادي العروبي للأردن ليس دوراً طارئاً أو جديداً في المنطقة العربية وإنما هو دور تاريخي ريادي فرضته الأحداث والظروف منذ مطلع هذا القرن وهذا الدور استمد جذوره وجذوته من شعلة الثورة العربية الكبرى وأهدافها السامية وكون هذا البلد قيادة وشعباً وريثاً لمبادئ ورسالة الثورة العربية الكبرى التي هدفت إلى توحيد العرب وتحريرهم وتوفير الحياة الكريمة لهم)).

((إن الوحدة الوطنية تعني القدرة على دمج العناصر السكانية في وحدة اجتماعية منسجمة، ومن تأثيرها سياسياً ضمن هيئات ومؤسسات ديمقراطية وإن الوحدة الوطنية يمكن انجازها من خلال العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي المستمر ولا يمكن أن تكون بوصفة سحرية)).

((إنه من المسلمات أن لا تضع الأحزاب الأردنية أية ثوابت فكرية أو خطط أو برامج أو تقوم بممارسات عملية تنطلق من أسس مخالفة للدستور وقانون الأحزاب الأردني نصاً وروحاً، وذلك من أجل الحفاظ على مسيرة الديمقراطية والأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي للوطن)).

(( المؤلف))

 

الفصل الأول

الشخصية الأردنية والحركة الوطنية

1)    المقدمة:

أ0 إن الشخصية الوطنية لأي شعب هي نتاج تفاعل عوامل ثقافية واجتماعية وتاريخية واقتصادية وجغرافية ضمن الجماعة أو الجماعات الوطنية التي تشكل شعباً ما أو أمة معينة، وطبيعة علاقاتها مع الجماعات الأخرى التي ترتبط معها بعلاقات العرق أو الدين أو اللغة أو الجوار أو الأهداف والمصالح المشتركة وغيرها. كما أنها نتاج للعديد من التحديات وكيفية تفاعل واستجابة ذلك الشعب أو الأمة مع هذه التحديات.

ب0 لقد تشكلت الشخصية الوطنية الأردنية على ضوء هذه العوامل والتحديات الداخلية والخارجية والسياق التاريخي الحديث لتطور مفهوم الأمة العربية، وضمن مرحلة تاريخية معينة، بحيث أصبحت هذه الشخصية بعامة جزءاً أساسياً من الشخصية العربية بمفهومها الشامل، وقد ارتكزت هذه الشخصية على عدد من العوامل المتداخلة والمتكاملة بحيث شكلت نموذجاً متناسقاً من الاعتزاز بالوطن كجزء من الوطن العربي الكبير، وبالإيمان بالشعب الأردني كجزء من الأمة العربية، وذلك انسجاماً مع رسالة الثورة العربية الكبرى التي ورثها الأردن قيادة وشعباً، وكذلك التعلق الفطري بالدين وأخلاقياته وقيمه السامية والسمحة.

ج0 وهنا نجد الإشارة إلى أنه على الرغم من نمو وترعرع الشخصية الوطنية الثقافية بالمفهوم العام، والتي يمكن أن نطلق عليها الشخصية الثقافية الوطنية التقليدية، فإنه في الإطار السياسي للهوية الوطنية ظهرت تيارات عديدة تجاذبت الهوية الوطنية السياسية وشدتها في اتجاهات عديدة قد لا تنسجم مع الشخصية الثقافية العامة للوطن، وذلك انعكاساً لعوامل ومؤثرات وتفاعلات سياسية سادت ساحة الوطن العربي بعامة والأردن بخاصة خلال العقود الماضية.

د0 إن الشخصية السياسية المتوازنة تتحقق من خلال المنهاج الفكري المعتدل والمتوازن والتطبيقات السياسية الراشدة للتيارات السياسية ضمن النهج الديمقراطي والتعددية السياسية وخلال فترة معقولة من الزمن، لذلك فإن الشخصية السياسية للأحزاب والتيارات المختلفة خلال العقود الماضية كانت متعثرة ومبعثرة ضمن ألوان فكرية وسياسية مختلفة ومتعارضة مرجعيتها خارج الوطن، الأمر الذي لم يساعد على تكوين هوية سياسية مميزة في إطار من التعددية السياسية وخارج الإطار الرسمي. إن هذا الوضع من التناقض والازدواجية والتبعية في الشخصية والهوية السياسية من حيث الولاء والانتماء ظل سائداً وحتى إقرار الميثاق الوطني الأردني وصدور قانون الأحزاب، الذي أتاح المجال لإنشاء أحزاب سياسية أردنية مستقلة، ولكن وكما يبدو فإن تركة الماضي وتداعياته لا زالت تؤثر على الهوية السياسية الوطنية من حيث تشكيلها وتحديد ملامحها العامة.

هـ0 وبعيداً عن المفهوم السياسي للهوية الوطنية الأردنية، فإني أرى هذه الهوية والشخصية قد أثر عليها وصقلها العديد من العوامل ومنها :

طبيعة علاقة الأردن وقيادته بالثورة العربية الكبرى وتمسك الشعب الأردني وقيادته بمبادئ هذه الثورة الوحدوية التحررية.

1-    طبيعة الموقع الجغرافي الأردني الذي مثل القلب لمنطقة آسيا العربية.

2-  احتضان الأردن وعبر تاريخه الطويل لكافة الأحرار والثوار العرب وكذلك موجات الهجرة المتعاقبة، وتوفي الملجأ الآمن والحياة الكريمة لهم.

3-  العلاقة الخاصة والمميزة التي تشكلت ما بين الأردنيين والفلسطينيين والتحام الشعبين نضالياً وبشرياً في مواجهة التحديات.

4-  وجود الأردن على أطول خط للمواجهة مع إسرائيل وعبر عدة عقود، والذي وضع الأردن بإمكاناته المحدودة أمام التهديد المستمر من قبل قوة معادية ذات إمكانات عسكرية واقتصادية كبيرة، الأمر الذي خلق لدى الأردنيين نزوعاً قوياً في اتجاه التضامن والتكامل العربي لدرء الخطر.

و0 إن هذه العوامل والتحديات والضغوطات والإرث التاريخي والشعور بالخطر والاعتدال في المواقف وطبيعة الواقع السياسي العربي المحيط بالأردن، قد حدد معالم الشخصية الأردنية وصقلها ضمن إطار جديد ومعادلة مركبة ولكن متوازنة من الحس الوطني المسئول والحس القومي المرهف والحس الديني الفطري، لذلك فإن البحث والتعمق في دراسة وسبر أغوار الشخصية الوطنية الأردنية المعاصرة في بعدها السياسي والشعبي يعد مرتكزاً أساسياً لأي بحث يستهدف مناقشة المشروع النهضوي ببعديه الوطني الديمقراطي الأردن والقومي العربي.

2)    العوامل التي تساعد على تماسك الشخصية الوطنية:

أ الحرص على الوحدة الوطنية وتعزيزها.

ب- إشاعة جو من الأمن الوطني والاستقرار.

ج- الحفاظ على الحريات الأساسية والديمقراطية.

د- تعزيز أواصر الثقة والتفاهم ما بين القيادة والشعب.

و- الاحتكام إلى مبدأ الأهلية والجدارة والحرص على العدالة والمساواة بين المواطنين.

ز- ترسيخ مفهوم الأشياء  القومي انسجاماً مع رسالة الوطن التاريخية المستندة على مبادئ الثورة العربية الكبرى.

3)    متطلبات تعزيز الشخصية الوطنية:

أ- فهم وإدراك أهمية العالم الجغرافي للأردن، وطبيعة ارتباطاته وعلاقاته مع الوحدات الجغرافية المحيطة، بصفته لبنه في بناء الأمة العربية، والسعي بموجب ذلك إلى تمتين أواصر التعاون الاقتصادي والاجتماعي والبشري المشترك مع هذه الوحدات.

ب- فهم وإدراك أهمية العامل الاقتصادي للأردن والأقطار العربية المحيطة، وإدراك العلاقات والارتباطات التي تربط هذه الأقطار ببعضها بعضاً، وأهمية تنميتها وتمتينها لمصلحة الأقطار العربية وشعوبها بالدرجة الأولى، والعمل بكافة السبل لبناء سوق عربية مشتركة، أصبحت الآن ضرورة قومية ووطنية ضاغطة على الحكومات العربية لسرعة اخراجها إلى خير الوجود، أسوة بالتكتلات الاقتصادية الكبرى التي تشكلت ما بين دولاً لا تربطها مع بعضها أي رابطة قومية، لا بل دخلت حروباً طاحنة مع بعضها بعضاً بالأمس القريب مثل أوربا.

ج- فهم وإدراك العامل الإسرائيلي وأخطاره المتجددة على الأردن سواء من جانبه البشري أو الاقتصادي أو نظرته لكيفية حل القضية الفلسطينية، وبخاصة أن النتائج السياسية النهائية للتسوية السياسية مع إسرائيل لم تتضح معالمها بعد، كما يجب أن لا نغفل أثر الاقتصاد الإسرائيلي الضخم على اقتصادنا الأردني، فهذا الاقتصاد لديه إمكانات تقنية وصناعية متقدمة لا تستطيع قدراتنا الاقتصادية النامية من مجاراتها.

د- فهم وإدراك أبعاد العلاقة الأردنية الفلسطينية والفلسطينية الإسرائيلية وأثرها على الوضع السكاني في الأردن وبشكل واقعي بعيداً عن المزايدات العاطفية التي ترسم صورة مزهرة وزائفة أو تلك ترسم صورة سوداوية وقاتمة.

هـ- فهم وإدراك الحاجة الملحة إلى دفع التوجه الديمقراطي قدماً للأمام وإشراك الشعب في اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليات السياسية والاقتصادية بنفسه، وأن يكون مسؤولاً عن أسلوب حل هذه المشاكل وأن يتحمل تبعات ذلك، وهذا لا يمكن أن يتوافر إلا من خلال مجلس نواب منتخب بكل حيادية ونزاهة، وعلى ضوء قانون انتخاب عصري يفتح المجال للفعاليات السياسية ان تعرب عن نفسها، وكذلك مجالس بلديات تمثل الإدارة المحلية الواعية والنزيهة والمعبرة عن إرادة الموطنين الحقيقية.

و- فهم وإدراك طبيعة تكوين المجتمع الأردني وأسلوب تطوره خلال العقود الماضية، وأن تتضافر كافة الجهود لإعادة تشكيل المجتمع بطريقة تنسجم مع التوجهات الديمقراطية لنتمكن من الدخول إلى الألفية الثالثة، من خلال مجتمع تحكمه مؤسسات المجتمع المدني الحديث، بعيداً عن النزعات العشائرية والإقليمية والطائفية البغيضة التي تؤثر على نسيج وحدتنا الوطنية.

4)    العوامل المؤثرة على تشكيل الشخصية الأردنية:

أ- العامل الجغرافي:

لقد كان لموقع الأردن بين مجموعة من الأقطار العربية الأكبر حجماً وسكاناً وموارد اقتصادية، مثل سوريا والعراق والسعودية ومصر، أثر كبير على تشكيل الشخصية الأردنية، كما أن مجاورة الأردن لإسرائيل وارتباطه البشري والجغرافي مع فلسطين قد حدد أيضاً معالم هذه الشخصية وتطلعاتها وأهدافها، إن تاريخ الصراع ما بين الدول لا يمكن فهمه أو تفسيره بدون دراسة ومعرفة أثر العامل الجغرافي، وإدراك أن معظم النزاعات التي تدور ما بين الأمم تتمحور حول الجغرافيا، فكافة الحروب التي وقعت ما بين العرب وإسرائيل خلال أعوام ( 48 ، 56 ، 67 ، 73) جاءت على خلفية القضية الفلسطينية والتي هي بالأسس صراع ما بين الأمة العربية والصهيونية العالمية وإسرائيل على الجغرافيا متمثلة بأرض فلسطين العربية.

لقد أثر الموقع الجغرافي للقطر الأردني وبدرجة كبيرة في تطور الشخصية الوطنية الأردنية، لأن هذا العامل كان مرتبطاً منذ الأساس مع التطور التاريخي للأردن، من حيث أنه أحد ثمار الثورة العربية الكبرى وأحد قواعدها لمقاومة الاستعمار الفرنسي في سوريا الذي صفي المملكة العربية السورية التي أسسها الملك  فيصل أحد أنجال الشريف حسين، وأما من الناحية السياسية فإنه كان أحد الكيانات التي أفرزتها اتفاقية سايكس بيكو عندما وضعت الأردن تحت الانتداب البريطاني كجزء من منطقة الانتداب البريطاني على فلسطين، ثم أخرج من مظلة ومنظومة ذلك الانتداب عام 1922 عندما شكل الملك عبد الله إمارة شرق الأردن، وبالتالي أخرج الأردن من دائرة وعد بلفور. أن تفتيت وشرذمة منطقة الهلال الخصيب إلى وحدات جغرافية واقتصادية وسياسية غير مرتبطة، أدى إلى تمزيق الوحدة الاقتصادية والجغرافية لهذه الكيانات التي كانت سائدة قبل تشكلها بصورتها الجديدة، حيث تشكل عدد من الدول التي تنقصها الموارد الاقتصادية الأساسية لبناء وتقدم الدولة الحديثة، فحرمت أقطار معينة من مصادر الماء أو البترول أو الأراضي الخصيبة أو السواحل، فلدى تقسيم منطقة الهلال الخصيب، فقد حصلت العراق على نهري دجلة والفرات والبترول وحرمت من السواحل إلا من شريط ساحلي ضيق على الخليج العربي والتي جعلها باستمرار تشعر بنوع من الاختناق البحري، كما حصلت سوريا على قسم من نهر الفرات وبعض الأنهار الداخلية مثل العاصي وبردى وقسم من اليرموك، والأردن حصل على قسم من نهري الأردن واليرموك وساحل ضيق على خليج العقبة وجزء كبير من الأراضي الصحراوية الداخلية، ولم يحصل على موارد البترول أو الماء الكافي، وكذلك لبنان فقد حصل على السواحل والمرتفعات المطرية وعدد من الأنهار الصغيرة ومنها نهر الليطاني التي تطمع إسرائيل في مياهه، أن مجاورة الأردن لإسرائيل التي تشكل قوة عسكرية واقتصادية كبيرة ووقوفه على أطول خط للمواجهة معها، قد زاد من شعوره بالخطر من هذه القوة المعادية المتفرقة، الأمر الذي فرض عليه أن يشكل جيشاً كبيراً بمقاييس النسب السكانية والموارد المتاحة. لقد خصص الأردن قسماً كبيراً على الأوضاع الاقتصادية للدولة، كما أن الحروب التي خاضها الأردن في مواجهة هذا الكيان أعوام ( 48 ، 67) قد استنفذت أيضاً قسماً كبيراً من موارده الاقتصادية المحدودة، وأدت من ناحية أخرى إلى تدفق مئات الآلاف من المهاجرين الفلسطينيين إلى الأردن الأمر الذي أثر على التركيبة السكانية والوضع الاقتصادي والسياسي للدولة الأردنية، لذلك فإن موقع الأردن الجغرافي من حيث محدودية الموارد وطبيعة دول الجوار قد حدد طبيعة اقتصاده وطبيعة سياسية الأردن الداخلية والخارجية وكذلك إستراتيجيته العسكرية، إن موقع الأردن والذي تضمن العديد من المخاطر له، قد تضمن أيضاً العديد من الفرص التي يمكن استثمارها وبخاصة في الجوانب الاقتصادية بصفته حلقة وصل بين العديد من الدول العربية المحيطة، فالأردن يعد منفذاً ومعبراً لدول الخليج والسعودية باتجاه سوريا الكبرى، كما أنه منفذاً للعراق باتجاه البحر الأحمر أو المغرب بشكل عام. ومن ناحية أخرى فقد شكل الأردن كذلك عازلاً ما بين إسرائيل والدول العربية الأخرى مثل العراق والسعودية، والتي لولا وجود الأردن لأصبحت على تماس مباشر مع العدو، ولتكبدت خلال العقود الماضية أعباء سياسية واقتصادية وعسكرية كبيرة نتيجة لذلك.

ب العامل الاقتصادي:

يهتم هذا العامل بدراسة وتحليل المجموعات البشرية التي يتكون منها المجتمع وطبيعة ارتباطات هذه المجموعات مع بعضها بعضاً، وكذلك أسلوب تفاعلها، وهل يأخذ التفاعل منحى إيجابياً يساعد على بلورت شخصية وطنية متوازنة ومستقرة أم منحى سلبياً يشكل عائقاً أمام الوحدة الوطنية والشخصية الوطنية المستقرة. لقد كان المجتمع الأردني ومن وجهة نظر التطور الاجتماعي وحتى عام 1948 يتشكل من شريحتين رئيسيتين وهما الشريحة الريفية التي تعتمد بشكل أساسي على الزراعة البعليه، وشريحة البادية التي تعتمد بشكل أساسي على الرعي والتنقل بحثاً عن الماء والكلأ، وفي كلا الشريحتين فإن الوحدة الأساسية الاجتماعية لهما كانت العشيرة أو القبيلة، هذا بالإضافة إلى عدد من البلدات والمدن الصغيرة مثل اربد وعمان والسلط والكرك والتي كانت تضم تجمعات حضرية مختلفة تضم نسبة لا بأس بها من أصول شامية وشيشانية وشركسية وفلسطينية، وأما بعد عام 1948 فقد تغير المجتمع الأردني تغيراً كبيراً عندما ارتفع عدد السكان من حوالي نصف مليون إلى مليون نسمة، بسبب تهجير إعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين الذي أجبروا على النزوح من ديارهم في أعقاب تأسيس دولة إسرائيل واندلاع الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948. لقد كان معظم اللاجئين الفلسطينيين اللذين جاءوا إلى الأردن وقدموا من المدن والقرى الفلسطينية على جانب من التعليم والثقافة بسبب طبيعة السواحل الفلسطينية والسورية ودرجة احتكاكها الواسع مع المجتمع الغربي وانتشار العديد من المدارس الخاصة والتبشيرية والجامعات، حيث استقر معظم هؤلاء في المدن الرئيسة مثل الزرقاء وعمان واربد والسلط، وبذلك بدأت هذه البلدات تنمو بشكل كبير بحيث أنه في كثير من الأحيان كان التوسع العمراني يتجاوز الإمكانات المتاحة في البنية التحتية والماء والكهرباء، كما أنهم أثروا وبشكل كبير على الأنماط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السائدة، وساعدوا على انفتاحها وتوسعها إلى آفاق جديدة، كما أدت أيضاً إلى نشوء أنماط جديدة من الحياة الاجتماعية المعتمدة على التجارة والصناعة والعمل المهني، والحياة السياسية المستندة على الأحزاب والتيارات السياسية المحلية والقومية، وانتقلت بالمجتمع الأردني خلال الخمسينيات نقلة اجتماعية واقتصادية وسياسية سريعة أشبه ما تكون بالطفرة بحيث أن درجة التحديث كانت أسرع من قدرة المجتمع على التكيف، الأمر الذي أدى إلى زعزعة الأوضاع السياسية للدولة، وبخاصة في متصف ونهاية عقد الخمسينيات.

ان المحلل للوضع السكاني في الأردن، يجد أن سكان المملكة يتشكلون من 98% من السكان العرب ومنهم نسبة لا بأس بها من أصول فلسطينية و2% من أصول شركسية وشيشانية وكردي، وأما من حيث الانتماء الديني فإن المجتمع الأردني يتشكل من حوالي 95% من المسلمين و5% من المسيحيين، وهؤلاء يقطنون شريطاً ممتداً من المنطقة الشمالية إلى المنطقة الجنوبية وبشكل محاذ لمرتفعات عجلون والسلط والكرك، وضمن المنطقة الواقعة غرب سكة حديد الحجاز، كما أن حوالي 50% من سكان المملكة يسكنون حالياً منطقة عمان والزرقاء وضمن دائرة نصف قطرها 30كم فقط. وهذا يعني أن نصف سكان الأردن حالياً لا يطعمون أنفسهم لأنهم يقطنون ضمن منطقة ليست بذات أهمية زراعية، إن كثافة السكان بالنسبة للكيلومتر المربع الواحد القابل للاستغلال الزراعي تعطي مؤشراً حول مقدرة الأرض على إعالة سكانها.

