بسم الله الرحمن الرحيم

قضايا وطنية وقومية معاصرة

 

دراسات تحليلية

لقضايا المجتمع العربي المعاصر

 

" الجزء الأول "

 

في الطريق إلى أردن ديمقراطي ومشروع نهضوي عربي

سليمان نصيرات

 

 

المملكة العربية الهاشمية


إهداء

* إلى كل عربي حر،

يبحث في ثنايا هذا الزمن المر،

عن الحرية والأمن والحياة الكريمة.

* العاملين على تحقيق حلم أمتنا العربية الماجدة، في مشروعها النهضوي الوحدوي المنشود.

* إلى ذكرى والدي.

 

المقدمة

يمثل هذا الكتاب الجزء الأول من سلسلة دراسات حول قضايا مختلفة ذات صلة بالمجتمع العربي أو الإنساني، والذي سأحاول من خلاله وبتوفيق الله عز وجل، أن أناقش عدد من القضايا التي تواجه المجتمع العربي وتؤثر على تقدمه وازدهاره وربما تعرقل حلمه بالوصول إلى وحدته المأمولة.

إن الدراسات حول مجتمعنا العربي على قدر كبير من الأهمية |، وتمثل تحدياً جدياً لمراكز الدراسات والأبحاث العربية، فالقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتقنية التي توجه امتنا العربية لا حصر لها، ان مسئولية دراستها وتحليلها ومعالجتها تقع على عاتق المفكرين والباحثين العرب على اختلاف تخصصاتهم، فلا يعقل أن تبقى دراسة قضايانا وشؤون مجتمعنا حكراً على الباحثين الأجانب الذين يدرسون هذه القضايا ويعرضونها في كثير من الأحيان بشيء من الهوى، وهم في سياق بحثهم كثيراً ما يلجئون إلى تجاهل جوانب عديدة من الحقيقة، بالإضافة إلى ما يلحظ من قبل العديد منهم إلى التركيز الزائد في بحوثهم على عناصر الفرقة والاختلاف في جسم الأمة. وهم عندها يدرسون المجتمع العربي لا يرون فيه سوى عصبيات تحركها الطائفية والقبلية والإقليمية ولا هم لها سوى التنازع على السلطة والمغانم. إن عدد الدوريات والمجلات المحكمة، التي تصدر للآن وعلى ساحة وطننا الكبير، والتي تناقش قضايا الأمة، لا زالت قليلة جداً، ولا تتناسب مع حجم التحديات والمسئوليات، كما إن معظمها يعاني من المشاكل التمويلية والسطحية في البحث. كما أن مراكز البحوث والدراسات في الجامعات العربية العديدة لا زالت قاصرة، وأن مجمل مخرجاتها من الأبحاث المفيدة لا يتناسب مع مدخلاتها من النفقات. كما أن العديد من أبحاثها لعدم وجود إستراتيجية واضحة الأهداف لقضايا البحوث توجه نحو قضايا سطحية وهامشية، لا تتناسب مع ظروف مجتمعنا ولا تلبي متطلباته، كما أنها في معظم الحالات لا تصل إلى صانع القرار، وإن وصلت إليه فإنها لا تخدم متطلباته من قريب أو بعيد ، لانقطاع قنوات الاتصال والتنسيق ما بين مراكز الدراسات والأبحاث في الجامعات والمعاهد العلمية والبحثية وما بين صانعي القرار، لمعرفة متطلباتهم، وأولويات الأهداف القومية والإستراتيجية الوطنية. لذلك فأن معظم هذه المراكز في معظم الأحيان تسير خبط عشواء على غير هدى، وتنفق الأموال الطائله على أبحاث ودراسات ورسائل علمية مختلفة لا تخدم أهداف الوطن والأمة، ولا قيمة علمية حقيقية لها، ان العديد من الأبحاث والتقاير التي تقوم بها أطراف رسمية عديدة لخدمة أهدافها حول قضايا وتحديات وطنية وقومية، تعطى في الكثير من الأحيان تصنيفات تقلل من إمكانية تداولها لإطلاع الباحثين أو عامة المواطنين عليها الأمر الذي يجعل العديد من الباحثين يتوجهون نحو مراكز الدراسات والأبحاث الغربية وتقاديرها.