أن عدد السكن تقرره ثلاثة عوامل أساسية وهي الولادات والوفيات والهجرة تزيد عدد السكان في حين أن الوفيات والهجرة المعاكسة تخفضه. تعد الأردن من الدول العالية في معدل الولادات والزيادة السكانية التي تصل إلى 3.8% في الظروف الطبيعية، في حين أن هذه الزيادة كانت في نهاية الأربعينيات تصل إلى أضعاف هذه النسبة بسبب الهجرة، وأما أثناء عام 1991 وفي أعقاب حرب الخليج الثانية وبسبب ترحيل الأردنيين والفلسطينيين من الكويت وبعض دول الخليج، فقد أزداد عدد السكان بحوالي 14% من مجمل عدد السكان في سنة واحدة منهم 10% بسبب الهجرة، أي حوالي 400 ألف نسمة مما ضغط إلى حد كبير جداً على الموارد الاقتصادية للدولة وعلى البنية التحتية من ماء وكهرباء وصحة وتعليم وغيرها.

وكما ذكرت سابقاً فإن المجتمع الأردني الحديث يتكون بشكل رئيس من مجموعتين وهما الأردنيين والأردنيين من أصل فلسطيني، وهنا يجدر الإشارة إلى حقيقة هامة وهي أن تطور المجتمع الأردني وبخاصة ما قبل عام 1948 والذي كان يغلب عليه الطابع البدوي الريفي، كان مختلفاً عن تطور المجتمع الفلسطيني الذي كان يغلب عليه الطابع الريفي المدني، فعلى سبيل المثال فلقد كان لدى الفلسطينيين ما قبل عام 1948 من الجمعيات الشعبية والعمالية والثقافية والصحف اليومية والأسبوعية أكثر بكثير مما كان متوفراً لدى المجتمع الأردني، وقد يعزي ذلك إلى طبيعة التحديات والمخاطر التي واجهت الشعب الفلسطيني وبخاصة الخطر اليهودي وما واكبه من تحديات ومخاطر كبرى.

إن الفلسطينيين الذين أصبحوا ضمن الدولة الأردنية ما بعد عام 1950 يمكن أن يتقسموا إلى قسمين وهما:

1.  اللاجئون: وهؤلاء وجدوا سكناً لهم إما في مدن الضفة الغربية أو الشرقية أو تركز بعضهم في مخيمات بدأت تأخذ طابع الاستمرارية والدوام.

2.  سكان الضفة الغربية: وهؤلاء الذين يقطنون مدن الضفة الغربية، وبعض منهم انتقل لاحقاً وسكن في عمان والمدن الأخرى في إطار بحثهم عن فرص العمل والوظيفة والتجارة.

وبشكل عام وبالنسبة للوضع الاجتماعي للفلسطينيين، فقد كانوا أكثر تعليماً من الأردنيين، وإذا ما أخذنا عدد الخريجين الجامعيين بالنسبة لعدد السكان، فإن الشريحة الفلسطينية خرجت أعداداً أكثر من الأطباء والمهندسين والمعلمين وكان لهم حياة فكرية وثقافية أكثر فاعلية ونشاطاً، فقد أصدروا أعداداً أكثر من الكتب والدوريات والجرائد وتنقلوا بشكل أكبر داخل المنطقة وخارجها وبخاصة في دول الخليج أو الدول الغربية والشرقية بحثاً عن فرص العمل والدراسة، ولكن مع مرور السنين ومنذ أن وقعت الضفة الغربية تحت الاحتلال الإسرائيلي، فإن الضفة الشرقية تطورت بشكل كبير بحيث أصبح كل من الأردنيين والفلسطينيين يتمتعون وبشكل أساسي بنفس المستوى من المعيشة والثقافة.

إن البنية الاجتماعية وطبيعة التركيبة السكانية ونوعية الفعاليات العاملة في المجتمع الأردني، قد عملت كمحددات على السياسة الداخلية والخارجية الأردنية وخلقت شعوراً من الاهتمام وزادت من هاجس القلق على موضوع الوحدة الوطنية وبشكل مبالغ فيه أحياناً.

ج- العامل الاقتصادي:

لقد كان الأردن على الدوام بلداً شحيح الموارد لوقوع معظمه ضمن المنطقة الصحراوية الجافة والقليلة الأمطار، وشبه مغلق من الناحية البحرية إلا من شريط ضيق على البحر الأحمر، كما أن جزءاً كبيراً من إنتاجه الزراعي والغذائي يعتمد على الزراعة المروية في الغور من قناة الغور الشرقية، أو في المناطق الشرقية والجنوبية التي تعتمد على المياه الجوفية المحدودة، أن قسماً لا بأس به من العملة الصعبة التي تدعم الاقتصاد الأردني تأتي من السباحة وصناعة البوتاس والفوسفات والأسمدة ويعد البحر الميت ثروة وطنية ضخمة ولكن ما يستغل منه لا يزال للآن محدوداً.

لقد كان النمو الاقتصادي خلال العقود الثلاث الأولى لإنشاء الدولة محدداً، ومن الناحية الفعلية فإن النمو الاقتصادي بدأ يأخذ شكلاً متسارعاً بعد عام 1948 وانتقال مئات الآلاف من الفلسطينيين للأردن، والذي تبعه عام 1950 اتحاد الأردن مع الضفة الغربية، وبسبب ذلك فإن الفوارق في الدخول ما بين الفقراء والأغنياء خلال العقود الثلاث الأولى لتأسيس الدولة لم يكن كبيراً، وأما في عقدي الخمسينيات والستينيات والسبعينيات فإن عوامل التنمية الاقتصادية بدأت تفرز فروقاً أوسع ما بين الطبقات وأصبحت الفجوة ما بين الأغنياء والفقراء تتسع بشكل مطرد.

لقد كانت الحكومات المتعاقبة هي مركز التأثير والاهتمام فعمليات التنمية وغيرها كانت توجه من قبل أجهزة حكومية مركزية مثل مجلس التخطيط الوطني والذي أصبح لاحقاً وزارة التخطيط، لقد أعطى الملك حسين اهتماماً كبيراً بعملية التنمية، كما أنه بذل جهوداً كبيرة ووظف ثقله الشخصي وعلاقاته للحصول على الموارد المالية لإنجاح خطط التنمية.

لقد تمكنت الدولة الأردنية أن تحقق نمواً اقتصادياً أثار الإعجاب وبلغ 10% في منتصف السبعينيات وحتى مطلع الثمانينات وأما في منتصف الثمانينات وبسبب الركود الاقتصادي العام، فقط أظهر الاقتصاد الأردني تراجعاً وعانى من الركود الذي انفجر على شكل أزمة اقتصادية ادت إلى تخفيض قيمة الدينار الأردني إلى النصف عام 1989م.

أن نتائج التنمية الاقتصادية والاجتماعية كانت ظاهرة للعيان، فالتعليم انتشر وبشكل كبير بين جيل الشباب وفتحت الجامعات والمعاهد الفنية وارتفعت المعايير الصحة وانتشرت المستشفيات في كافة أنحاء الدولة.

وإذا نظرنا إلى التنمية من وجهة نظر أخرى، فقد كانت هناك وقبل عقدين من الزمن فجوة كبيرة ما بين الريف والمدينة في معايير المعيشة وبخاصة في خدمات الماء والكهرباء وغيرها وأما في بداية التسعينيات فإن هذه الفروقات تقلصت إلى حد كبير.

ان النمو السريع ما بين أعوام (( 75- 85)) أدى إلى ظهور تمايز طبقي جلي في المجتمع حيث بدأت تبرز طبقة غنية في أعلى السلم الاجتماعي، إن الإثارة السلبية لهذا النمط الاستهلاكي الذي رافق سنوات الطفرة، أصبحت أكثر حده بعد عام 1985 عندما ساد الركود الاقتصادي وأدى تفاقم الأوضاع الاقتصادية سوءاً إلى هبة نيسان عام 1989.

لقد ألحقت أزمة الخليج الثانية أضراراً فادحة في الاقتصاد الأردني، عندما أغلقت أسواق دول الخليج أمام الصناعة والتصدير، وتم طرد وترحيل معظم العمالة الأردنية في بعض هذه الدول، بالإضافة إلى تدفق أكثر من 400 ألف لاجئ جديد تم طردهم من الكويت وبعض دول الخليج إلى الأردن.

د العامل السياسي:

تتسم المنطقة المحيطة بالأردن بأنها بيئة قلقة وغير مستقرة ومفعمة بالاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحروب، وأن تأثير هذه الاضطرابات على الدول المجاورة لا يمكن إنكاره.. لقد وأجه الأردن خلال العقود الماضية العديد من التهديدات التي شملت أعمال التخريب والاغتيال والحرب الأهلية وموجات اللاجئين والنشاطات السياسية ذات التوجه القومي أو اليساري أو الديني ويمكن تقسيم هذه الفترة إلى ثلاث مراحل هي:

1.  المرحلة الأولى: لقد شهد الأردن خلال عقدي الخمسينيات والستينيات تهديدات خارجية وداخلة مختلفة، على خلفية تعريب قيادة الجيش العربي وطرد الجنرال كلوب وعدد من الضباط الإنجليز عام 1956 وموقف الأردن من العدوان الثلاثي على مصر، وأما في أعوام ما بعد 1956 ومع انتشار المد القومي الناصري فقد تأثرت الساحة الأردنية بهذا المد وبخاصة في فترة وزارة سليمان النابلسي، والتي أدت لاحقاً إلى حظر عمل الأحزاب، ومحاولة الأردن الدخول في حلق بغداد، وتراجعه عن ذلك لاحقاً بسبب ضغوطات عبد الناصر والقوى السياسية الداخلية ومن ثم انهيار الاتحاد العربي الهاشمي ما الأردن والعراق عام 1958 بسبب انقلاب 14 تموز 1958 على الأسرة الملكية الهاشمية في العراق.

لقد تعرض الأردن في عقد الستينيات إلى تهديد جدي خطير من إسرائيل في حرب عام 1967 عندما احتلت الضفة الغربية من الأردن، وقبل أن يمضي ثلاث سنوات على هذا الحدث وفي عام 1970 تهدد الاستقرار الداخلي في الأردن ويشكل خطير من قبل المنظمات المسلحة التي شكلت أشبه ما يكون بدولة داخل الدولة، ونشرت قواعدها وعناصرها داخل المدن الرئيسة. د

2.  المرحلة الثانية: ويمكن تحديد بدايتها مع اندلاع حرب تشرين عام 1973 وما ترتب عليها من نتائج عسكرية وسياسية، لقد تميزت هذه المرحلة بظروف سياسية هادئة نوعاً ما، ويمكن أن يعزى ذلك إلى عمليات التنمية الاقتصادية التي أشرت إليها سابقاً والتي مولت من قبل المساعدات من الدول العربية النفطية والدول الصديقة الأخرى، والعلاقات الحسنة مع معظم دول الجوار ونجاح سياسية الجسور المفتوحة مع الضفة الغربية التي مكنت الفلسطينيون من الدخول والخروج إلى الضفة الغربية وعزة بطريقة أكثر حرية.

3.  المرحلة الثالثة: والتي يمكن تحديد بداياتها اعتباراً من 1988 وهي سنة فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية والتي جاءت متزامنة مع نهاية الحرب الباردة، وتغير العلاقات الإقليمية والدولية واندلاع الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولربما كان قرار فك الارتباط نفسه مؤشراً على هذه المتغيرات، لقد تميزت نهاية الثمانينيات بتمتع الأردن بعلاقات جيدة مع معظم الدول العربية، كما وقف الأردن خلال هذه الفترة بقوة العراق في حربها مع إيران، وقدم تسهيلات بحرية في ميناء العقبة للعراق، كما ظهر في هذه الفترة مجلس التعاون العربي الذي ضم كل من مصر والأردن والعراق واليمن، والذي كان للملك الحسين دوراً ريادياً فيه، ان سباق الأحداث الذي تميز بهدوء واستقرار العلاقات مع العديد من الدول العربية قد تحطم مع دخول العراق إلى الكويت في آب عام 1990، فعلى الرغم من أن الأردن أدان بقوة الاجتياح العراقي، إلا أنه لم يوافق على تدويل النزاع وأصر على ضرورة أن يكون الحل لهذه الأزمة عربياًَ، وعلى الرغم من ذلك فإن الحل العربي لم يكتب له النجاح وتشكل تحالف دولي عربي بقيادة الولايات المتحدة وتمكن من إخراج العراق من الكويت وفرض حصار عليه لا يزال مستمراً للآن، كما تمكنت الولايات المتحدة من أن تضع يدها وبشكل مباشر على منابع النفط العربية في الخليج، وتمكنت من استنزاف العائدات المالية والاحتياط المالي لهذه الدول في إطار هذه الأزمة والتي لا زالت للآن.

وفي أعقاب الحرب فقد تمت الدعوة لعقد مؤتمر سلام في مدريد حضرته كل من الأردن وسوريا ومصر وإسرائيل و (م. ت. ف) وبعد مفاوضات استمرت حوالي سنتين توصلت (م. ت. ف) وإسرائيل إلى اتفاقية أوسلو عام 1993 وتم التوقيع على هذه الاتفاقية التي حددت مرحلتين لحل القضية الفلسطينية وهما :المرحلة الانتقالية ومدتها خمس سنوات، والمرحلة النهائية. التي تبحث فيها مشاكل الحدود والمستوطنات والقدس والمياه والوضع النهائي للأراضي الفلسطينية المحتلة وفي عام 1994 وبعد يوم واحد من توقيع الفلسطينيون على اتفاقية أوسلو وقع الأردن اتفاقية سلام مع إسرائيل.

إن أهم المشاكل التي تواجه النظام السياسي الأردني في المستقبل هي التحديات المتعلقة بالقضية الفلسطينية وأسلوب حل هذه القضية وانعكاساته على الأوضاع الداخلية في الأردن، وكذلك التحديات المتعلقة بالتطرف بكافة أشكاله والذي يظهر ما بين الفينة والأخرى إلى السطح ثم يختفي مؤقتاً، والفرز الطبقي المتعاظم بسبب تراجع الأوضاع الاقتصادية وانتشار البطالة.

لقد أثبتت القيادة السياسية الأردنية، قدرة وذكاءً كبيراً في التعامل مع هذه المتغيرات في الماضي، وأن الباحث يمكن أن يتوقع استمرار النظام السياسي بانتهاج أسلوب الوسطية والاعتدال التي تميز بها، ويحاول أن يكيف معظم المجموعات في الوقت الذي يعطيهم إشارات تحذير بين الفينة والأخرى حول حدودهم المسموح بها، إن الانفتاح الجزئي للنظام السياسي بعد عنصراً هاماً في هذه العملية، فمن خلال إتاحة الفرصة للشعب وللفعاليات المشاركة في العملية السياسية فإن النظام يعطيهم مصلحة قوية في دعمه، إن الديمقراطية المحدودة أو الجزئية يمكن ان يتكون خطرة بطبيعتها وبخاصة في منطقة مضطربة ومتقلبة، إلا أنها على المدى البعيد ستمثل قوة وعنصر استقرار أساسي للدولة ونظام الحكم، وبخاصة إذا تطور الحل السلمي وشمل كافة الجبهات وفي مقدمتها الجبهة الفلسطينية وتم التوصل للحل العادل والشامل الذي يؤسس لقيام دول فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف ويوفر حق العودة للاجئين والنازحين الفلسطينيين إلى ديارهم وأرضهم.

5)    نشوء وتطور الحركة الوطنية الأردنية:

أ0 لا زالت الحركة السياسية الأردنية إلى الآن، وبعد مرور أكثر من ثمانية عقود على انبثاق بدايات الأحزاب الأردنية، تعانى من مشكلة الانقسام الحاد حول طبيعة هويتها السياسية واختلاف في ترتيب أولوياتها الوطنية والقومية، وطبيعة العلاقة الجدلية ما بين العروبة والإسلام، وكذلك حدود الخاص الوطني وحدود العام القومي، إن مشكلة هل ننطلق من العام القومي ومن ثمن نعود إلى الخاص الوطني، قد أخذت حيزاً كبيراً من النقاش والاختلاف، حيث أن المطالبين بالانطلاق من الخاص الوطني، إلى العام القومي كانوا يتهمون بأنهم قطريون في توجهاتهم، في حين أن المطالبين بالانطلاق من العام القومي وتجاهل الخاص الوطني كان ينظر لهم على أنهم غير واقعيين ويتجاهلون قضايا الشعب الوطن، ويقدمون القضايا الخاصة لبعض الأقطار العربية على قضايا وطنهم الخاصة التي يجب أن تنال الرعاية الكاملة من أبناء الوطن أيضاً.

ب- لقد أورد العديد من المحللين السياسيين والمفكرين الأردنيين أسباباً عديدة أدت إلى طمس أو شرذمة الشخصية المميزة للحركة الوطنية الأردنية وتفكك هياكلها التنظيمية سابقاً، وفي مقدمتها نشوء وتطور الحركة الوطنية الفلسطينية على الأرض الأردنية بعد حرب عام 1967، في وقت كانت فيه الحركة السياسية الأردنية ضعيفة ومهمشة، وبذلك فقد هيمنت خلال تلك الفترة الحركة الوطنية الفلسطينية ومهام النضال ضد الاحتلال وتكريس الهوية الفلسطينية في مواجهة التحديات الصهيونية على المهام الوطنية الأردنية التي تراجعت إلى آخر قائمة الأولويات، وبناء على ذلك فان الحركة الوطنية الأردنية لم تحلل الواقع المتغير تحليلاً سليماً بحيث تتعامل مع الوقائع المستجدة من منطلق مهامها كحركة وطنية أردنية تعد رديفاً أساسياً للحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة بالفصائل الفلسطينية المختلفة، ولكنها بدلا من ذلك فقد انصهرت واندمجت أو استبدلت هويتها السياسية الوطنية بهويات سياسية قومية أو فلسطينية أو يسارية ضمن إطار الحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، أن هذا الانغماس أو التحول أدى إلى أضعاف الحركة الوطنية الأردنية وتهميشها وبالتالي اضحلال دورها في تفعيل قضايا المجتمع الأردني، الأمر الذي عزلها أيضاً عن واقع المجتمع الأردني وقضاياه الهامة والملحة.

ج- إن هذا النزوع في الحركة الوطنية الأردنية أدى إلى ظهور اتجاهات لإبراز حركة وطنية مستقلة، إلا أن هذه التوجهات كانت تحارب من قبل التيارات القومية والفلسطينية واليسارية باعتبارها توجهات إقليمية، الأمر الذي حدد من إمكانية تبلورها وزاد من ضعفها، وربما أدى لاحقاً إلى ذلك الضعف الذي نراه حالياً في الانخراط في الحركة السياسية الأردنية ممثلة بالأحزاب العاملة في الساحة الأردنية. إن الحركة الوطنية الأردنية الضعيفة والمهمشه والمرفوضة من التيارات القومية واليسارية والفلسطينية وحتى الإسلامية، لم تكن تستطيع أن تفرض وجودها أو أرادتها على الحكومة أو على التيارات السياسية، وهكذا وجدت نفسها محاصرة ضمن مجال ضيق للعمل وخاصة عندما كانت تتوتر الأجواء ما بين الحكومة والحركة الوطنية الأردنية، ومن جانب آخر فإن التيارات والتوجهات السياسية القومية واليسارية والفلسطينية التي احتوت الحركة الوطنية الأردنية، لم تكن مؤهلة أيضاً أو قادرة على التجاوب والتفاعل مع القضايا الهامة والمطالب الملحة للجماهير الأردنية لانشغالها في القضايا السياسية العربية العامة، والآن وبعد مرور عدة سنوات على الانفراج الديمقراطي وصدور قانون الأحزاب وإتاحة الفرصة لتشكيل الأحزاب الأردنية المختلفة، فهل فعلاً درسنا الماضي واستوعبنا دروسه؟ وهل فعلاً بدأت الحركة السياسية الأردنية تبلور هوية سياسية مميزة خاصة بها؟ وضعت الثوابت والأولويات التي يجب أن ترتكز عليها الحركة السياسية الأردنية؟ أم ما زالت السفينة السياسية تتجاذبها التيارات والأمواج ولم ترس على بر الأمان.