أن معظم الدوائر والوزارات العربية كالخارجية والداخلية والإعلام والتنمية الاجتماعية والعمل والدفاع والثقافة والصحة وغيرها، يتوجب عليها ان تصدر نشرات وتقارير وأبحاث ما بين الفينة والأخرى، كونها أصلاً أنشئت لخدمة المواطنين، بأسلوب إدارتها لسياستها والتحديات التي تواجه عملياتها وإجراءاتها لتذليل هذه التحديثات والصعوبات، كما يمكن لها أن تتعاون مع أجهزة ومراكز بحثية متخصصة للوصول إلى أفضل الحلول لهذه القضايا، أننا ونحن نقف على أعتاب القرن الحادي والعشرين، فان الوضع أصبح يتطلب توفر مركز معلومات وطني شامل يستطيع الباحث أن يجد فيه كافة المعلومات التي يحتاجها لخدمة أبحاثه، بحيث لا يزال الباحث يلهث متنقلاً ما بين المكتبات المختلفة بحثاً عن المعلومة، إن تطوير المركز الوطني للمعلومات أصبح له ضرورة قصوى وربما يغطي هذا المركز بقانون يبين مهامه وواجباته ويفرض على كافة مؤسسات الدولة المختلفة ومراكز الأبحاث والدراسات في الجامعات أن تزوده بكافة المعلومات المتوفرة عن نشاطاتها وإنجازاتها وصعوباتها وتطلعاتها المستقبلية وأية إحصاءات دورية حول عملياتها، وذلك لتقليل الوقت والجهد على الباحث للتنقل بحثاً عن المعلومة، والتي في الكثير من الأحيان تخضع عملية تقديمها للباحث إلى مزاج المسؤول الذي قد لا يتعاون أو ربما يقرر بشكل اعتباطي ما هي المعلومة التي يمكن أو لا يمكن تقديمها للباحث، ان المركز الوطني للمعلومات، ينبغي عليه أن يشمل على خدمات مكتبية شاملة ومركز متقدم للحاسوب ومنافذ عديدة تمكن الباحث أن يصل إلى المعلومة وفي أي بقعة في العالم من خلال الانترنت، كما يتوجب عليه أن يفتح قنوات اتصال مع كافة المؤسسات والوزارات والجامعات ومراكز الأبحاث لتسهيل عملية تبادل المعلومات أيضاً.

إن هذا الجزء من سلسلة دراسات حول المجتمع العربي والإنساني والذي يعد الخطوة الأولى نحو سلسلة متصلة من الدراسات، قد ناقشت فيه ثماني قضايا جاءت في ثمانية فصول وكما يلي:

1.           الفصل الأول. الأمن القومي في مواجهة التحديات. وقد ناقشت فيه العديد من التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي وفي مقدمتها التحديات الداخلية والتحديات المتعلقة بالعلاقات العربية البينية والتحديات الإقليمية والدولية.

2.           الفصل الثاني: أضواء على القوة الوطنية والقومية. وقد ناقشت فيه دور الإنسان والمال والجغرافيا في التأثير على القوة الوطنية والقومية، وكذلك دور الإبعاد القطرية والقومية والفكرية وأثرها على القوة الوطنية والقومية.

3.           الفصل الثالث. عوامل القوة الوطنية والأمن القومي. وقد ناقشت فيه مفهوم القوة الوطنية وعناصرها، واستعرضت نظرية مقترحة لتوزين القوة الوطنية لأية دولة اعتماداً على عدد من العوامل منها السكان والرقعة الجغرافية والقدرة الاقتصادية والقدرة العسكرية والهدف الاستراتيجي والإدارة الوطنية.