6)    الحركة الوطنية الأردنية وازدواجية الهوية السياسية:

أ0 لقد كان المشكلة الرئيسية والهامة في الساحة الأردنية وبخاصة في نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات أن الشخصية الوطنية الفلسطينية التي كانت في طور التشكيل لم تحدد أطرها ومهامها بشكل واضح، كما أنه خضعت إلى تأثيرات العديد من الأنظمة والتيارات والأحزاب العربية والشمولية التي كانت تتجاذبها أيضاً باتجاهات مختلفة ومتعارضة في الكثير من الأحيان، الأمر الذي أدى إلى رؤى مختلفة وازدواجية في التعامل مع المهام السياسية على الساحة الأردنية، وانغماس الحركة الوطنية الفلسطينية في قضايا العمل الوطني الأردني، أن سياسية الاحتواء التي مارستها سابقاً الحركة الوطنية الفلسطينية لجانب كبير من الحركة الوطنية الأردنية وضع الحركة الوطنية الفلسطينية أمام مهام جديدة لا علاقة لها بالنضال ضد العدو الصهيوني، وهذه المهام ناتجة أما عن شعورها بالمسؤولية عن تلك القطاعات التي احتوتها من الحركة السياسية الأردنية، أو أن المنغمسين من الحركة السياسية الأردنية في الحركة الوطنية الفلسطينية قد دفعوها لذلك، بقصد خلق وجود مؤثر لهم على الساحة الأردنية، ومهما تكن الأسباب فإن النتيجة كانت تورط الحركة الوطنية الفلسطينية في القضايا السياسية الداخلية في الأردن، والضغط باتجاه تكييف هذه السياسات أو تحويرها أو تطويرها بما يخدم أهداف هذه الحركة الأمر الذي أظهر نوعاً من ازدواجية في السلطة أو المهام السياسية.

ب0 يرى العديد من المراقين والمحللين السياسيين أن الهوية السياسية للحركة الوطنية الأردنية سائرة باتجاه الخروج من أزمتها، وأنها لا بد وان تحدد مساراً واضحاً له بحيث تخرج من حالة الضبابية السياسية ومن المراوحة ما بين الخاص الوطني والعام القومي والتشوش والازدواجية في العلاقة الأردنية الفلسطينية وذلك بسبب عدد من التفاعلات والعوامل الهامة ومنها:

1- بدء تشكيل إطار واضح للهوية السياسية الوطنية الفلسطينية والاعتراف بهذه الهوية عربياً وإسلامياً ودولياً، وبدء ممارستها لسلطاتها على الأرض الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو وما بعدها بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.

2- إقرار الميثاق الوطني الأردني الذي أجمعت عليه كافة الأطياف السياسية في الأردن وكذلك صدر قانون الأحزاب الأردني الذي حدد الأطر التي بموجبها يتم العمل السياسي في الساحة الأردنية.

3- تصدع الحركة القومية العربية وانهيارها في أكثر من موقع وانقسام واختلاف وتناحر أطرافها، والذي انعكس بالضرورة على صورة التيارات القومية على الساحة الأردنية وفاعليتها ومصداقيتها.

4- فك الارتباط ما بين الأردن والضفة الغربية والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للفلسطينيين والذي أزال حالة الازدواجية والتنافس التي كانت مرتعاً خصباً لإساءة العلاقات ما بين الطرفين.

ج0 إن الشعب الأردني القومي بطبعه الذي عايش القضية الفلسطينية معايشة يومية، وحاول البحث عن نفسه وهويته من خلال الانخراط في الحركة القومية العربة، أو في الأطر النضالية للحرة الوطنية الفلسطينية، قد وجد نفسه في إطار من التيه الفكري والسياسي مع انهيار التيارات القومية وانقسامها على نفسها وتراجعها عن أهدافها وطروحاتها، وكذلك مع تشكل الهوية السياسية الفلسطينية المميزة على الأرض الفلسطينية.

على الرغم من وجود هذه العوامل الأساسية الهامة التي تساعد على إبراز هوية سياسية أردنية قومية مميزة وملتصقة بالخط النضالي الفلسطيني في بحثه عن حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، فإن بعض المعوقات لا زالت موجودة وتعمل بشكل مضاد لهذا الاتجاه، والذي يؤثر على الأمن والاستقرار السياسي في الأردن وفي مقدمتها، إصرار بعض الرموز السياسية على إبقاء الخطوط مفتوحة والعلاقات متداخلة مع أحزاب وتيارات قومية وغيرها تعمل خارج الوطن ولم تؤطر نفسها ديمقراطياً، إن تبلور هوية سياسية مميزاً للحركة الوطنية الأردنية يحقق مصلحة مشتركة لكل من الشعب الأردني والشعب الفلسطيني ويمنع أية أطراف من العبث في هذه العلاقة أو الدس والواقعية ما بين الأخوة، كما أن وضع أولويات جديدة وواقعية للحركة الوطنية الأردنية تستند على مهام وطنية ديمقراطية يعزز من مصداقية هذه الحركة وشرعيتها أمام الجماهير الأردنية ويخفف من حدة الهجوم الذي كانت تتعرض له هذه الحركة بحجة أنها تابعة وذيليه للتيارات القومية والفلسطينية.

7)    الحركة الوطنية الأردنية في الميزان:

أ0 إن الديمقراطية بمفهومها السياسي العام تعني التعددية السياسية التي يعبر عنها عادة من خلال الأحزاب التي تنطلق من ثوابت فكرية وسياسية تعمل على ترجمتها إلى برامج سياسية واجتماعية واقتصادية ترى أنها الأفضل لتحقيق مصالح الوطن والأمة، ومن هنا فإن من أول مهام الأحزاب التي يمكن أن تستمر وتنتشر وتترسخ أن تحدد ثوابتها بشكل واضح وسليم استناداً إلى القيم الدينية والأخلاقية والتاريخية والمثل العليا في ذلك المجتمع بحيث تمثل هذه الثوابت دليلاً استرشادياً يساعد في ضبط الاتجاه وتحديد الهدف وتحقيقه وتصويب المسيرة، وأن تضع الخطط والبرامج المنبثقة عن هذه القيم والثوابت التي يردفها ويرافقها خطط إعلامية مدروسة لإيضاح هذه الخطط والبرامج وشرحها وتسويقها، إن عدد الإستراتيجيات الفكرية والسياسية المطروحة في ظروف التعددية السياسية، يقل كثيراً عن عدد الأحزاب المتواجدة في السوق السياسي، كما أن ظاهرة ازدياد عدد الأحزاب الأردنية لا تعني بالضرورة ازدياداً في عدد الإستراتيجيات الفكرية والسياسية المطروحة، والتي يمكن تمثيلها بثلاث أو أربع إستراتيجيات متميزة، إن الطيف الفكري والسياسي الذي يجمع الأحزاب الأردنية أقل بكثير من عدد الأحزاب الموجودة، ولا شكل أنه ستقع على عاتق هذه الأحزاب مهمة إقناع المواطنين بتميزها من خلال ثوابتها وخططها وبرامجها، وعليها أن تطرح ثوابتها الوطنية والقومية بشكل واضح وصحيح أمام المواطن لمساعدته في اتخاذ قراره برؤيا واضحة وبحرية، وهنا يأتي دور الإعلام والتوجيه. لقد درجت بعض الأحزاب في فترة ما قبل الديمقراطية وأثناء فترة العمل السري، التركيز إعلامياً على الدور المعارض والرافض وجعلت من هذا الدور معياراً للعمل الوطني لديها، واعتادت على وضع خطط التوجيه والتثقيف في معظم الأحيان انطلاقاً من تعليمات وبرامج تصل إليها من قياداتها في الخارج، والتي غالباً ما كانت تتعارض مع خطط التوجيه الوطني والقومي للدولة الأردنية، وذلك بسبب المصالح المتضاربة، والعلاقات المتذبذبة للأنظمة العربية واختلاف أولوياتها الوطنية والقومية، وأما الآن وفي فترة الديمقراطية فإنه ينبغي على كافة الأحزاب الأردنية أن تسارع إلى طرح ثوابتها الإستراتيجية الوطنية والقومية وبشكل واضح وصريح على الصعيد الشعبي انسجاماً مع ظروف المرحلة الراهنة بحيث تعكس روح المصالحة الوطنية التي تتمثل في العقد الوطني الذي أبرمته كافة التيارات السياسية ممثلاً بالميثاق الوطني الأردني، وبناء على ذلك، فإنه من المسلمات أن لا تضع تلك الأحزاب أية ثوابت فكرية أو خطط أو برامج أو تقوم بممارسات عملية تنطلق من أسس مخالفة للدستور وقانون الأحزاب الأردني من أجل الحفاظ على مسيرة الديمقراطية والأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلد.

ب0 أعتقد إن زيادة عدد الأحزاب وتكاثرها تعزى إلى عدد من العوامل منها:

1- طغيان المصلحة والطموحات الشخصية ضمن التيار الواحد، مما يؤدي إلى تشكيل مراكز قوى عديدة ضمن الإستراتيجية العامة الواحدة.

2- عدم تطبيق الديمقراطية أو تقنينها داخل بعض الأحزاب أو التيارات، وعدم رغبة كوادر الصف الأول فتح المجال لكوادر الصفوف الأخرى لممارسة دورها في التقدم أو التغيير أو التعبير عن الرأي والرأي الآخر، مما يؤدي إلى انشقاق هذه الكوادر وتشكيلها أحزاباً مكررة بأسماء جديدة.

3- انبثاق بعض الأحزاب عن أحزاب ذات مرجعيات قومية انقسمت على نفسها كنتاج لعوامل تاريخية أو تنافسات شخصية، الأمر الذي انعكس بصورة أو بأخرى على الخريطة السياسية الأردنية. انبثاق بعض الأحزاب عن وسائل وآليات ومرجعيات العمل الفلسطيني المسلح التي كان لها رؤى وإستراتيجيات مختلفة حول قضايا عديدة منها أسلوب حل القضية الفلسطينية وعملية السلام وقضايا التغيير الاجتماعي والاقتصادي.

4- تشكل العديد من الأحزاب من تجمعات جاءت على شكل نوة وإلكترونات تدور في المدار، وكانت هذه النواة تتكون في العادة من الشخص أو الشلة أو العشيرة وتستند عادة على المركز الإداري أو الاجتماعي أو المالي الذي تحقق له أولها في ظروف سابقة، لقد كان بقاء هذه الأحزاب أو اختفائها أو انشطارها يعتمد على بقاء النواة أو تخليها عن دورها أو وصولها إلى أهدافها المرسومة.

ج- إن هذه العوامل التي أدت إلى تبعثر الحركة الوطنية الأردنية ضمن هذا الكم الكبير من الأحزاب المتماثلة شكلاً ومضموناً، وضعت الأحزاب الأردنية أمام مهمة عسيرة وهي مهمة إقناع الجماهير بتميزها وضرورة وجودها وقدرتها على التغيير للأفضل، ومن هنا بدأت تظهر بوادر الأزمة للحركة السياسية الأردنية.

د- باتقادي إن الأحزاب الأردنية ومهما كانت منطلقاتها أو مهما اختلفت في برامجها فانه لمصلحتها ومصلحة الوطن والأمة ومسيرة الديمقراطية، أن تجري مراجعة شاملة للمرحلة السابقة وأن تنطلق قولاً وفعلاً من الثوابت الوطنية والقومية التالية:

1- الالتزام بالدستور والميثاق وقانون الأحزاب نصاً وروحاً بما يعنيه هذا الالتزام من الاستقلالية المالية والإدارية وعدم التبعية الفكرية أو التنظيمية وعدم إتاحة المجال للاختراقات الخارجية تحت أي شعار أو عنوان.

2- الوقوف بكل قوة أمام النعرات والتوجهات الإقليمية والعشائرية والفئوية، كونها مرتعاً خصباً للفتن وخنجراً مسموماً في جسم الوحدة الوطنية.

3- تجاوز ظروف المرحلة السابقة وترسباتها، والإيمان بأن الجميع في مركب واحد وأن أي خرق فيه سيلحق الأذى بالجميع، وهذا يفرض على هذه الأحزاب أن تنتهج منهجاً متقدماً ينمي لدى المواطن روح الولاء والالتزام والاحترام لثوابته الوطنية والقومية ومؤسساته الوطنية بصفتها جزءاً من منظومة العربية وفي مقدمة هذه المؤسسات جيشنا العربي والأجهزة المساندة الأخرى، والتأكيد باستمرار، على دورها الحيوي في الدفاع عن أمن الوطن الداخلي والخارجي، والذي كان من ثماره إيصال الوطن إلى حالة من الأمن والاستقرار الذي ساعد على تسريع الديمقراطية.

4-  الإيمان بالوحدة العربية كهدف سام وخيار للشعوب العربية انسجاماً مع رسالة الأردن التاريخية.

8)    إمكانات العمل السياسي وواقع الأحزاب الأردنية:

أ 0 إمكانات العمل السياسي:

1-      يتساءل الكثيرون هل إمكانات العمل السياسية المنظم ومنذ انطلاقة العمل الحزبي العلني في مطلع التسعينيات متاحة لقطاع كبير من الشعب الأردني، وهل أدوات العمل السياسي المتوفرة حالياً كافية لإشباع رغبات المواطنين واستيعاب نشاطاتهم السياسية ضمن أطر منظمة وذات جدوى للجميع؟ وهل وسائل وأدوات التعبير السياسي المقروءة والمسموعة والمرئية متاحة للجميع وبدرجة متوازنة، بحيث تستطيع إبراز الرأي والرأي الآخر بحيادية ونزاهة مقنعة؟ وهل الأحزاب الموجودة حالياً كافية من حيث النوع للتعبير عن إمكانات العمل السياسي؟ وعلى المواطنين أن يتكلوا أو يتواكلوا على فعاليات المجلس النيابي وكفى الله المؤمنين شر القتال. أسئلة كثيرة ومتنوعة تخطر على بال المهتمين بالعمل السياسي العام وتحتاج إلى إجابات مقنعة، إذا ما أردنا تعزيز إمكانات العمل السياسي الديمقراطي في وظننا.

2-      وأما بخصوص دور مجلس النواب في تفعيل المشاركة السياسية فإنه ما يزال محدوداً وبخاصة في غياب الفعاليات السياسية عن هذا المجلس، وإن مشاركة نواب الشعب، ومهما كان أساسياً فإنه لا يغني عن إشراك أكبر قدر ممكن من الشعب في الفعاليات، لأن المشاركة الشعبية في تفعيل مجلس النواب تتم كل أربع سنوات، وبعدها عادة ما تنقطع الروابط بين العديد من النواب والقواعد، إلا من خلال اللقاءات ذات الطبيعة الاجتماعية أو الخدمية التي لا تأخذ منحى سياسياً، ومن النادر أن يعود النائب إلى قواعده لاستمزاج أرائها أو استفتاء توجهاتها قبل اتخاذ قراراته، وعليه فإذا ما كان معظم الشعب حالياً خارج إطار المشاركة السياسية الفعالة، وهي الأساس الصلب للديمقراطية والتعددية السياسية، فما هي الآليات المثلى لإشراك أكبر عدد من الجماهير في العمل السياسي المنظم؟ إن الآلية الأساسية التي حددها القانون كإطار رسمي للعمل السياسي المنظم هي الأحزاب السياسية، وهذا يتطلب العمل على بعث الحياة في هذه الأحزاب وإعادة هيكلتها، وعمل مراجعة شاملة لأسلوب تكوينها ومهامها المختلفة، وكذلك العمل على تشجيع المثقفين والمفكرين المهتمين بالعمل السياسي للانغماس في العمل السياسي وإتاحة المنابر الكافية لهم لإيصالهم إلى أكبر عدد ممكن من الشعب وتمكينهم من القيام بدور رقابي وتوجيهي وتثقيفي بحيث بشكل هؤلاء قوة ضاغطة باتجاه تحقيق مزيد من الديمقراطية، وتقديم العون لصانع القرار من خلال تقديم تصوراتهم حول القضايا والمعضلات الوطنية الراهنة، وتقديم البدائل العملية المتاحة لحل هذه المشاكل، وبخاصة أن هؤلاء المثقفين والمفكرين لا يقعون تحت ضغط البيروقراطية والروتين والخوف الوظيفي، الذي يقود إلى المداراة والنفاق والتكتم على الأخطاء.

3-      أعتقد بأن الاعتماد على الأيديولوجيا كأساس في تشكيل القوى السياسية بمعزل عن القضايا اليومية للمواطنين لن يكتب له النجاح، كما ان تقديم مفهوم الفكر على الخبز أصبح مشكوكاً في جدوى تأثيره في عصر سيطرت عليه قوى المادة والاقتصاد ونزعة الاستهلاك، لذلك فإن التقسيم التقليدي السابق الذي لا يزال للآن يأخذ حيزاً كبيراً لأسلوب وإمكانات العمل السياسي الحزبي اعتماداً على المفاهيم العامة المجردة سواء أكانت شمولية أم قومية أم قطرية دون الانتباه للبعد الاقتصادي وانعكاساته على رفاهية المواطنين قد تجاوزه الزمن، وأن الإطار الواقعي لمحاور العمل السياسي لأحزاب المستقبل لابد ان يتمحور حول قضايا الاقتصاد، وأقصد هنا بقضايا الاقتصاد، كيفية توزيع الدخل وتوفير الحياة الأفضل للمواطنين، لذلك فإن نظرة الأحزاب السياسية وأسلوب طرحها لبرامجها المدروسة والمحددة حول توزيع الدخل ومكتسبات التنمية ولمصلحة من سيتم هذا التوزيع، وكذلك نظرتها إلى العبء الضريبي، ومن هي الجهات التي سيطالها العبء، سيكون الخط الفاصل ما بين الأحزاب وتوجهاتها الحقيقة والأسلوب الأمثل للتمايز فيما بينها، في الوقت الذي تماثلت فيه الأحزاب شكلاً ومضموناً على الرغم من كثرة عددها وقلة تنوعها.

4-      أعتقد أن إمكانات العمل السياسي، وحتى تكون مقنعة للمواطنين، لا بد وان يكون هدفها المعلن وغاياتها هو تعديل نظام الامتيازات والدخول، لخدمة المصلحة العامة للشعب وتعزيز الاستقرار في الوطن، إنه مهما يقال حالياً عن دور الدولة وسلطاتها في إدارة الاقتصاد وظهور رأيين في ذلك أحدهما يطالب أن تبقى الدولة متواجدة ولو بقدر معين لحماية عامة الشعب من ذوي الدخول المحدودة، والآخر يطالب بضرورة تخلي الدولة عن دورها في التدخل في الاقتصاد والاعتماد على آليات السوق لتقرر العلاقات ما بين أدوات الإنتاج المختلفة، فإنه لا يزال لدى الدولة ممثلة بسلطتها التنفيذية القدرة على أحداث تغييرات أساسية في النظام الطبقي تمنع الاحتقان، وتسمح بالنفاذ ما بين الطبقات المختلفة لذوي المؤهلات والقدرات، ولديها القدرة على إعادة توزيع الدخل اعتماداً على آلية السلطة السياسية بطريقة ديمقراطية، فعلى سبيل المثال، إذا ما توفرت الفرصة لوصول ممثلين حقيقيين للجماهير العاملة والفئات المحدودة الدخل إلى الحكم، فإنه يمكن الافتراض أنهم سيعملون على إعادة توزيع الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية بطريقة تراعي مصالح هذه الفئات، وحيث أن فرص هذه الفئات للوصول إلى الحكم ما زالت ضعيفة بسبب تدني وضعهم الاقتصادي وضعف نفوذهم السياسي، فإنه لا يزال لذوي النفوذ الاقتصادي والسياسي القوي القدرة على قولبه الرأي العام والتأثير في مجرى الانتخابات بطريقة تخدم مصالحهم، لذلك فإن الفرصة الوحيدة المتاحة لهؤلاء للحصول على نصيب عادل من الدخل، لن تتم إلا بتدخل الدولة بطريقة ما تضمن تحقيق ذلك الأمر، وهذا أصبح مشكوكاً في إمكانية تحقيقه وتتضاءل فرصة مع عدم توفر القرار السياسي، وتخلي الدولة عن جزء كبير من أدوارها الأساسية السابقة في ضبط توزيع الدخول، وهذه تعد إحدى المشكلات المزمنة التي تواجه العديد من دول العالم الثالث، وهي المراوحة ما بين الرغبة في حماية دخول الفئات الفقيرة، والمحدودة الدخل حفاظاً على الأمن والاستقرار، والحاجة إلى دعم وتشجيع الاستثمار المالي وغض الطرف عن توسعه وانتشاره ولو على حساب الفئات الفقيرة المحدودة الدخل مع ما يلحقه هذا من أضرار بالغة في الأمن والاستقرار، وهذا ما أثبتته بعض الدراسات، التي يمكن اجمال نتائجها بما يلي:

1.  إن العلاقة ما بين إمكانات العمل السياسي وبين استقرار النظام السياسي هي علاقة طردية، أي كلما ازدادت إمكانات العمل السياسي كلما ازداد استقرار النظام ورسوخه.

2.  إن العلاقة ما بين شرعية النظام السياسي وبين الاستقرار هي علاقة طردية أي كلما ازدادت شرعية النظام السياسي كلما ازداد استقراره.

3.  إن العلاقة ما بين إمكانات العمل السياسي وبين شرعية النظام السياسي هي علاقة طردية أي كلما ازدادت إمكانات العمل السياسي وتوسعت آفاقه. كلما ترسخت شرعية النظام السياسي.

5-  وعلى ذلك فإني اعتقد أن إمكانات العمل السياسي الحالية المعتمدة على الأحزاب في الساحة السياسية محدودة وغير مؤثرة، ولن تتمكن من مواكبة التطور الديمقراطي أو تعزيز المسيرة الديمقراطية للدخول إلى مرحلة جديدة مع استقبال استحقاقات قرن جديد مليء بالمفاجآت. وذلك لأن الآليات والمنطلقات التي تشكلت بموجبها الأحزاب السياسية في الأردن كانت نقليه تقليدية متناغمة مع إفرازات مراحل تاريخية معينة تجاوزتها الأحداث، بحيث أصبحت قاصرة ولا تتجاوب مع بيئتنا الملحية ولا تساير المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، لذلك فإن مفاعيل العمل السياسي في الحقبة السابقة فشلت وتعثرت ولم تحقق أهدافها وأضاعت عقوداً في تجارب سياسية واقتصادية مستوردة وغريبة عن ظروف وأوضاع مجتمع عربي ذي تراث إسلامي مجيد لا يمكن تجاهله، وهذا ما أثبتته محرجات وإفرازات الحقبة السابقة من تدهور عام في الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بسبب غياب الديمقراطية وتغيب المشاركة الشعبية السياسية، وإن هذا المجتمعات ستكون مرشحة لمزيد من التدهور إذ لم تطور مفاعيل سياسية ديمقراطية حقيقية تكفل توفير المشاركة الشعبية وتعزيز الرقابة والمحاسبة لمكافحة الوصوليين والانتهازيين الذي عاثوا فساداً في ثنايا المنظومات الاقتصادية والسياسية والإدارية.

أعتقد أن الأمر أصبح يقتضي إعادة مراجعة شاملة وجذرية لإمكانات وآليات العمل السياسي الديمقراطي من حيث التركيز على النوعية وليس الكمية، وإن تقف الدولة موقفاً صلباً من تطبيق الديمقراطية الحقيقية وليس الديمقراطية الشكلية للاستهلاك الخارجي، وإذا ما كان هذا التوجه حقيقياً، وهو منطق الواقع والعصر، فيجب المبادرة إلى اتخاذ قرارات تاريخية في هذه المرحلة وعدم الانتظار لوقت أطول بحجة أن الشعب ما يزال قاصراً ولم يصل إلى سن الرشد الديمقراطي، وهذا يتطلب وضع خطط شاملة للتنمية السياسية في كافة أنحاء الوطن وكذلك إعادة مراجعة العديد من القوانين بشكل شامل وجذري، وفي مقدمة هذا القوانين قانون الانتخاب، بحيث نخرج بقانون انتخاب متطور يدفع التوجه الديمقراطي قدماً ولا يعرقله، ويدعم إمكانات العمل السياسي والمشاركة الشعبية ولا يقيدها، ويكون قادراً على فرز قيادات سياسية جديدة على مستوى الوطن.

6-   أرى إن الاستمرار في تقسيم الأحزاب في الساحة السياسية على أساس الايديولوجيا سيخلق مزيداً من التناحر والتنافر، لأن الايديولوجيا دائماً ما تدخل مع بعضها في صراع وتناقض، وهذا قد يكون أحد أسباب احتدام الصراعات الإيديولوجية السابقة على الساحة السياسية العربية ما بين القوى ذات التوجه الشمولي أو القومي أو القطري لوجود فرز إيديولوجي حاد، لا يمكن تجسيره ما بين هذه التوجهات بحيث أصبحت الايديولوجيا سبباً رئيسياً في الانقسام والتشرذم في الشارع السياسي العربي، عندما أصبحت مطية لممتهني السياسية،إن كافة هذه الأيديولوجيات المتعارضة ما زالت موجودة ومترجمة سياسياً بشكل أو بآخر على الساحة السياسية الأردنية، وكل ما فعلته المرحلة الديمقراطية أنها أخرجتها من طور العمل السري تحت الأرض إلى العمل العلني المقنن، وهذا قد يكون أكثر خطورة، إنه من البديهيات أن كل أردني هو مسلم عقيدة أو تاريخاً وتراثاً وثقافة وإنه قومي عربي لا جدال في ذلك وهو يعيش ضمن القطر الأردني، لذلك فإن تجريده من أي من هذه المكونات بعين تجريده من جدله أو روحه أو وجدانه، كما أن ادعاء فئة ما دون غيرها بأنها تحتكر وحدانية تمثيل أي من هذه المكونات فيه مغالطة كبيرة، ويلحق أضراراً بتماسكناً الاجتماعي ووحدتنا الوطنية وبعدنا القومي، وتراثنا الإسلامي، لذلك فإن الأسلوب العام الذي تشكلت بموجبه معظم أحزابنا السياسية كان انعكاساً للتجارب الأوروبية في أوج توجهاتها القومية النازية أو الفاشية أو الشيوعية، ولا تتمشى مع استحقاقات المرحلة الراهنة أو المستقبلية، وهذا يفرض أن تعيد كافة التيارات السياسة حساباتها وتعديد مراجعة أنظمتها السياسية بحيث يكون اجماع على الثوابت الأساسية المستمدة من تراثنا القومي والإسلامي وخصوصيتنا القطرية، لتكون ميثاق شرف وطني وقاسماً مشتركاً لكافة الأحزاب، لا يجوز بأي حال من الأحوال احتكارها أو إنكارها، وتحت هذه الثوابت يكون التنافس السياسي وليس عليها، وفي هذا المجال فإن التمايز والتنافس بين الأحزاب لن يكون على الثوابت الأساسية، وإنما يتوجه نحو السياسات والبرامج الاقتصادية المتعلقة بحياة ورفاهية الشعب وأسلوب توزيع الدخل والامتيازات ووسائل مكافحة الفقر والبطالة وأساليب التعامل مع العبء الضريبي ودور القطاع العام والخاص في تفعيل الاقتصاد. وضمن هذه التوجهات يمكن استقطاب المفاعيل السياسية نحو محورين أساسيين وهما الديمقراطية الاجتماعية التي تتوجه نحو الطبقة الوسطى والدنيا والعمال وذوي الدخل المحدود، والليبرالية الديمقراطية التي يمكن ان تتوجه نحو تفعيل وترشيد الرأسمالية الصناعية والتجارية والمالية.

7-  هناك ثوابت أساسية تحكم أسلوب تكوين وأهداف وغايات وأخلاقيات العمل السياسي الأردني تم تحديدها في الدستور وبشكل واضح وصريح وتشمل البعد الديني والانتماء القومي ونظام الحكم، حيث نص الدستور في مادته الأولى، بأن نظام الحكم نيابي ملكي ورائي، وأن المملكة الأردنية جزء من الأمة العربية كما نص الدستور في مادته الثانية أن الإسلام هو دين الدولة وأنه مصدر من مصادر التشريع الأساسية، أن أعلى مراتب السيادة القانونية هو الدستور، والذي يجب أن تأتي القوانين منسجمة معه نصاً وروحاً، وأن لا يكون هناك أي شبهة تعارض مع أي من مواده أو بنوده المختلفة بصورة ضمنية أو صريحة، لقد صدر قانون الأحزاب وانسجاماً مع نص المادة (16-1) التي أقرت بحق الأردنيين لتشكيل الجمعيات والأحزاب السياسية لتلبية متطلبات التحولات الديمقراطية في حينه، أن الدارس لأسلوب تشكيل وأهداف وغايات العديد من الأحزاب الأردنية يرى أنها تركزت وتمحورت حول الثوابت الأساسية التي أشرت إليها والتي يجب أن تبقى خارج التنافس؛ فهذه الثوابت ملك لعامة الشعب، ولا يجوز بأي حال من الأحوال احتكارها أو ادعاء وحدانية تمثيلها، كما لا يجوز بأي حال من الأحوال إنكارها أو تجاهلها، لأن في ذلك مخالفة للدستور واعتداء على قاسم مشترك لكافة المواطنين وجزءاً أساسياً من تكوينهم الفكري والسياسي العام.

8-  يتوقع المواطن الأردني من كافة الأحزاب الأردنية وانسجاماً مع الدستور أن تشير صراحة في أنظمتها الداخلية الأساسية إلى هذه الثوابت والإصرار على احترامها ووضعها فوق الاجتهادات والخلافات والاستقطابات، وهذا ينطبق على كافة الأطياف السياسية من أقصى اليسار وحتى أقصى اليمين، لذلك فإن أي تيار سياسي يمكن أن يدعي تمثيل أو احتكار البعد الديني أو البعد القومي أو الوطني، فإنه بلا شك سيكون في موقف متصادم مع الدستور نصاً وروحاً، إن الخلل الرئيس الذي وقع في أسلوب العمل السياسي في الساحة الأردنية، منذ بدايات العمل السياسي وتم التغاضي عنه،  أن عدد من الأحزاب تشكلت على أساس احتكاري إغلاقي لثوابت دينية أو قومية أو وطنية، وبالتالي ظهر نوع من التناقض والتصادم عندما وجد أكثر من تيار يدعي تمثيل هذه الأبعاد والثوابت، لقد كان الموقف الأمثل لحل هذا الإشكال وإشاعة نوع من الاستقرار في آليات العمل السياسي أن يتم الإصرار لدى الترخيص لأي حزب بالإشارة لهذه الثوابت في نظامه الأساسي وفقاً لنصوص الدستور، فلا يعقل مثلاً أن يرخص لحزب لا يحترم تمثيل هذا البعد أو يتنكر لانتمائه القومي أو من جانب آخر يحتكر تمثيل هذا البعد، أو يحتكر مفهوم الوطنية وينفيها عن الآخرين لمجرد مخالفتهم له بالرأي، إن هذه الرؤية والفهم والتطبيق لإمكانات العمل السياسي في الحقبة الديمقراطية كان فيه خلل ما وربما يعزى ذلك إلى حساسية الظروف التي تشكلت فيها الأحزاب، وعدم الثقة المتبادلة التي سادت لفترة طويلة ما بين الأحزاب والنظام ككل، بحيث أن أي اجراء ومهما كان مشروعاً أو مبرراً يثير عاصفة من التشكيك التي لم يتمكن الميثاق الوطني من تبديدها قد جعل الحكومة توافق على أمور ربما يتطلب الموقف الآن إعادة عرضها مرة أخرى على الدستور، وفي مقدمتها قانون الأحزاب وتطبيقاته للتأكد من مطابقتها له نصاً وروحاً.

9-  أعتقد أن تشكيل لجنة الميثاق الوطني في حينه على الرغم من وجود الدستور كان له ما يبرروه كدليل إرشادي تفسيري للدستور وميثاق شرف لكافة الفعاليات السياسية، تحدد فيه الثوابت المتفق عليها والتي يجب أن تكون خارج إطار التنافس واقتصار التنافس الحزبي على ما دون هذه الثوابت، حتى لا تقع على إشكالات سياسية يمكن أن تظهر على شكل أحزاب ذات صفة تناحريه على ثوابت أساسية في كيان هذا الوطن، الأمر الذي سيشكل عنصر ضعف في كيانه بدلاً من أن يكون عنصر قوة فيه، وهذا يفرض إعادة تفعيل الميثاق الوطني كصمام أمان سياسي، وأنه مما يثير الاستغراب، الإصرار على طي صفحة هذا الميثاق وتجاهله بدلاً من وضعه كمرجع ومقياس متفق عليه لبيان صحة أو عدم صحة التوجهات الفكرية والسياسية ومدى دستوريتها.

ب0 معوقات العمل السياسي الحزبي:

1- أزمة النخبوية.

أ ) لقد كانت الحركة السياسية الأردنية وخلال العقود الماضية، سواء في فترة العمل السياسي السري أم العلني، حركة نخبوية الطابع، وقد يعود ذلك إلى ظروف تشكيلها وطبيعة عملها ونوعية المنخرطين فيها، وإذا ما عدنا إلى بدايات الحركة السياسية الأردنية الحديثة فإننا نرى أنها كانت تتشكل من عدد من المثقفين الذي أكملوا دراستهم الجامعية في كل من سوريا أو لبنان أو العراق أو دول الكتلة الشيوعية، والذين عندما كانوا يعودون إلى الوطن يبحثون عن سبل معيشتهم في المدن الرئيسة لعدم توفر فرص عمل لهم في الريف الأردني، لذلك فقد تركزت هذه النخب المثقفة المسيسة في المدن الرئيسة مثل الزرقاء وعمان واربد والكرك والسلط، لقد جاءت معظم النخب من الطبقة الوسطى التي كانت تكافح لتجد لها موقفاً مميزاً في المجتمع، الذي كان يتحول من مجتمع زراعي أو يدوي إلى مجمع مدني.

ب) لقد تشكلت البنية التنظيمية للحركة السياسية الوطنية منذ بدايتها من عناصر الطبقة الوسطى أو البورجوازية الصغيرة على الأغلب، ولم يكن هناك وجود مؤثر للطبقة الدنيا التي كانت تسحقها ظروف الفقر وتمنعها من توفير فرص التعليم لأبنائها. أو البورجوازية العليا التي كانت منغمسة في إدارة مواردها الاقتصادية والتجارية والصناعية ونأت نفسها عن العمل الحزبي الذي اعتقدت في حينه أنه يتعارض مع مصالحها.

ج) باعتقادي أنه من أسباب انتشار ظاهرة النخبوية في الحركة السياسية الأردنية وضعف فاعليتها العوامل التالية:

أ0 تجمد العمل السياسي الوطني وإصرار النخب القيادية على التمسك بالمواقع التي تشغلها في الهياكل التنظيمية بأي ثمن.

ب 0 التركيز على التنظير المثالي، والاهتمام بشكل مركز على قضايا العام القومي على حساب قضايا الخاص الوطني، التي عدت قضايا قطرية تتعارض مع التوجهات القومية السامية، الأمر الذي أدى إلى عزل هذه النخب القابعة في أبراجها العالية عن القواعد الشعبية التي تسحقها قضايا الحياة وهمومها اليومية ولا تهتم كثيراً في قضايا التنظير الفكري، وبخاصة بعدما تفاقمت الأزمات الاقتصادية التي أصبحت تطحن الطبقات الدنيا، وتتطلب حلولاً سريعة وواقعية لها.

ج 0 طبيعة تشكيل هذه النخب الحزبية التي جاءت في معظمها امتداداً لتيارات سياسية خارجية ولم تنبثق أصلاً من الواقع الحقيقي المعاش للجماهيري الأردنية.

د0 ضعف المؤسسات ذات الصبغة المهنية والاجتماعية والثقافية مثل النقابات والأندية والجمعيات وانشغالها في العمل السياسي أو قيام بعض النخب والتيارات بزجها في معمعة التنافسات السياسية على حساب واجباتها الأصلية، مما أضعف من فاعليتها.

2- أزمة الديمقراطية ضمن الأطر الحزبية:

أ إن عدم توفر الشروط الموضوعية للديمقراطية داخل العديد من الأحزاب الأردنية، أدت إلى انقسامات عديدة داخلها، بحيث أن العديد من الخارجين من هذه الأحزاب أو المنشقين عنها، قد برروا خروجهم لعدم توفر المناخ الديمقراطي داخل الأطر الحزبية، والرفض القاطع لتداول المناصب القيادية فيها ولو بوسائل ديمقراطية.

ب- يعزي غياب الديمقراطية وتقاليدها عن الحياة السياسية والحزبية في الأردن في قسم منه إلى انخراط هذا النخب السياسية في تيارات وأحزاب عربية لم تؤمن بالديمقراطية كأساس لتداول السلطة أو تسلم المراكز القيادية في العمل السياسي أو الاجتماعي، أو كأسلوب للتنشئة السياسية والاجتماعية لقد برر بعض قيادي الأحزاب تغليب المركزية الشديدة داخل أحزابهم في السابق لضرورات الأمن، إلا أن هذه التبرير فقد مصداقيته بعد الانفراج الديمقراطي والسماح للأحزاب بالعمل السياسي العلني وفق القانون.

ج- أرى ان العوامل الأساسية لأزمة الديمقراطية تكمن فيما يلي:

1)    تآكل شرعية القيادات، لعدم وجود آليات محددة تكفل التداول المنظم للمواقع القيادية.

2)    انتشار ظاهرة التعيين في المراكز القيادية الوسيطة وعدم الاحتكار إلى الديمقراطية.

3)  العمل على وضع لوائح وأنظمة داخلية، تكفل إبقاء القيادات في مواقعها، وانتهاج أسلوب الكولسات غير المشروعة لتحقيق ذلك.

4)    لقد كان من نتائج عدم وجود أطر ديمقراطية وتغيير النهج الديمقراطي الداخلي والإصرار على المركزية القيادية ما يلي:

أ0 جمود في الأطر الفكرية والتنظيمية وترهل في القيادات الحزبية.

ب0 الابتعاد عن الواقع المتغير للجماهير، والاعتماد على التنظير والعموميات.

ج0 تهميش دور الجماعة في صنع القرار والاعتماد على الرموز.

د0تعذر تقييم القيادات أو محاسبتها أو تغييرها.

هـ0 عدم الاعتماد على معايير الكفاءة والجدارة والقدرة على الانجاز لدى تقيم القيادات الوسيطة أو الدنيا، والاعتماد بدلاً من ذلك على معايير الشخصي.

و0 لقد أدت أزمة الديمقراطية داخل الأحزاب الأردنية إلى خلق فجوة كبيرة ما بين الأحزاب والجماهير، وجعل الجماهير تعزف عن الانتماء للأحزاب أو حتى الانفصال عنها، وأوجد حالة من الشك في شرعية القيادات، الأمر الذي انعكس سلباً على مصداقية الأحزاب وسمعتها في الشارع الأردني، كما أن ظواهر الفردية وتغليب المصالح الذاتية، واستعمال الأحزاب والمنظمات والمهنية والثقافية كواجهات للتناحر السياسي خدمة لأغراض ذاتية أو جهوية أو شللية، قد زرع بذور الشك في قدرة هذه المؤسسات ونواياها، وزعزع علاقاتها مع الجماهير، مما أثر سلباً على ممل الحركة السياسية الأردنية خلال السنوات الأخيرة وأدى إلى تراجع هذه الحركة وزاد من ضعفها وتهميش دورها.