4.           الفصل الرابع. التفاوت الطبقي وعدم التوازن الاجتماعي والاقتصادي وأثره على الاستقرار. وقد ناقشت فيه عوامل عدم المساواة وأبعاد الحركة الاجتماعية وأثرها على الاستقرار، وكذلك النظام الطبقي وعلاقته بالتحصيل العلمي والحركية الاجتماعية وعلاقتها بنظام الجدارة وكذلك النظام التعليمي وأثره على مستوى التوقعات، كما تطرقت إلى أثره العامل الديني والتطرف السياسي على الاستقرار.

5.           الفصل الخامس. العوامل المؤثرة على تعثر التجارب القومية وهشاشة النظم السياسية العربية. وقد ناقشت فيه البعد التاريخي وأثره على الأزمة السياسية العربية المعاصرة، وكذلك العوامل الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية وأثرها على العقل السياسي العربي، كما تطرقت إلى الدور السياسي للبورجوازية الصغيرة في المجتمعات العربية والعوامل التي تعتزز الظواهر الانقسامية والو لاءات الضيقة في المجتمعات العربية.

6.           الفصل السادس. الوحدة الوطنية ومفهوم الأقليات. وقد ناقشت فيه مفهوم الأقلية ومكونات الوحدة الوطنية وعوامل تعزيزها، وأسباب ظهور مشكلة الأقليات والحلول المقترحة لها.

7.           الفصل السابع . القضية الكردية (دراسة تاريخية وسياسية). وقد ناقشت فيه الخلفية التاريخية للحركة الكردية، وتفاعلات هذه الحركة وتطورها في كل من إيران والعراق وتركيا. ومن ثم تطرقت إلى علاقة الأكراد بالقوى الخارجية وخلصت إلى عدد من الاستنتاجات.

8.           الفصل الثامن. العراق (دراسة تاريخية وسياسية (1920 -1975). وقد ناقشت فيه مسيرة القطر العراقي الشقيق خلال تلك الفترة مستعرضاً الخلفية التاريخية والأوضاع المالية والاقتصادية والتركيبية والاجتماعية وأثرها على الاستقرار، كما استعرضت بإيجاز أدوار المؤسسة العسكرية كقوة دمج وتوحيد في المجتمع وكذلك العلاقة ما بين العروبة والإسلام في مفهوم البعث العربي، وتناولت بعض المحاور ومنها دور حزب البعث العربي وأبعاد أزمة عدم الاندماج الاجتماعي والمشكلة الكردية.

إن أية جهود تبذل لالقاء الضوء على القضايا التي تواجه مجتمعنا العربي لتحليلها لمعرفة نقاط القوة للبناء عليها ونقاط الضعف لتلافيها، هي خطوة بالاتجاه الصحيح، لأن إنكار عوامل الضعف أو التغاضي عن رؤية الأخطار أو قراءتها بموجب الهوى، يساعد على استفحالها، أو إمكانية تكرارها مستقبلاً.

لذلك فإنني آمل أن يمثل هذا الجهد المتواضع حافزاً للباحثين والمفكرين العرب أن يشمروا عن سواعدهم لتقصي قضايا مجتمعهم ويدرسونها الدراسة العلمية الصحيحة وتقديم الآراء والتصورات والحلول لها. لتتمكن من أن ننطلق من أرض صلبة لتحقيق حلمنا المتجدد، وهو المشروع النهضوي العربي الذي لا يزال يمثل الحلم والأمل لخلاص أمتنا ونهوضها من كبوتها للانطلاق إلى واقع جديد يكفل تحقيق وحدة الأمة وعزته ودورها الريادي.

إن أي جهد بشري هو عمل تراكمي يضاف لما سبقه ويمثل قاعدة انطلاق لما يأتي بعده، كما أن أي جهد لا يمكن أن يصل إلى الكمال، وسيبقى فيه ثغرات وهفوات غير مقصودة تقتضيها الطبيعة البشرية، أو الحرص على الأمانة البحثية في أظهار آراء الآخرين كما هي ووضعها أمام القارئ العربي ليطلع عليها، ليدرك أبعادها.