3- أزمة الشرذمة والازدحام:

يتعجب الكثيرون في هذا الوطن ويتساءلون عن دواعي وأسباب هذا الكم الكبير من الأحزاب الأردنية المتماثلة في الشكل والمضمون وحتى في الأسماء، ففي الوقت الذي يرى فيه المراقب أن عدد الأحزاب الرئيسة التي تتداول السلطة في دول كبرى وعريقة في الديمقراطية والتعددية السياسية مثل بريطانيا وأمريكا وفرنسا يتراوح من أثنين إلى ثلاثة أحزاب، فإنه يرى أكثر من عشرين حزباً تتنافس في الساحة الأردنية المحدودة.

لقد جاء الانفراج الديمقراطي والتعددية السياسية عام 1989 وصدور قانون الأحزاب، إيذاناً بإنشاء أحزاب جديدة أو خروج الأحزاب السرية إلى العلن، ولقد جاء نشوء وظهور الأحزاب الأردنية انعكاساً لظروف خارجية يتعلق بعضها بتطور الحركة القومية العربية والأنظمة السياسية في عدد من الدول العربية وكذلك ظروف وخلفيات القضية الفلسطينية وتداعياتها التاريخية بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية والسياسية والعشائرية والشخصانية  المتعلقة بالظروف المحلية، التي أدت إلى تبعثر وتشرذم الحركة السياسية الوطنية الأردنية وظهور هذا الكم الكبير من الأحزاب الخداج.

وإذا ما تجاوزنا النزعات الشخصية والخلفيات التاريخية وظروف القضية الفلسطينية أو الثقل الاقتصادي والسياسي للعديد من الأشخاص، فإن العديد من المراقبين والمحللين السياسيين، يصنفون الخارطة السياسية في الأردن ضمن التضاريس التالية، وهي التيار الإسلامي بتوجهاته والتيار القومي بخلفياته المختلفة والتيار اليساري برموزه ونجومه والقوى والأحزاب الوطنية المحلية. وتحت هذه الخارطة تتوزع الألوان المختلفة للأحزاب الأردنية.

وإذا ما عدنا إلى هذه التيارات فإنه يمكن فرز أطر فكرية وسياسية وبرامج اقتصادية واجتماعية متمايزة، أما إذا مما نظرنا إلى الأطر الحزبية فإننا نجد أنها تتكون من نوى حزبية متماثلة في نظرتها المحلية أو العربية أو تجاه القضية الفلسطينية، فكافة هذه الأحزاب من أقصى اليمين وحتى أقصى اليسار تعلن أن الأردن جزءاً من الأمة العربية والإسلامية وأن القضية الفلسطينية هي قضية مركزية لها، بقدر ما هي قضية فلسطينية، وأنها تعمل لمصلحة الشعب ولرفع مستوى معيشة المواطن وتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص للأردنيين، وفي هذه الحالة فإنه يتبادر للذهن السؤال التالي: ما دام أن الأحزاب الأردنية في معظمها متماثلة ولو نظرنا فلماذا لا تتحد وتقلل من الازدحام المحير للمواطن الأردني؟.

إن ما هو مطلوب الآن وبعد مرور عدة سنوات على التحول الديمقراطي أن تعيد هذه الأحزاب مراجعة مواقفها وتغير وتطور من سياستها ومناهجها، بحيث تتحول من التمحور والالتفاف حول الأشخاص والرموز أو التخندق في القوالب الفكرية المجردة والجامدة إلى المصالح الحقيقية للشعب وتقنعه بمواقفها وتوجهاتها المعلنة، وبناء جسور من الثقة ما بينها وبين الجماهير.

إن الكرة ما زالت في ملعب الأحزاب الأردنية ولا يمكن بأي حال من الأحوال إلقاء اللوم كله على الآخرين في موضوع عزلة واغتراب الأحزاب وعزوف المواطنين عن الانضمام لها ودعمها، فحتى تستطيع هذه الأحزاب أو التيارات قيادة الرأي العام فيجب أن تمثل القدوة الحسنة والمثال في التضحية والتفاني والابتعاد عن نزعة الأنانية وعشق الكراسي والمراكز، وهذا يفرض على هذه الأحزاب إذا أرادت أن تبقى وتستمر أن تجري عملية مراجعة دقيقة وشاملة لظروفها وأحوالها وتبادر إلى الوحدة ما بينها قبل الكلام عن الوحدة العربية أو حتى عن الوحدة الوطنية التي تنادى بها، وذلك خلال التقاء الأحزاب المتماثلة في طروحاتها الإستراتيجية لتشكيل نوى جديدة تقنع المواطنين المنتظرين والمترفين بوجود توجه ديمقراطي وحدودي حقيقي أمامهم يترفع فوق المراكز والوجاهة وحب الصدارة، ويقدم المبدأ والمصلحة العامة وخدمة المواطنين على المصلحة الشخصية الضيقة.

4-  أزمة عدم الشفافية والانغلاق:

على الرغم من الآمال الكبيرة التي تشكلت مع بداية الانفراج الديمقراطي بوجود مؤسسات حزبية قوية ومتماسكة وملتحمة مع قضايا الشعب وآماله وطموحاته إلا أن ما تحقق للآن بهذا الخصوص مخيب لآمال الكثير من الغيورين على هذه التجربة.

إن العديد من المشاكل والتحديات التي تواجه الأحزاب شبيهة بتلك التي تواجه الأسرة، من حيث أنه يوجد نشابه كبير ما بين المؤسسة الحزبية كعشيرة سياسية جديدة ومؤسسة الأسرة كنواه عشائرية في بيئة عربية، ما يزال يطغى عليها النظام الأبوي البطريركي في الحياة وفي السياسية، وتعاني من التعتيم والبعد عن الشفافية وتضيق ذرعاً بالنقد مهما كان بناءاً.

فكما هو الحال في مؤسسة الأسرة، فكذلك الحال في المؤسسة الحزبية التي داهمتها الأمراض والمشاكل الاجتماعية والأسرية من حيث كثرة حالات الزواج السياسي بين العديد من الأحزاب وانتهاء تلك الحالات بالطلاق البائن، أو تخلي رب الأسرة الحزبية عن أسرته وتشتتها أو حالات الترمل أو تعدد الزوجات وحتى الأزواج، وكما هو الحال في مسرح الحياة فهو أيضاً في المسرح السياسي، الذي يعج بحالات زواج نفعي مصلحي ما بين عجائز في السياسة عقدوا اقرانهم على أحزاب في ريعان الشباب بحثاً عن الحضن السياسي الدافئ والزينة في الصالونات السياسية، وكذلك لإثبات فحولتهم السياسية المتهالكة ولو عن طريق تناول جرعات منتظمة من الفياغرا السياسية.

إن ما هو مطلوب حالياً للحفاظ على استقرار المؤسسات الحزبية ورسوخ التجربة الديمقراطية أن تتحلى الأحزاب بالشفافية، وأن يتم ترسيخ تقاليد حزبية نظيفة ومستقرة بعيدة عن الذاتية والأنانية وأن تقدم المصلحة العامة على المصالح الشخصية، وعلى المؤسسات الحزبية أن تثبت للجميع أنها قادرة وراغبة بتصويب هذا الوضع غير الصحي، وأن تقدم نموذجاً مقبولاً يصب في مصلحة الحفاظ على سمعة هذه المؤسسات واستقرارها، من خلال الانفتاح والشفافية ومشاركة الجميع بدرجة متوازنة في تحمل المسؤوليات، وأن لا تضل المسؤوليات مناطة بمفهوم رب الأسرة الحزبية، وإلا فإنه علينا أن نتوقع انتشار العديد من الظواهر السلبية مثل التفكك الحزبي والترمل واليتم وحالات من الجنوح السياسي والأخلاقي.

9)    طبيعة الدور التاريخي للأردن وأثره على الشخصية الأردنية:

إن الدور العربي للأردن  ليس دوراً طارئاً أو جديداً في المنظمة العربية وإنما هو دور تاريخي ريادي فرضته الأحداث والظروف منذ مطلع هذا القرن وهذا الدور استمد جذوره وجذوته من شعلة الثورة العربية الكبرى، وأهدافها السامية وكون هذا البلد قيادة وشعباً وريثاً لمبادئ ورسالة الثورة العربية الكبرى التي هدفت إلى وحدة العرب وتحريرهم وتوفير الحياة الكريمة لهم.

لقد كانت هذه الرسالة المورثة نبراساً للفكر والممارسة للأردن قيادة وشعباً، ولقد تضرر هذا البلد نتيجة حرصه الدائم على الحقوق العربية مهما كانت التضحيات أو العقبات أو حجم وقوة الأعداء لإيمانه بأن الأهداف الكبيرة لا تتحقق إلا بالتضحيات الكبيرة. وعلى ذلك فقد ارتبط الأردن بموجب رسالته التاريخية ارتباطاً وثيقاً بالقضايا العربية وفي مقدمتها قضية فلسطين فمنذ انطلاقة الثورة العربية الكبرى والتي شارك فيها العرب من كافة المنطقة العربية بما فيها فلسطين، أصر قائد الثورة العربية الكبرى الشريف الحسين بن علي على عروبة فلسطين حيث قال: (( إننا نحافظ على أصغر قرية في فلسطين حفاظناً على بيت الله الحرام ونريق في سبيل ذلك أخر نقطة من دمائنا)) وقد ضحى رحمه الله بعرشه في سبيل ذلك الهدف، وقد درج الهاشميون من بعده على نهجه تجاه القضايا الوطنية والعربية، ففي كتاب التكليف السامي الموجه لدولة المرحوم وصف التل في 2/12/1963 أكد الحسين على أن رسالتنا العربية التي تقع فلسطين فيها موقع القلب من الجسد تجعل من قضية فلسطين قضية حياة أو موت وقد بقي هذا النهج واضحاً وصريحاً لم يتغير مع مرور الأيام.

إن الأردن لم يرتبط بأي قضية في تاريخه مثلما ارتبط بالقضية الفلسطينية، ولم يكن هناك عامل مؤثر على السياسة الأردنية الداخلية والخارجية كما كانت القضية الفلسطينية فهذه القضية لم تكن قضية شعب شقيق بل كانت قضية الأردن الأولى، وقد مثل الأردن بلد الأنصار والعمق الاستراتيجي الدائم للشعب الفلسطيني.

لقد ادرك مخططو الصهيونية طبيعة هذه العلاقة العضوية حاولوا أن يفسروا وعد بلفور على أنه يشمل شرق الأردن أيضاً، وانطلاقاً من طبيعة هذه العلاقة فقد شارك الأردنيون في كافة الثورات مع الشعب الفلسطيني قبل عام 48 وقدموا الشهداء في سبيل ذلك، وفي عام 1948 دخل الجيش العربي مع الجيوش العربية الأخرى إلى فلسطين، وقد تمكن على الرغم من محدودية إمكاناته وظروفه من الحفاظ على الأراضي التي أوكلت إليه مهمة الدفاع عنها بما فيها القدس العربية وقدم الشهداء في سبيل ذلك، وفي عام 1956 وأثناء العدوان الثلاثي على مصر فقد وضع الأردن كافة إمكاناته تحت تصرف مصر في مواجهة العدوان. وأما في عام 1967 فلم يكن بمقدور الأردن وهو يرى الدول العربية تتعرض للعدوان الإسرائيلي إلا أن يدخل المعركة حيث حارب الجيش العربي في ظروف قاسية، وفي ظل سيطرة مطلقة للعدو وقد أشار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى هذا الدور في رسالته في 6/6/1967 الموجهة لجلالة الملك الحسين.

وشارك الأردن في حرب عام 1973 على الرغم من أن الحرب كانت مفاجئة له وأرسل قواته للدفاع عن الجولان السوري وقدم العديد من الشهداء في سبيل ذلك.

لقد كنت قضية فلسطين القضية المركزية المؤثرة على الشعب الأردني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، حيث عايشها هذا الشعب معايشة يومية وجعل منها المثقفون والمفكرون الأردنيون مرتكزاً لتفكيرهم، ولقد نظر الأردنيون إلى الغزو الصهيوني لفلسطين على أنه صراع حضاري وان هذا الغزو هو خطر استعماري توسعي يستهدف بالإضافة إلى فلسطين المنطقة العربية ككل، وهذا الفهم حدد المعالم الإستراتيجية للسياسة الأردنية تجاه الصراع العربي الصهيوني والتي تمثلت بما يلي:

1.    الحاجة الماسة إلى تحقيق أكبر قدر من التضامن العربي ووحدة الصف ومكافحة عوامل التفرقة والتجزئة.

2.    رفض الحلول الجزئية والمنفردة.

3.    رفض موضوع الخيار الأردني.

4.    إصرار الأردن على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

5.    دعم وصمود الأهل في الضفة الغربية.

6.  اعتراف الأردن بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني انسجاماً مع مقررات مؤتمرات القمة العربية.

7.    التمسك بعروبة القدس واعتبارها محور السلام وجوهرة.

8.  وأخيراً تقديم المظلة للوفد الفلسطيني لتمكينه من المشاركة في المفاوضات السلمية في مؤتمر مدريد وما بعده بعد أن رفضت إسرائيل والولايات المتحدة التفاوض مباشرة مع منظمة التحرير الفلسطينية.

إن طبيعة المخاطر والتهديدات التي تتعرض لها المنطقة العربية في هذا الظرف الحرج تتطلب أن يكون الأردن قوياً وسنداً للشعب الفلسطيني في معركته الفاصلة التي تدور حالياً للحصول على حقوقه التاريخية على أرض آبائه وأجداده، وإن قاعدته قوة الشعب الفلسطيني وعمقه هو الأردن، لذلك فإن الحفاظ على الوحدة الوطنية في هذا البلد هو أمر مقدس وهو مطلب فلسطيني قبل أن يكون مطلباً أردنياً، لأن في ذلك حفاظاً على فلسطين، وإن الإساءة أو الأضرار بأمن هذا البلد  واستقراره السياسي والاقتصادي هو قبل كل شيء يستهدف فلسطين أولاً وأخيراً لذلك فإن سفينة الأنصار والمهاجرين لا يمكن خرقها، ولن يسمح بخرقها، لأن الخطر محدق بالجميع وأي خرق، لا سمح الله، لن يخدم سوى مصلح إسرائيل التي ترغب باستمرار برؤية دول عربية ضعيفة مجاورة لها لتحقيق أكبر قدر من المكاسب على حساب الشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.

10)           الشخصية الوطنية والوحدة الوطنية:

عادة ما تمتحن الوحدة والتماسك الاجتماعي لأية دولة في أوقات الأزمات السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية أو الكوارث الطبيعة، فهذه الأزمات تشكل النافدة التي يدخل منها العدو للأضرار بالوطن والأمة ويعتبرها فرصته السانحة لاستثمارها، لقد كثر الحديث مؤخراً عن موضوع الوحدة الوطنية وأهميتها في خضم التحديات السياسية الكبرى التي تواجه الوطن بخاصة والأمة العربية بعامة.

إن قضايا الاندماج الوطني ليست شعاراً يطلق في المناسبات الحرجة أو أغنية تشحن النفوس لفترة من الوقت ثم تتلاشى، بل إن مفهوم الوحدة الوطنية أعم من ذلك بكثير فهو شعور ولاء وانتماء من الفرد وممارسة هذا الأمر علمياً من أجل رفعه وعزة وطنه وأمته، وبالمقابل فإن الفرد أن يتلقى بالمقابل من وطنه الرعاية والأمن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي له ولأبنائه من بعده.

إن الوحدة الوطنية تعني القدرة على دمج العناصر السكانية في وحدة اجتماعية منسجمة ومن ثم تأطيرها سياسياً ضمن هيئات ومؤسسات ديمقراطية، وإن الوحدة الوطنية يمكن إنجازها من خلال العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي المستمر ولا يمكن أن تكون بوصفة سحرية.

إن من العوامل الهامة التي تعزز الوحدة الوطنية هي إمكانية الحراك الاجتماعي بما بوفرة ذلك من ظروف مناسبة لأفراد المجتمع للانتقال وحسب قدراتهم ضمن السلم الاجتماعي وبذلك نمنع الاحتقان ونعزز الأمن الاجتماعي، والحراك الاجتماعي له صلة وثيقة بمبدأ هام وهو تحقيق المساواة  وتكافؤ الفرص للجميع، أما العامل الآخر في بناء وحدة وطنية متماسكة فهو نزاهة سلطات الدولة ومؤسساتها وابتعادها عن المحاباة والتحيز لأية جماعات عرقية أو جهوية أو طبقية أو طائفية على حساب الجماعات الأخرى.

إن بناء جهاز إداري على درجة عالية من الكفاءة وحسن الأداء يعد أمراً حيوياً كما يرى العديد من علماء الإدارة، وهذا يعني أن تستند المؤسسات الإدارية في الدولة على معايير الكفاءة والنزاهة والولاء للوطن، وان تقدم هذه المؤسسات خدماتها وتضع قوانينها وأنظمتها بطريقة لا تميز بين المواطنين، وهذا يعني تحرير الوظيفة العامة من أية قيود عشائرية أو جهوية أو عرقية أو شللية، وعدم اعتبار الوظيفة العامة منطلقاً لجلب المكاسب والمنافع للأقارب، فانتشار المحسوبية والمحاباة يؤثر سلباً على قدرة العاملين في أجهزة الدولة في اتخاذ قرارات موضوعية وبالتالي تصبح هذه الأجهزة مرآة عاكسة لأزمة عدم الاندماج الاجتماعي.

تعد المؤسسة العسكرية مؤسسة اجتماعية متميزة ووسيلة مثلى لتحقيق الاندماج الاجتماعي بما تتحلى به من احترام للنظام والانضباط، فالضبط والربط من أهم سمات المؤسسة العسكرية الناجحة، كما يعد عنصر قوتها، والقوات المسلحة تمثل المؤسسة الأولى المعنية بالدفاع عن المجتمع ضد أي تهديد خارجي أو داخلي يستهدف هويته أو وجوده، وتأتي أهمية هذه المؤسسة من كونها مؤسسة تقوم على أسس إدارية متقدمة.

ومن هنا فإن النخبة العسكرية تعد أهم النخب الاجتماعية ولها دور فاعل في تحقيق التكامل والاندماج الاجتماعي وذلك بسبب قدرتها على دمج الأفراد من كافة الأصول الاجتماعية في بوتقة واحدة، وعلى ذلك فإن المؤسسة العسكرية تعد في طليعة المؤسسات التي تخلق الشعور بالمواطنة وهي قناة مهمة من قنوات الحراك الاجتماعي بما تتيحه لأفرادها من التحرك من أسفل إلى أعلى على أساس معايير العمل والكفاءة، وبناء عليه فغن القوات المسلحة إذا ما بنيت على أسس وطنية سليمة من ناحية معايير الكفاءة والإخلاص والنزاهة فإنه تمثل أدارة فعالة في تحقيق الاندماج الاجتماعي والوحدة الوطنية.

إن عوامل الديمقراطية السياسية والاجتماعية والاقتصادية تعد أمراً في غاية الأهمية لتحقيق الوحدة الوطنية، وتعد التعددية جوهر العملية الديمقراطية. ومظهر هذه التعددية هو الأحزاب والتيارات والفعاليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة، فالأحزاب التي تنبثق من صلب المجتمع وتعمل لمصلحته تقوم بعدد من الوظائف التي لها علاقة بالوحدة الوطنية ومنها الوظيفة التنظيمية ووظيفة التثقيف وتقديم وسيلة الاتصال ما بين القاعدة والقيادة السياسة، وكذلك قدرتها على تنظيم وتأطير المشاركة السياسية وقدرتها على خلق قيادات وطنية وإسهامها في علمية التغيير الاجتماعي.

إن مفهوم الحزب السياسي لا يمثل بحد ذاته إضافة نوعية للاندماج الوطني وهنا يجب التفريق ما بين نوعين من الأحزاب السياسية وهما الأحزاب التي تساعد على الاندماج والأحزاب التي لها أبعاد تمزيقية للمجتمع، وهي تلك الأحزاب التي قد تؤسس على أسس طائفية أو قبلية أو جهوية أو مصلحية خاصة، ولذلك فإن المعيار الذي يمكن الاعتماد عليه في تصنيف حزب ما بأنه يصب في مصلحة الوحدة الوطنية أو ضدها ليس فقط عقيدة الحزب أو خطابة الإيديولوجي المعلن، وإنما أيضاً موافقة وسياسياته وممارساته عبر فترة زمنية كافية يتم فيها اختبار أهدافه الحقيقية واتجاهاته العامة من مسألة الوحدة الوطنية.  

كذلك فإنه توجد مؤسسات أخرى على قدر كبير من الأهمية في تشكيل الوحدة الوطنية وتعزيزها وتأتي في مقدمة هذه المؤسسات الأسرة والتي يتم فيها تربية الفرد التربية الوطنية السليمة وكذلك أجهزة الإعلام والتي لها دور فاعل في خلق وإدامة الوحدة الوطنية من خلال قدرتها الفائقة للوصول السريع للمجتمع والتأثير على اتجاهاته وآرائه.

11)           العلاقات الإيجابية بين السلطات الثلاث وأثرها في بلورة الشخصية السياسية المتوازنة:

تعرف الحكومة الديمقراطية بأنه حكومة الشعب ومن الشعب وتعمل لمصلحة الشعب، وكذلك فإن البرلمان يعد تمثيلاً لإرادة الشعب وينوب عن الشعب في شؤون الرقابة والتشريع واتخاذ القرارات، وحيث أن الديمقراطية هي الوجه الآخر للتعدية السياسية فإن كافة التيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الشعبية ستجد لها تعبيراً في البرلمان، وبناء عليه فإن البرلمان في المناخ الديمقراطي لا يكون بلون واحد بل يمثل الطيف السياسي كاملاً وعلى ذلك فعندما تنبثق الحكومة من البرلمان أو عندما تلجأ إلى طلب الثقة بها منه، فإنها يجب أن تحظى بالأغلبية حتى تستطيع أن تمارس واجباتها، ولا يفترض وليس من المعقول في المناخ الديمقراطي أن تحصل على الإجماع، وإن كان هذا يتم في أنظمة الحزب الواحد أو الأنظمة الدكتاتورية. كذلك فإن البرلمان المنتخب ديمقراطياً هو من الشعب وإلى الشعب وهو انعكاس أيضاً للقوي والتيارات الفاعلة في المجتمع، وعلى هذا فإذا كان البرلمان يأخذ شرعيته من الدستور وإرادة الشعب، فإن المعارضة البرلمانية أيضاً تأخذ شرعيتها في المناخ الديمقراطي من الدستور أيضاً، وعادة ما تنبثق الفعاليات السياسية من منطلقات فكرية أو سياسية أو اقتصادية تشعر هذه الفعاليات أنها تلبي رغبات الشعب، وعليه فإنها تعمل على ترجمتها على شكل برامج مختلفة تطرحها للمواطنين وتعد بتطبيقها إذا ما وصلت للبرلمان أو للسلطة التنفيذية، ومن هذا المنطلق، فإذا ما حصل حزب سياسي على الأقلية في البرلمان ولم يتمكن من تشكيل حكومة يصبح حزب المعارضة، وعليه فإن المعارضة توجد انسجاماً مع رغبات وتطلعات الشعب وهي سابقة للبرلمان وعادة لا تولد المعارضة بشكل فجائي داخله، إلا إذا حدث اختلاف في الرؤية أو الإستراتيجية داخل الحزب الحاكم أو داخل الائتلاف الحاكم فتخرج إلى المعارضة. والمعارضة أما ان تكون إستراتيجية أو تكتيكية والمعارضة التكتيكية غالباً ما تكون معارضة مبنية على ردود فعل وانفعالية مؤقتة وقصيرة المدى ومتغيرة الاتجاهات والأهداف.

والمعارضة أيضاً قد تكون حقيقية أو مصطنعة، ففي ظروف الحكم من خلال الحزب القائد المهيمن، فإنه يتم تصنيع رموزه وتلميعها وتسويق برامجه وتغطيتها إعلامياً بدأ من القمة ومن خلال وسائل الإعلام الرسمية وذلك من أجل خلق حالة من الإجماع المصطنع، وإبراز بعض حالات المعارضة لتجميل الصورة السياسية فقط او إضفاء طابع ديمقراطي مزيف على العلمية السياسية.

إن الجانب الإيجابي الهام في العملية الديمقراطية إن الشعب هو الذي يصنع رموزه وهو الذي يلغي هذه الرموز إذا ثبت انها لا تعمل لمصلحته، لذلك فإن ولاء الفرد سيكون للشعب، كما أن الشعب سيدعم الرموز التي يعتقد أنها تمثل أماله وتطلعاته، بالإضافة لما لمسه الشعب من أعمالها وافعالها وسيرتها السابقة في التفاني في مجال الخدمة العامة. كما ذكرت، فإن المعارضة في الدول الديمقراطية تمثل الرقيب على السلطة التنفيذية وكذلك الحكومة البديلة في حالة حجب الثقة عن الحكومة أو انضمام أعداد من النواب المؤيدين للحكومة إلى صف المعارضة بحيث تحصل المعارضة على الأغلبية في البرلمان، إن المعارضة الحقيقية لا تبني على الممارسة والإجراءات للحكومة، لأن الإجراءات متغيرة وهي تعد ترجمة للتوجه الإستراتيجي العام. لذلك فإن المعارضة عادة ما تبني على ضوء التوجه الإستراتيجي العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والذي يفترض أن يكون لكل تيار أو حزب سياسي مثل هذا التوجه العام المختلفة والذي يعد مبرراً لوجود هذا الحزب، فالأحزاب والقوى السياسية لا تبنى أو تنشأ على ضوء الاختلافات التكتيكية المتغيرة والتي عادة ما تحكمها المصالح الشخصية الضيقة، وعلى ذلك فإن غياب التوجه الإستراتيجي للقوى السياسة الفاعلة ومنها قوى المعارضة قد يفتح المجال للاستقطاب على الأسس العشائرية أو الإقليمية أو الجهوية أو المصلحية، والذي قد ينعكس سلباً على تماسك الوحدة الوطنية. إن المعارضة الراشدة لا تبنى معارضتها على أساس إمكانية تنفيذ أو عدم تنفيذ بعض المطالب الفردية المتعلقة بمنطقة جغرافية أو عشيرة معينة، فالمعارضة لا تبنى على ضوء طلبات قد تنفذ أو لا تنفذ ومحكومة بالإمكانات مثل طريق أو شعبه بريد أو مركز صحي، ولكن تبنى على فرضية هل يوجد خطة أو توجه سياسي أو اقتصادي وطني سليم للحكومة بشكل عام يحقق العدالة والرفاه لكافة قطاعات الشعب.

إن الحكومة والبرلمان بما فيه المعارضة في النهاية يجب أن تعمل لمصلحة الوطن والأمة أولاً وأخيراً ويكون الاختلاف في الاجتهاد حول كيفية تحقيق هذه المصلحة بالأسلوب الأمثل، فالمعارضة مؤسسة وطنية شرعية لا يقل إخلاصها للوطن عن المشارك في الحكومة لذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال الغمز بطرف المعارضة ووصمها بالخروج عن المسطرة الوطنية. وحيث أن المعارضة منبثقة من الشعب وتعمل لمصلحة الشعب فإنه لا يجوز لها أن تستمد أي دعم معنوي أو غيره من الخارج، كما أنها يجب أن لا تكون انعكاساً لأي مصلحة خارجية. وعليه فأنه أيضاً يجب على الحكومة أن تفتح كافة وسائل وأجهزة الدولة الإعلامية للتعبير عن رأي المعارضة بنفس الأسلوب الذي تخصصه للسلطة الحاكمة.

كذلك فإن أسلوب عمل المعارضة يجب أن يكون ضمن خطة منطقية منسقة وموازية لخطط الحكومة ومعتمدة على الإمكانات السياسية والاقتصادية للدولة ومدركة للتحديات المفروضة والمتغيرات الإقليمية والدولية المؤثرة على الدولة، وبعكس ذلك فإن عمل المعارضة سيكون أقرب إلى المزايدة منه إلى العمل الإيجابي البناء.

وفي الختام لابد من إرساء تقاليد راسخة تعزز مع مرور الزمن حول إيجاد نوع من التعاون والتنافس البناء ما بين مؤسسة الحكومة والبرلمان وقوى المعارضة فيه، بحيث يكون لكل واحد منها دورها المعروف، لأن تغيير المواقع ما بين مؤسسة الحكم ومؤسسة المعارضة في الأنظمة الديمقراطية أمر محتمل الحدوث في أي وقت.

12)           المعارضة ودورها في الإطار الديمقراطي:

لا شك أن المتتبع للعملية السياسية يرى أنها تسير بخطى متسارعة ومنذ اتفاق أوسلو ما بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وإن وتيرة التسارع بدأت مؤخراً تأخذ أبعاداً جدية. إن سرعة الأحداث وإيقاعها وأبعادها أخذت العديد على حين غرة، بحيث وقفوا مشدوهين لا يعرفون ماذا يصنعون وخاصة تلك الأطراف التي كانت تعارض التسوية السياسية مستندة على البرنامج التاريخي الرسمي بحيث أصبحت تلك الاطراف أمام منعطف هام يفرض عليها أن تطرح برامجها وبدائلها الخاصة بها لمواجهة المستجدات الطارئة.

لقد اعتادت المنطقة العربية سابقاً وفي غياب الديمقراطية الحقيقة على نوعين من الممارسات السياسية وهما التفرد في الحكم وبالتالي كبت المعارضة ودفعها إلى العمل السري أو الحكم من خلال حزب قائد أو نخبة سياسية ضيقة تقوم على اصطناع المعارضة وإخراجها بالحلة التي تريد وبالقدر الذي تحدده.

لقد اصطبغت المعارضة العربية سابقاً بالصبغة السياسية في معظمها حيث كان يتركز المحور الأساس للمعارضة على المواقف السياسية وكون القضية الفلسطينية كانت محور العمليات السياسية رسمياً وجماهيريا ً فإن اصطفاف المعارضة كان يتمحور حول مواقف الأنظمة أو الأفراد أو الأحزاب من هذه القضية وكذلك كان شأن الأحزاب، التي غلب عليها الطابع السياسي أيضاً.

إن التطور الذي تشهده معظم المجتمعات العربية وانتشار مفهوم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان سيجعل العمليات السياسية الراهنة والقادمة تنصب على موضوع الديمقراطية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبالتالي فإن المعارضة ضمن هذه الفترة ستأخذ شكلين وهما المعارضة السرية، والتي تطلب بتطبيق الديمقراطية في الدول العربية التي لازالت خارج الإطار الديمقراطي الصحيح، والمعارضة العلنية السلمية التي تطالب بالتغيير ضمن الإطار الديمقراطي في الدول التي فضلت انتهاج الخط الديمقراطي على ضوء المتغيرات المحلية والدولية المتسارعة.

لقد أخذت المواقف العربية الرسمية والشعبية موقف الرفض لوجود إسرائيل وحتى عام 1967 وإن المعارضة التي كانت تظهر هنا وهناك للأنظمة السياسية كانت تبرر وجودها بأنها تريد تغيير الأنظمة السياسية خدمة للقضية الفلسطينية، في حين إن الأنظمة السياسية كانت تصف هذه المعارضة بأنها تعمل بإيحاء من الأعداء لتقويض الخطط لتحرير فلسطين.

لقد شكلت هزيمة الدول العربية أمام إسرائيل عام 1967 منعطفاً تاريخياً عندما قبلت عدد من الدول العربية قرار 242 والذي شكل موقفاً سياسياً جديداً كون هذا القرار نص على الاعتراف بإسرائيل ضمن حدود آمنة ومعترف بها، ولقد كان هذا القرار مثار خلاف في الشارع العربي حيث كانت المواقف حوله تتراوح ما بين القبول به تكتيكياً ورفضه إستراتيجياً دون طرح بديل علمي قابل للتطبيق على أساس ترك القضية للأجيال القادمة او المتغيرات الدولية، ولقد كانت المواقف في الشارع العربي تتمحور حول ثلاث اتجاهات وتيارات.

1.  التيارات والاتجاهات الإسلامية وهذه ترفض قرار 242 وترفض المفاوضات ونتائجها وانطلاقاً من ثوابتها الدينية وهذه الاتجاهات أيضاً تأخذ أشكالاً سياسية عديدة فمنها ما تأخذ طابع المعارضة السلمية في الأنظمة الديمقراطية أو طابع العمل السري في الأنظمة الاستبدادية.

2.  التيارات القومية: وهذه التيارات وقفت في حيرة من أمرها عندما وجدت أن أقطاب الحركة القومية قد قبلوا قرار 242 وفي مقدمتهم جمال عبد الناصر وعلى ذلك لم يكن أمامها من طريق سوى الانشقاق أو الإذعان مع التناقض مع الذات، وفي محاولة من هذه التيارات في تجميل صورتها السياسية أو معالجة حالة الانفصام فإنها كانت تعترض على فنية المفاوضات أو بعض نتائجها واستخدام وسائل الإعلام بكثافة لبيان تمسكها بالثوابت القومية وإصرارها على الحقوق الوطنية دون التطرق إلى مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 ولقد ضعفت هذه التيارات كثيراً بعد انفكاك القضية الفلسطينية عن مجمل الصراع العربي الإسرائيلي.

3.  التيارات ذات البعد القطري: وهذه كانت في الغالب انعكاساً للسياسات الرسمية للدول العربية، وقد اشتد أزر هذه التيارات بالمطالبة بالاهتمام بالقضايا القطرية بعد أن أصبحت القضية الفلسطينية حالياً تأخذ بعد القضية القطرية ما بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل وانفكاكها عن الإطار القومي للصراع العربي الإسرائيلي والذي ساد في المراحل السابقة.

 

 

الفصل الثاني

الشخصية الأردنية وتطور الحياة السياسية في الأردن

1.    القسم الأول: تطور الحياة النيابية والدستورية من عام 1921-1957 .

1)    المقدمة.

2)    الخلفية التاريخية.

3)    تطور الحياة الدستورية

4)    تطور الحياة التشريعية.

 

2.    القسم الثاني: تطور الحياة السياسية والأحزاب منذ عام 1921 وحتى عام 1957.

1)    المقدمة

2)    تطور الأحزاب الأردنية.


الفصل الثاني

الشخصية الأردنية وتطور الحياة السياسية في الأردن

أ0القسم الأول: تطور الحياة النيابية والدستورية من عام 1921-1957.

1-  المقدمة.

لقد كانت التوجهات ومنذ تأسيس الإمارة في شرق الأردن أن تكون هذه الدولة دستورية برلمانية وديمقراطية من حيث إتاحتها للأحزاب السياسية بحرية العمل ومنذ البدايات الأولى لتأسيس الإمارة، وعلى ذلك فقد ارتكزت الحياة السياسية في الأردن على عدة من الركائز والتي وفرت الشرعية للحكم وللدولة الأردنية ومنها مؤسسة العرش التي يرأسها ملك هاشمي من أعقاب الشريف الحسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى وهذه القيادة التي أجمع عليها الأردنيون وتعززت شرعيتها بسبب عدد من العوامل الأساسية وفي مقدمتها صلة النسب الهاشمية القرشية، ومنطلقات ومبادئ الثورة العربية الكبرى وقيادة الهاشميين لهذه الثورة التحررية والوحدوية وشرعية الإنجاز والتقدم والازدهار الذي تحقق للأردن خلال العقود المتتالية ومنذ تأسيس الدولة وكذلك شرعية الديمقراطية والحرية ومشاركة الشعب في حكم نفسه واتخاذ قراراته من خلال استقلالية السلطة التشريعية المنتخبة من الشعب والتي تمارس الرقابة والمتابعة على السلطة التنفيذية والتي يجب أن تحوز على ثقة الشعب من خلال حيازتها على ثقة ممثليه.

2-  الخلفية التاريخية:

لقد تمكنت قوات الثورة العربية الكبرى من التقدم وتحرير سوريا الطبيعية والعراق، وقبل أن تتمكن هذه القوات من تثبيت سلطاتها على الأرض المحررة لتأسيس الدولة العربية الموحدة فوجئ العرب بما عرف بمعاهدة سايكس بيكو والتي قسمت المنطقة العربية في آسيا إلى مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية، حيث وضعت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي ووضعت الأردن وفلسطين والعراق تحت الانتداب الفرنسي ووضعت الأردن وفلسطين والعراق تحت الانتداب البريطاني ولم تتشكل دولة في الأردن وخلال هذه الفترة بدأ رجالات شرق الأردن في البحث عن صيغة لتنظيم أنفسهم، وفي هذه الأثناء ومنذ عام 1919 -1921 تأسس في شرق الأردن عدد من الحكومات المحلية في كل من اربد وعجلون ودير يوسف وجرش والسلط والكرك، الأمر الذي كان يمكن ان يؤدي لو استمر الوضع إلى حروب أهلية أو تعرض البلد إلى الأطماع الصهيونية التي كانت تطمح في أن يشمل وعد بلفور أراضي شرق الأردن.

 لقد حدثت في نهاية عام 1970 أحداث في سوريا أدت في محصلتها إلى تغيير المسار التاريخي للمنطقة العربية، عندما قامت فرنسا بتصفية الحكم الفيصلي في سوريا وذلك على أثر معركة ميسلون ما بين قوات الدولة السورية والقوات الفرنسية، على أثر ذلك فقد تحرك الأمير  عبد الله من الحجاز بقوات عربية لمهاجمة الفرنسيين واستعادة الحكم الفيصلي في سوريا ولقد وصلت طلائع القوات العربية التي كان يقودها التي كان يقودها الأمير عبد الله بن الحسين إلى معان حيث عسكرت في منطقة معان تمهيداً لتحضير القوات وتجهيزها لمهاجمة القوات الفرنسية في سوريا، وفي غمرة الاستعدادات لذلك فقد اعترضت بريطانيا على توجه الأمير لمقاتلة الفرنسيين حرصاً على علاقاتها مع فرنسا وبخاصة أن سوريا كانت تحت الانتداب الفرنسي طبقاً لمعاهدة سايكس بيكو. على ضوء ذلك فقد استقر الأمير عبد الله في معان حيث بدأت عملية تأسيس إمارة شرق الأردن لتكون منطلقاً لتوحيد الهلال الخصيب والتي توجت في النهاية باستقلال شرق الأردن وإخراجها من دائرة وعد بلفور ومن ثم اتحاد الأردن من الضفة الغربية عام 1950 وإعادة تشكيل الهوية الوطنية الجديدة للدولة الأردنية الحديثة.

3-  تطور الحياة الدستورية:

لا يمكن لأي متحضر أن يشكل دولة حديثة ما لم يكن له دستور متطور منبثق من واقع الأمة وحياتها وثقافتها الاجتماعية والدينية، يحدد هذا الدستور الحقوق والواجبات للمواطنين ويحكم عمل السلطات الثلاث التنفيذية، يحدد هذا الدستور الحقوق والواجبات للمواطنين ويحكم عمل السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، بحيث لا تطغى أو تتعدى احدهما على الأخرى، ولقد مرت الحياة الدستورية في الدولة الأردنية بالمراحل التالية:

 أ) مرحلة القانون الأساسي لعام 1928: نشر هذا القانون في 16/4/1982 باسم القانون الأساسي لإمارة شرق الأردن حيث جاء في 72 مادة وقد نصت هذه المواد على الاعتراف باستقلال شرق الأردن ويحق الأردنيين في تشكيل الجمعيات، وإن السلطات التشريعية والإدارية مخولة للأمير الذي يصدق على القوانين ويصدرها ويراقب تنفيذها وكذلك على تأليف مجلس تنفيذي مكون من ستة أشخاص لإدارة شؤون البلاد وتأسيس مجلس تشريعي من ممثلين منتخبين.

ب) مرحلة دستور عم 1947: وضع هذا الدستور بعد إعلان استقلال شرق الأردن عام 1946 وإعلان الملكية وقد صادق عليه المجلس التشريعي في 28/11/1946 ولقد جاء هذا الدستور متقدماً ومتطوراً عن القانون الأساسي لعام 1928 ولقد نصت المادة 25 من الدستور على أن المملكة الأردنية الهاشمية دولة مستقلة ذات سيادة دينها الإسلام ونظام الحكم ملكي وراثي.

ج) مرحلة دستور عام 1952: صدر هذا الدستور في 8/1/1952 والذي عد دستوراً متطوراً وحديثاً بكافة المقاييس ومن الانجازات الكبيرة لعهد الملك طلال، ولقد جاء في هذا الدستور أن المملكة الأردنية جزء من الأمة العربية مستقلة وأن الشعب الأردني جزءاً من الأمة العربية ولقد كان الأردن سباقاً في هذا التوجه القومي والذي جاء منسجماً مع منطلقات وتوجهات الثورة العربية الكبرى، ولقد نصت المادة 33 منه على أن الملك هو الذي يعلن الحرب ويعقد الصلح ويبرم المعاهدات، كما أن نظام الحكم نيابي ملكي وراثي.

د) الميثاق الوطني لعام 1928: أعلن الميثاق الوطني عام 1928 وذلك أعقاب اجتماع عقده ممثلون عن إمارة شرق الأردن في 25/7/1928 وأصدروا ميثاقاً ًوطنياً نص على ما يلي:

2.    إمارة شرق الأردن دولة عربية مستقلة ذات سيادة بحدودها الطبيعية.

3.    تدار شرق الأردن من قبل حكومة دستورية مستقلة برئاسة سمو الأمير عبد الله بن الحسين وأعقابه من بعده.

4.    لا تعترف شرق الأردن بالانتداب إلا في إطار مساعدة فنية نزيهة لصالح البلاد.

5.  تعتبر شرق الأردن وعد بلفور القاضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين مخالفاً لعهود بريطانيا ووعودها الرسمية للعرب وتصرفاً مضاداً للشرائع الدينية والمدنية في العالم.

6.  كل انتخاب للنيابة العامة يقع في شرق الأردن على غير قواعد التمثيل الصحيح وعلى أساس عدم مسؤولية الحكومة أمام المجلس النيابي، لا يعتبر ممثلاً لإرادة الأمة وسيادتها ضمن القواعد الدستورية.

7.  ترفض شرق الأردن كل تجنيد لا يكون صادراً عن حكومة دستورية مسؤولية باعتبار أن التجنيد جزءاً لا يتجزأ من السيادة الوطنية.

8.    ترفض شرق الأردن تحمل أية نفقات لأية قوة احتلالية أجنبية.

9.  ترى شرق الأردن أن مواردها إذا منحت حق الخيار في تنظيم حكومتها المدنية كافية لقيام إدارة دستورية صالحة فيها برئاسة سمو الأمير عبد الله صاحب الإمارة الشرعي.

10.  تعتبر شرق الأردن كل تشريع استثنائي لا يقوم على أساس العدل والمنفعة العامة وحاجات الشعب الصحيحة تشريعاً باطلاً.

11.     لا يتعرف شرق الأردن بكل قرض مالي وقع قبل تشكيل المجلس النيابي.

12.  لا يجوز التصرف بالأراضي الأميرية قبل عرضها على المجلس النيابي وتصديقه عليها وكل بيع وقع قبل انعقاد المجلس يعد باطلاً .

4-  تطور الحياة التشريعية:

لقد كانت فكرة إنشاء مجلس تشريعي في إمارة شرق الأردن مطروحة منذ تأسيس الإمارة حيث وافق الأمير عبد الله عام 1923 على تأليف لجنة منتخبة من ممثلي الشعب والتي اجتمعت برئاسة ناظر العدلية وأوكل بها مهمة وضع قانون الانتخابات للمجلس النيابي. كذلك فقد تم تشكيل لجنة في 30/3/1924 لوضع القانون الأساسي للإمارة وقد وضعت هذه اللجنة لائحة القانون الأساسي الذي لم يتم تفعيله. وعلى ذلك فقد تم تشكيل لجنة جديدة في تشرين الثاني 1926 لإعادة النظر في قانون الانتخاب وبقي الموضوع دون ان يبت فيه  حتى عام 1928 عندما صدر القانون الأساسي لإمارة شرق الأردن والتي نصت المواد (25-41) منه على تشكيل مجلس تشريقي كما حددت هذه المواد صلاحيات هذا المجلس.

أ) المجلس التشريعي الأول:

1.    عقدت جلسته الأولى في 2/4/1929.

2.  تشكل هذا المجلس من الأعضاء التاليين: نجيب الشريدة، عقلة محمد النصيرات، عبد الله الشريدة، نجيب أبو الشعر، سعيد المفتي، علاء الدين طوقان، شمس الدين سامي، سعيد الصليبي، محمد الإنسي، نجيب الابراهيم، عطا الله السحيمات، رفيفان المجالي، عودة القسوس، صالح العوران، حمد بن جازي، مثقال الفايز.

ب) المجلس التشريعي الثاني:

1.    جرت الانتخابات للممثلين الثانويين في 1/6/1931 وعقد جلسته الأولى في 10/6/1931.

2.  تألف هذا المجلس من الأعضاء التاليين: قاسم الهنداوي، ناجي العزام، سلطي الابراهيم، محمد السعد، عادل العظمة، هاشم خير، سعيد المفتي، ماجد العدوان، سعيد أبو جابر، حسين الخواجة، متري الزريقات، حسين الطراونة، رفيفان المجالي، صالح العوران، حمد بن جازي حديثه الخريشه.

ج) المجلس التشريعي الثالث:

1.    جرت انتخابات هذا المجلس في 16/10/1934 عقد جلسته الأولى في 1/11/1934.

2.  تألف المجلس من الأعضاء التاليين: محمود فنيش النصيرات، عبد الله الشريدة، فلاح الظاهر، سليمان الخليل، فوزي النابلسي، ماجد العدوان، نظمي عبد الهادي، أسعد الخليل، فوزي المفتي، واصف بشارات، رفيفان المجالي، متري الزريقات، صالح العوران، محمود كريشان، حمد بن جازي مثقال الفايز.

د) المجلس التشريعي الرابع:

1.    جرت الانتخابات لهذا المجلس في 16/10/1937 وبدأ دورته الأولى في 1/11/1937.

2.  تألف المجلس من الأعضاء التاليين: محمود فنيش النصيرات، عبد الله الشريدة، محمد العواد، سلطي الابراهيم، ماجد العدوان، صبري الطباع، سعود النابلسي، شوكت حميد، حسين خواجه، خليل السكر، رفيفان المجالي، صالح العوران، محمود كريشان، إبراهيم الشرايحه، حمد بن جازي، حديثه الخريشه.

هـ) المجلس التشريعي الخامس:

1.  بتاريخ 18/6/1942 عدل قانون الانتخاب حيث قسمت الإمارة إلى أربع دوائر انتخابية وهي دائرة البلقاء (6) أعضاء ودائرة عجلون (4) أعضاء ودائرة الكرك (3) أعضاء ودائرة معان عضواً واحداً، والبدو عضوان.

2.    جرت الانتخابات في 20/10/1942 وانعقد المجلس في 1/11/1942.

3.  تألف المجلس من التاليين: ماجد العدوان، سعود النابلسي، صبري الطباع، فوزي المفتي، حسين خواجه، سلامة الطوال، سالم الهنداوي، عبد القادر التل، موسى الحجازي، عيسى العوض، رفيفان المجالي، حسين الطراونه، يوسف العكشه، محمود كريشان، حمد بن جازي، عضوب الزبن.

و) مجلس الأمة الأول ( مجلس النواب السادس):

1.  نص الدستور الأردني الصادر في 1/2/1942 على تشكيل مجلساً للأمة ويتألف من مجلس النواب ومجلس الأعيان، ويتألف مجلس النواب من ممثلين منتخبين طبقاً لقانون الانتخابات الذي يجب أن يراعي فيه تمثيل الأقليات وأن مدة مجلس النواب أربع سنوات، ونص كذلك أن مجلس الأعيان يتألف من عدد لا يتجاوز نصف عدد مجلس النواب يعينهم الملك وإن مدة عضوية مجلس الأعيان ثمان سنوات ويتجدد اختيار نصف الأعضاء كل أربع سنوات.

2.  قسمت المملكة إلى تسع دوائر انتخابية وهي قضاء عمان ويضم له قصبتي جرش ومادبا وقضاء عجلون باستثناء قصبة عجلون وقضاء جرش باستثناء قصبة جرش، وقضاء الكرك وقضاء الطفيلة ولواء معان.

3.    جرت الانتخابات في 20/10/1947.

4.  تألف المجلس من التاليين: عبد الحليم النمر، صالح المعشر، عبد القادر التل، شفيق الرشيدات، أمين أبو الشعر، فهمي العلي، محمد العيطان، معارك المجالي، فارس المعايطه، خليل العمارين، صالح العوران، محمود كريشان، عاكف الفايز، حمد بن جازي، وقد تألف مجلس الأعيان من: توفيق أبو الهدى، عبد الرحمن الرشيدات، عبد الله الشريدة، نوفان السعود، حديثه الخريشه، محمد أبو تايه، واصف بشارات، شوكت حميد، صبري طباع، سليم النجيب.

ز) مجلس الأمة الثاني ( مجلس النواب السابع):

1.  حل مجلس النواب السادس في 1/1/1950 لإجراء انتخابات جديدة تشمل الضفتين وعدل قانون الانتخابات ليتمشى مع الوضع الجديد الناتج عن اتحاد الضفة الغربية مع المملكة الأردنية الهاشمية، حيث ضوعف عدد أعضاء مجلس النواب وعدد أعضاء مجلس الأعيان.

2.    جرت الانتخابات في 11/4/1950.

3.  تألف مجلس النواب من التاليين: سعيد المفتي، وصفر مبرزا، سليمان السكر، رشاد طوقان، محمد المنور الحديد، صالح المعشر، عبد الحليم النمر، محمد سالم أبو الغنم، شفيق الرشيدات، محمد حجازي، سليمان الخليل، سلمان القضاه، مفلح البرماوي، أحمد الطراونه، عطا الله المجالي، هاني العكشه، صالح العوران، عمر مطر، عاكف الفايز، حمد بن جازي، عبد الله نعواس، كامل عريقات، أنور نسبيه، عبد الله عمرو، رشاد الخطيب، رشاد مسودي، سعيد العزه، قدري طوقان، حكمت المصري، مصطفى بشناق، عبد المجيد أبو حجله، عبد الرحيم جرار، تحسين عبد الهادي، كمال حنون، حافظ الحمد الله، موسى ناصر، خلوصي الخيري، عبد الله الريماوي. وأما مجلس الأعيان فقد تم تعينه في 20/4/1950 وكما يلي:

توفيق أبو الهدى، سمير الرفاعي ، فلاح المدادحه، راغب النشاشيبي، محمود كريشان، معارك المجالي، الشريف شرف، سليمان التاجي الفاروقي، محمد علي الجعبري، عبد اللطيف صلاح، نوفان السعود، سليمان طوقان، فريد ارشيد، صبر الطباع، إسماعيل البلبيسي، حديثه الخريشه، محمد ابو تايه، حسين خواجه، سليم البخيت، وديع دعمس.

ح) مجلس الأمة الثالث ( مجلس النواب الثامن):

1.    جرت الانتخابات لهذا المجلس يوم 29/8/1951 ودعي للانعقاد يوم 3/9/1951.

2.  تشكل كما يلي: سعيد المفتي، وصفي مبرزا، محمد علي بدير، رشاد طوقان، سليم البخيت، شراري البخيت، عبد الحليم النمر، صالح المعشر، محمد سالم ابو الغنم، فهمي العلي، عبد الله الشريده، محمد السعد، سليمان الخليل، محمد العيطان، هزاع المجالي، أحمد الطراونه، جريس الهلسه، وحيد العوران، محمود كريشان، حمد بن جازي، كامل عريقات، أنور الخطيب، عبد الله نعواس، توفيق قطان، عبد الفتاح درويش، رشاد مسودي، سعيد العزه، رشاد الخطيب، يوسف عمرو، حكمت المصري، وليد الشكعه، عبد القادر صالح، قدري طوقان، نجيب الأحمد، عبد الرحيم جرار، هاشم الجيوسي، حافظ الحمد الله، عبد الله الريماوي، خلوصي الخيري، موسى ناصر.

ط) مجلس الأمة الرابع ( مجلس النواب التاسع):

1.    تمت الانتخابات لهذا المجلس في 16/10/1954 ودعى المجلس للانعقاد يوم 21/10/1954.

2.  تشكل كما يلي: مصطفى خليفة، محمد منور الحديد، وصفي مبرزا، عبد الرحيم الخاص، سليم البخيت، سعود القاضي، رياض المفلح، عيسى قعوار، محمد سالم أبو الغنم عبد الله الشريده، ضيف الله الحمود، سليمان الخليل، محمود الراشد، محمد أخو رشيدة، أحمد الطرواونه، هزاع المجالي، سابا العكشه، جودت المحيسن، محمود كريشان، حمد بن جازي، أنو نسيبه، كامل عريقات، أنطون عطا الله، توفيق قطان، عبد الفتاح درويش، رشاد مسودي، يوسف عمرو، عبد العزيز السيوطي، إسماعيل حجازي، وليد الشكعه، حكمت المصري، عبد القادر الصالح، عبد الرؤوف الفارس، عبد الرحيم جرار، مصطفى ارشيد، هاشم الجيوسي، أحمد الداعور، خلوصي الخيري، عمر البرغوثي، عيسى عقل.

ك) مجلس الأمة الخامس ( مجلس النواب العاشر):

1.    جرت الانتخابات لهذا المجلس في 21/10/1956 ودعى المجلس للانعقاد اعتباراً من 25/10/1956.

2.  تشكل كما يلي: مصطفى خليفة، سليم البخيت ،محمد عبد الرحيم خليفة، عبد الباقي جمو، عبد القادر طاش، عبد الحليم النمر، صالح المعشر، شراري الرواحنه، شفيق الرشيدات، عبد القادر العمري، يعقوب معمر، محمود الراشد، محمد أخو رشيدة، صالح المجالي، عمران المعايطة، سابا العكشه، جودت المحيسن، ثروت التلهواني، عاكف الفايز، حمد بن جازي، داود الحسيني، يعقوب زيادين، كامل عريقات، محمد السالم الذويب، يوسف البندل، سعيدة العزة ، عبد الخالف يغمور، أحمد محمود حجه، حافظ عبد النبي، حكمت المصري، عبد القادر الصالح، وليد الشكعه، فائق عنبتاري،نعيم عبد الهادي، مجيب الأحمد، حافظ الحمد الله، أحمد الداعور، عبد الله الريماوي، كمال ناصر، فائق وراد.

ب0 القسم الثاني تطور الحياة السياسية والأحزاب من عام 1921-1957.

1-  المقدمة:

يعتقد العديد أن النشاط السياسي الحزبي المنظم بدأ في مرحلة الخمسينيات مع ظهور الأحزاب العقائدية في المنطقة العربية، ولكن الدارس المتقصي لتطور الحركة السياسية الأردنية يرى أن المناخ الديمقراطي السياسي بما في ذلك إتاحة المجال للتعددية السياسية وإنشاء الأحزاب كان موجودا ًمنذ الأيام الأولى لإنشاء الدولة الأردنية في بداية العشرينات، فالديمقراطية مترسخة أصلاً في الأسس الأولى لتأسيس هذه الدولة ولقد كانت مظاهر هذا التوجه الديمقراطي هي الحياة النيابية والدستور والتعددية السياسية وإنشاء الأحزاب الأردنية، ولقد كانت الأحزاب الأردنية التي تشكلت مع تأسيس الدولة الأردنية بذرة فريدة لمناخ ديمقراطي واعد وخاصة في تلك الظروف السياسية والتي كان فيها المناخ الديمقراطي غائباً عن الساحة العربية في معظم أقطارها، وحيث أن التجربة الأردنية في ذلك الوقت كانت في بداياتها فقد غلب على تلك الأحزاب طابع التحالفات وعدم الاستمرارية وتنقل الأعضاء من حزب لآخر.

2-  مراحل تطور الأحزاب الاردنية.

أ ) مراحل الأولى وهذه المرحلة ابتدأت منذ تأسيس إمارة شرق الأردن وحتى الحرب العالمية الثانية:

ولقد شهدت هذه الفترة تشكل عدد من الأحزاب والتي كانت في معظمها أحزاباً أردنية تركزت اهتماماتها على المصالح الوطنية للدولة الأردنية ولم تشهد هذه الفترة ظهور أية أحزاب ذات صبغة عقائدية ولقد شهدت هذه الفترة ظهور الأحزاب التالية:

1.  حزب الشعب الأردني: تأسس هذا الحزب عام 1927، ولقد تألفت هيئته التأسيسية من الأعضاء التاليين: هاشم خير، سعيد المفتي، طاهر الجقه، نظمي عبد الهادي، شمس الدين سامي، سيدو الكردي، سعيد حلاوة، دليوان المجالي، حسين الطراونة، سليمان السودي، راشد الخزعي، نمر الحمود، محمد الحسين، فوزي النابلسي، مثقال الفايز، مصطفى المحيسن. وقد جاء في نظامه الأساسي التأكيد على العمل من أجل استقلال البلاد ونشر التعليم، وتحسين الأوضاع الاقتصادية وصيانة الحريات الشخصية وحق الملكية وحرية الأديان والمذاهب. ونشر مبادئ الإخاء والمساواة ما بين المواطنين.

2.  حزب اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني: تأسس هذا الحزب عام 1929، وقد كان من هيئته التأسيسية كل من حسين الطراونة، هاشم خير، طاهر الجقه، سليم البخيت، أيوب فاخر، سليمان السودي، نمر الحمود، مصطفى المحيسن، على الكردي، وكان يرأس هذا الحزب حسين الطراونه، وقد أصدر جريدة الميثاق الأسبوعية كجريدة ناطقة باسمه، حيث أشرف على إصدارها صبحي أو غنيمة، وعادل العظمة، ولقد مثل هذا الحزب في حينه صوت المعارضة.

3.  الحزب الحر المعتدل: وتأسس هذا الحزب عام 1930، وتكونت هيئته التأسيسية من رفيفان المجالي، هاشم خير، سعيد المفتي، محمد الإنسي، نظمي عبد الهادي، محمد الحسين. وكان من غاياته تعديل المعاهدة الأردنية البريطانية.

4.  حزب التضامن الأردني: وتأسس عم 1933 وكان من أهدافه الدفاع عن كيان أبناء شرق الأردن ونشر الثقافة الحديثة واشترطت المادة (36) من نظامه الأساسي أن تكون عضويته مقتصرة على الذين استوطنوا قبل عام 1922 وكان رئيسه ناجي العزام وسكرتير الحزب سعيد المفتي وتكونت هيئته التأسيسية من مثقال الفايز، رفيفان المجالي، محمد السعد، سعيد أبو جابر، سلطي الابراهيم، قاسم الهنداوي، نجيب أبو الشعر، حديشه الخريشه، شمس الدين سامي، صالح العوران، متري زريقات، هاشم خير.

5.  حزب اللجنة التنفيذية لمؤتمر الشعب الأردني العام: وتأسس عام 1933 وتكونت هيئته التأسيسية من ناجي العزام، سعيد الصليبي، مصطفى المحيسن، سعيد المفتي، نجيب الشريدة، علي خلقي، قاسم الهنداوي، عبد الله الشريدة، محمود فنيش نصيرات، محمد الأمين، فايز المجالي، صالح العوران، سليمان بن طريف، هاشم خير الخوري أيوب ، مطلق أبو الغنم، سعيد حلاوة، طاهر الحمد، ظاهر الذياب، حديثه الخريشه، حمد بن جازي وقد كان رئيسه ناجي العزام، وكان من مقرراته مقاومة الصهيونية والعمل على صيانة تراث الأجداد وإصلاح الوضع الحكومي والسعي لتعديل المعاهدة البريطانية.

6.  حزب الإخاء الأردني: وتأسس عام 1937 وتكونت هيئته التأسيسية من رفيفان المجالي، ماجد العودان، جميل المجالي، مثقال الفايز، صالح العوران، صبري الطباع، موسى المعايطة، محمود كريشان، سعود النابلسي، عبد الله الشريدة، فلاح الظاهر، حمد بن جازي، سالم عرار، سالم البلبيسي، عودة القرعان، وكان من مبادئه تحقيق الاستقلال التام وتعزيز الروابط القومية مع الدول العربية، والعمل على تحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية في البلاد العربية.

7.  حزب الاستقلال: أسس عام 1920 من قبل جمعية العربية الفتاة أبان العهد الفيصلي في سوريا وكان برنامجه قومي يهدف إلى تحقيق الوحدة والاستقلال الشامل للمنظمة العربية ولقد تشتت هذه الحزب بعد معركة ميسلون مع الاحتلال الفرنسي وغادر قسم من مؤسسيه إلى الأردن حيث أستأنف نشاطه في الأردن وتم تشكيل هيئة مركزية له، وكان من أعضاء هذا الحزب رشيد طليع الذي شكل أول حكومة أردنية عام 1921.

ب) المرحلة الثانية: وهي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي امتدت وحتى بداية الخمسينيات وقد تشكل خلال هذه الفترة الأحزاب التالية:

1.  حزب اللجنة التنفيذية للمؤتمر الأردني: أسس عام 1944 وتكونت هيئته التأسيسية من محمد علي العجلوني، عبد الرحمن عبد المهدي خليفة، سليم بخيت، كمال الجيوسي، عبد الرحيم الواكد، محمد الصفدي، فوزي الملقي، شفيق الرشيدات، وحيد العوران، وصفي ميرزا.

2.  حزب النهضة العربية: أسس عام 1947 وتشكلت هيئته التأسيسية من هاشم خير (رئيساً). عبد الله الشريدة، صبحي زيد، سليم بخيت، مثقال الفايز، حسين الطراونة، صبري الطباع، عبد الرحمن الرشيدات، محمد ماضي، إسماعيل البلبيسي، وصفي ميرزا، محمد المنور الحديد، محمد علي بدير، جودت شعشاعة، احمد الحسين، أحمد الحمود، سليمان السودي، علمي النابلسي، وقد نص نظام الحزب الأساسي على العمل على تحقيق الأماني القومية وأهداف الثورة العربية الكبرى وتحسين أوضاع البلاد سياسياً واقتصادياً وزراعياً وثقافياً، ورأس هذا الحزب هاشم خير، وقد أصدر جريدة الجهاد عام 1948 وجريدة النهضة عام 1949.

3.  حزب الشعب الأردني: أسس عام 1947 وتشكلت هيئته التأسيسية من عبد المهدي الشمايلة (رئيساً) محمد العزام، تركي الكايد، شلاش المجالي، محمد سمرين، فرح أبو جابر، محمد الحباشنه، عيسى مدينات، ظاهر الذياب، فريوان المجالي، ناصر الطلاق، حمزة الشريدة، ساري فنيش نصيرات، فارس المعايطه، فرح اسحاق، عيسى قعوار، توفيق الخصاونه.

4.    الحزب العربي الأردني: حيث تقدم صبحي أبو غنيمة طلباً لتأسيس هذا الحزب عام 1946.

ج) المرحلة الثالثة:

وقد شملت تطورات أثرت على شخصية ووظيفة الأحزاب الأردنية وأسلوب تشكيلها وأهدافها والتي بدأت من مطلع الخمسينيات وحتى حل الأحزاب عام 1957 حيث لم يعرف الأردن الأحزاب العقائدية إلا بعد كارثة فلسطين وتوحيد الضفتين عندما تغير مجرى الأحزاب في الخمسينيات وأصبحت تأخذ الصفة العقائدية وبدأت تبتعد عن القضايا الوطنية الداخلية، حيث ظهرت العديد من الأحزاب الأردنية والتي كانت امتداداً لأحزاب عقائدية خارجية ولقد شهدت هذه الفترة عدداً من المتغيرات منها ظهور الثورة المصرية، وبدء انتشار حزب البعث العربي وحركة القوميين الحرب وتوالي الانقلابات في سوريا واتحاد الضفة الغربية مع المملكة الأردنية الهاشمية ولقد ظهر خلال هذه الفترة الأحزاب التالية:

1.  حزب الاتحاد الوطني: أسس عام 1952 وتكونت هيئته التأسيسية من فلاح المدادحة، حسن اليوسف، محمد السعد، سليمان الخليل، عبد الله الشريدة، فهمي العلي، صبحي زيد الكيلاني. وقد نص نظامه الأساسي على ضرورة السعي لتوطيد استقلال الدولة وتثبيت دعائم الحرية ورفع مستوى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وتحقيق الوحدة العربية.

2.  حزب الجبهة الوطنية: قدم عدم من الأشخاص عام 1954 طلباً لتشكيل حزب باسم الجبهة الوطنية وقد رفضت الحكومة طلب الترخيص وضم هذا الحزب عدداً من الشخصيات ذوي التوجه الشيوعي. وقد أصدر صحيفة باسم الجبهة ومن أعضاء هذا الحزب، سليمان النابلسي، عبد القادر الصالح عبد الرحمن الشقير، إبراهيم بكر، عبد المجيد أو حجلة، نبيه ارشيدات، سليمان السودي، تركي الكايد، أحمد الحمود، نمر العزة، محمود القاضي، جريس حمارنه، فخري مرقة.

3.  الحزب الوطني الاشتراكي: وتأسس عام 1954 وتشكلت هيئته التأسيسية من هزاع المجالي، سليمان النابلسي، عبد الحليم النمر، أنور الخطيب، حكمت المصري، شفيق الرشيدات، كمال منكو، جريس الهلسة، سعيد العزة، رشاد الخطيب، نجيب الأحمد، صالح المعشر، حنا عطا الله، وقد كان أمين سره هزاع المجالي ومن ثم خلفه سليمان النابلسي. أصدر هذا الحزب مجلة الميثاق واشتمل دستور الحزب على عدد من المبادئ منها أن الشعب الأردني جزء من الأمة العربية وضمان الحريات الأساسية ومكافحة الفقر والجهل والمرض وتحرير الوطن العربي من النفوذ الأجنبي.

4.  حزب الأمة: وتأسيس عام 1954 وتشكلت هيئته التأسيسية من سمير الرفاعي (رئيساً). عبد المهدي الشمايلة، كامل عريقات، وحيد العوران، موسى الكيلاني، إسماعيل البلبيسي، أنور النشاشيبي، بشارة غضيب، سعيد علاء الدين، صبحي زيد الكيلاني، عاكف الفايز، عمر مطر، فوزي جرار. وقد اشتمل نظامه الأساسي على عدد من المبادئ منها السعي لتحرير الوطن العربي من الاستعمار والنفوذ الأجنبي والسعي لاسترداد فلسطين، والعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية للشعب الأردني ودعم الحرية الفردية وتأمين الاستقلال الاقتصادي ومحاربة الإقطاع ومكافحة الفقر والبطالة.

5.  الحزب العربي الدستوري: وتأسس عام 1956 وكان من هيئته التاسيسية رياض المفلح، أحمد الطراونة، عبد الله الشريده، سليم البخيت، محمد او الغنم، أنور نسيبه، انطوان عطا الله، عبد الرحيم جرار، سعود القاضي، كامل عريقات. وقد نص نظامه الأساسي على العمل على تحقيق الوحدة العربية وتحرير الوطن العربي والسعي لاسترداد الجزء المغتصب من فلسطين. ورفع مستوى الفلاحين والعمال وحماية المزارعين والتعاون صادقاً.

6.  حزب البعث العربي: تقدم عدد من الأعضاء عام 1952 للترخيص لهم لتشكيل حزب البعث العربي، ومنهم: عبد الله الريماوي، وأمين شقير، ومنيف الرزاز، وسليمان الحديدي، إلا أن الطلب لم يوافق عليه وفي عام 1953 قدم طلب جديد وبدستور جديد ولكن الطلب لم يوافق عليه أيضاً وفي عام 1954 قدم طلب آخر لترخيص حزب باسم حزب البعث العربي الاشتراكي حيث رفض مجلس الوزراء الترخيص لهذا الحزب، فتقدم الأعضاء بشكوى إلى محكمة العدل العليا حيث قررت محكمة العدل العليا عام 1955 فسخ قرار مجلس الوزراء واعتبر الحزب قائماً وقد بقي الحزب يمارس نشاطه حتى عام 1957 حينما قررت الحكومة حل الأحزاب، وقد ضمت الهيئة التأسيسية للحزب كل من عبد الله الريماوي، عبد الله نعواس، بهجت أو غربية، أمين شقير، فرح اسحاق، منيف الرزاز، سليمان الحديدي، حسني الخفش، على الجعبري، راتب دروزه، عبد الكريم خريس.

7.    الحزب الشيوعي: أسس عام 1951 وكان امتداداً لعصبة التحرر الوطني الفلسطيني.

8.  حزب التحرير: تقدم للترخيص عام 1952 ولم يوافق على ترخيصه حيث بقي يعمل تحت الأرض ومؤسس هذا الحزب تقي الدين النبهاني من القدس، ومن أعضائه، عطا أبو الرشتة، بكر الخوالدة، الشيخ طاهر عبد الحميد، داود حمدان، منير شقير، عادل النابلسي، غانم عبده.

9.  جماعية الأخوان المسلمين: أسست في الأردن عام 1953 حيث ترأسها عبد اللطيف أبو قوره ومن ثم خلفه محمد عبد الرحمن خليفة عام 1954.

10.    حركة القوميون العربي: تأسست في الأردن عام 1952 من عدد من المثقفين معظمهم من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت، وممن كانوا ينتمون إلى جمعية العروة الوثقى، ولقد توقفت هذه الحركة عن كونها حركة أردنية واتخذت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إطاراً لنشاطها السياسي والعسكري لاحقاً.

 


الفصل الثالث

الشخصية الوطنية والأمن الوطني

1.    أبعاد الأمن الاقتصادي.

أ ) مفهوم الأمن الاقتصادي.

ب) الأمن الاقتصادي بين اقتصاد السوق والاقتصاد الموجه.

ج) السياسات الاقتصادية بين دعم الاستهلاك ودعم الإنتاج.

د) آليات السوق ومفهوم تعويم الأسعار.

2.    أبعاد الأمن الاجتماعي.

أ ) مفهوم الأمن الاجتماعي.

ب) البطالة والأمن الاجتماعي.

ج) الآليات الاجتماعية ومبدأ توزيع القدرة والامتيازات.

د) الأمن السليم في المجتمع السليم.

هـ ) فلسفة النظام التعليمي والأمن الاجتماعي.

3.    أبعاد الأمن السياسي.

أ ) مفهوم الأمن السياسي.

ب) الوحدة الوطنية والأمن الوطني.

4.    أبعاد الأمن المائي.

 


الفصل الثالث

 

الشخصية الوطنية والأمن الوطني

1-              أبعاد الأمن الاقتصادي.

أ ) مفهوم الأمن الاقتصادي.

3- يمثل الأمن بالمفهوم العسكري خط الدفاع الأول في المنظومة الدفاعية للقوات المسلحة، في حين أن الأمن في المجال السياسي يمثل سياجاً قوياً ومتيناً للوطن، وبدون الأمن السياسي فلن يكون هناك حرية في اتخاذ القرارات العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية. واما الأمن في المجال الاقتصادي فهو الركيزة الأساسية التي تبنى عليها كافة منظومات الأمن الأخرى، فالاقتصاد حالياً الذي يظهر على شكل مستوى دخل عال للمواطنين واكتفاء ذاتي وإنتاجية عالية وقدرة عالية على التصدير والاستثمار واستيعاب العمالة، يعد المقوم الأول لوجود الدولة ودرجة قوتها العسكرية واستقلالها السياسي.

4- لقد كان التنافس الاقتصادي سبباً للعديد من الحروب في السابق، ولا شك أنه سيظل مصدراً للتوتر والحروب في المستقبل، ومع انتهاء الحرب الباردة في المجال العسكري على أثر انهيار دول المعسكر الشرقي، فقد بدأت حرب باردة اقتصادية تحاول فيها الدول الكبرى أن تستحوذ على أكبر قدر من مناطق النفوذ الاقتصادي بما يعزز مصالحها الاقتصادية، بهدف الوصول والحصول على المواد الخام الإستراتيجية للصناعة، وفي مقدمتها البترول، وحيث أن المنطقة العربية تحتوي على أكبر احتياطي من النفط في العالم وتصدر أكثر من ثلاثة أرباع تجارة النفط العالمية، فان التنافس عليها شديداً للغاية.

5- لقد أدى احتكار أمريكا وإصرارها على وضع يدها على مناطق النفط العربية إلى وضع الدول الصناعية وفي مقدمتها دول أوروبا واليابان تحت رحمة المزاج الأمريكي في التعامل مع البترول وتسعيرة واحتكار تصديره والهيمنة على عوائده المالية الضخمة.

6- تتحقق ذروة الأمن الاقتصادي بتوفير الاكتفاء الذاتي والأمن السياسي والتماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية، فعدم الاستقرار السياسي أو انفلات الفتن الداخلية العرقية أو الطائفية أو القبلية يعمل على تدمير الاقتصاد، كما أن الانهيار الاقتصادي وانتشار الفقر والبطالة والاستغلال وتدني مستوى المعيشة وارتفاع الأسعار تؤدي إلى زعزعة الوضع السياسي والاجتماعي، لذلك فان المنظومة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية هي كل متكامل وتدعم بعضها بعضاً إيجابياً بنفس الدرجة التي تؤثر على بعضها سلبياً.

7- يوجد للأمن الاقتصادي بعدان وهما البعد الخارجي والبعد الداخلي، ويكن إيجاز العوامل الخارجية التي تؤثر على الأمن الاقتصادي بما يلي:

أ ) تراكم الديون الخارجية على الدولة، وعدم قدرتها على تسديد هذه الديون.

ب) وجود تهديد خارجي بحيث تضطر الدولة في إطار حرصها على أمنها أن تستهلك كمية كبيرة من رصيدها من العملات الصعبة لتمويل عمليات شراء الأسلحة واللوازم الدفاعية.

ج) التبعية بأبعادها الاقتصادية والغذائية والمالية والعسكرية والثقافية والتقنية.

د) محاولة بعض الدول ممارسة ضغوطات اقتصادية في إطار الحرب الاقتصادية الخفية على الدول الأخرى للتأثير على قراراتها السياسية لتحقيق مصالح سياسية معينة، أو لمنعها من اتخاذ موقف سياسي معين يؤثر على مصالحها الاقتصادية، أو لزعزعة الاستقرار الداخلي لإجبار رأس المال للهجرة إلى أراضيها.

8-  يمكن إنجاز العوامل الداخلية التي تؤثر على الأمن الاقتصادي بما يلي:

أ 0 توفر المناخ الديمقراطي الذي يعزز الأمن السياسي، فحالة الاستقرار السياسي تتيح المجال للاستثمار والتفاعلات الاقتصادية للعمل في ظروف آمنة ومريحة.

ب0 الحفاظ على التوازن الاجتماعي السليم، ويتم ذلك برعاية الطبقة الوسطى ورعاية جيوب الفقر، لأن الطبقة الوسطى تعد صمام الأمان للمجتمع، وإذا ما ساءت الأوضاع الاقتصادية وتآكلت هذه الطبقة التوازن الاجتماعي يختل ويصبح المجتمع مكوناً من طبقتين طبقة صغيرة بالغة الثراء وطبقة فقيرة تضم غالبية المجتمع، وبذلك يصبح الفرز الطبقي حاداً وتسود حالة من الاستياء والظلم الاجتماعي بسبب الاستغلال والحرمان.

ج0 توفير فرص العمل وبشكل متكافئ للجميع من أبناء الوطن في القطاع العام والخاص بما يكفل مكافحة البطالة، فالبطالة تعني الفقر وتؤدي إلى تفشي الجريمة والتطرف بكافة أبعاده، بسبب الإحباط وإغلاق منافذ الأمل للشباب.

د0 مكافحة التوجهات العرقية والطائفية والقبلية والمصلحية، التي تعمل على شرذمة المجتمع وتخريب أمنه الاجتماعي، أن هذه الظواهر تصبح ذات أثر تدميري على الأمن والسلم الاجتماعي والوضع الاقتصادي إذا أخذت بعداً سياسياً.

هـ0 توزيع مكاسب التنمية والثروة والامتيازات والمناصب بشكل عادل ومتوازن بحيث تنعكس آثار التنمية على المجتمع ككل وليس على منطقة معينة أو قطاعات معينة.

و0ضبط الأسعار ومنع الاستغلال وتوفير السلع الاستهلاكية الأساسية وبجودة عالية ومواصفات تحافظ على صحة وسلامة المواطن.

ز0 العمل التدريجي على تعديل العديد من القيم الاجتماعية التي لا زالت تنظر لبعض الأعمال المهنية والخدمية على أنها تسيء لكرامة الفرد، ويمكن تحقيق ذلك من خلال جهود مكثفة من قبل وزارة التربية والتعليم ووسائل الأعلام الأخرى ووزارة الأوقاف من أجل إظهار العلم على أنه قيمة دينية نبيلة.

ب) الأمن الاقتصادي بين اقتصاد السوق والاقتصاد الموجه:

1.    المقدمة:

أ يوجد لكل من اقتصاد السوق والاقتصاد الموجه توترات ناتجة عن التوزيع غير المتساوي للامتيازات والأجور بين فئات الشعب، كما أن كلا منهما يحتوي على صمامات أمان تعمل على تقليل الضغط في حالة أي تغيير جذري وشامل في المؤسسات، أن بعض صمامات الأمان شائعة ومعروفة في كافة المجتمعات التي تسير وفق الاقتصاد الحر، أما الصمامات الأخرى، فهي ذات علاقة أقل بقوى التصنيع بحد ذاتها ولها ارتباط أكثر بالأشكال الاقتصادية والسياسية التي تأخذها المنظومة الصناعية، فعلى سبيل المثال عندما نقارن النظام الرأسمالي بالنظام الاقتصادي الموجه. يجب علينا أن ندرك حقيقة أن الأول يعتمد على اقتصاد السوق والآخر على النمط الاشتراكي والتخطيط المركزي وهذا التوجه لكليهما لا يؤثر فقط على نمط التوزيع في المجتمع، ولكن يوجد لكل منهما تطبيقات اجتماعية وسياسية أخرى، وهكذا فان أحد ملامح النظام الطبقي المستند بشكل رئيس على اقتصاد السوق أن موضوع الامتيازات والأجور ليس تحت سيطرة مجموعة اجتماعية محددة يمكن تعريفها سياسياً وبسهولة، فالسوق عبارة عن آلة يغلب عليها صفة التجريد وليست شخصية، وبالتالي فان عدم المساواة التي تفرزها آليات السوق ناتجة عن الفعل الحر لمبادئ اقتصادية معينة أكثر منها قرارات ذات منشأ سياسي من قبل الطبقة المهينة.

ب-وحيث أن نظام السوق الحر هو على قدر كبير من الانتشار والتنوع وغير شفاف في أسلوب توضعه، فإن له مضاعفات سياسية محدودة وبخاصة فيما يتعلق الإدراك الطبقي لعدم المساواة في المجتمع، فالوعي الطبقي أو السياسي عادة ما ينبثق بسهولة في أوساط الجماعات المحرومة عندما يكون هناك درجة عالية من الشفافية في نظام الأجور والامتيازات، وهذا يظهر في الحالة التي تتمكن المجموعات المحرومة من إدراك الصلة المباشرة ما بين وضعها ومنزلتها الشخصية، وما بين البنية للامتيازات والأجور في المجتمع ككل.

ج- ترتبط درجة الفعل الشعبي وربما الفعل الاجتماعي لأفراد طبقة معينة بالأحوال الثقافية العامة وبخاصة للنخب، كما أنها مرتبطة بدرجة كبي