وفي الختام لا يسعني كبشر إلا أن أتمثل قوله تعالى:

﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، وأعف عنا وأغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين﴾

صدق الله العظيم

والله ولي التوفيق وهو من وراء القصد.

                                   المؤلف سليمان حسين نصيرات


الفصل الأول

الأمن القومي العربي في مواجهة التحديات

1.      المقدمة.

2.      التحديات المحلية الداخلية.

أ- الاتجاهات نحو الديمقراطية والاتجاهات المضادة.

ب - الفرز الطبقي الحاد.

ج- الآلية الخاطئة في اتخاذ القرارات.

د سباق التسليح وأبعاده الاقتصادية.

3.      التحديات المعلقة بالعلاقات العربية البينية.

أ- أزمة الخليج.

ب- نظرة الأقطار العربية لعلاقاتها مع  الدول الأخرى.

ج- الاستراتيجيات المتعارضة للتعامل مع القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني.

د- التوجيهات الإيديولوجية المتعارضة.

هـ - وسائل الإعلام العربية والأجنبية.

و- مشاكل الحدود.

ز- سوق العمالة العربية.

ح – النفط العربي وعائداته المالية.

4.      التحديات الإقليمية والدولية.

أ- الكيان الصهيوني في المنطقة العربية.

ب- التحالفات الإقليمية والدولية.

ج- اختلال عناصر التوازن الدولي.

د- أبعاد النظام العالمي الجديد.

هـ - الموارد المائية.

5.      الخلاصة.

 

الأمن القومي العربي في مواجهة التحديات

1.                                         المقدمة:

أ – لدى التكلم عن القوى المضادة والتي أدت إلى انهيار مفهوم الأمن القومي العربي فلا بد من إجراء مناقشة شاملة وموضوعية للظروف السابقة التي أدت في محصلتها التي تمزيق مفهوم هذا الأمن، فما نراه حالياً من انهيار لهذا المفهوم ليس إلا نتيجة تراكمية لعوامل عديدة داخلية لها علاقة بأوضاع المجتمعات العربية ومحلية متصلة بالعلاقات العربية الداخلية وخارجية متصلة بالتنافس الإقليمي والدولي، إن نظرة سريعة على أحوال المجتمعات العربية والدول العربية والأنظمة السياسية التي توالت عليها خلال نصف القرن الماضي، يجد أن هذه المجتمعات كانت عرضة للهزات المتوالية، فالأنظمة السياسية كانت تتغير بوتيرة عنيفة ومتسارعة بسبب انتشار فكرة العنف كوسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وبسبب هذه الظروف فإن المنطقة العربية خلال هذه الحقبة كانت تعاني من عدم الاستقرار.

ب- فعلى الصعيد الداخلي العربي، فقط شهدت المنطقة العربية حركات تمرد وثورات عديدة كانت تغذيها الاختلالات الاجتماعية والسياسية الداخلية والتناقضات والحساسيات بين بعض الأنظمة العربية والاختراقات والتنافسات الإقليمية والدولية في المنطقة العربية، وبعض هذه الحركات انطفأت شعلتها وبعضها الآخر لا زالت مشتعلة للآن، وقد شملت دورة التغيير باستخدام العنف معظم أقطار المنطقة العربية، من هذا يتضح أن معظم سكان العالم العربي خلال الحقبة الماضية لم ينعموا بالاستقرار وعانوا الأمرين من العنف السياسي والفوضى الاقتصادية.

ج- وأما على صعيد العلاقات العربية الخارجية، فقط واجهت المنطقة العربية بعامة وأقطار الجناح الشرقي للوطن العربي بخاصة أربعة حروب عدوانية شنتها إسرائيل على الشعوب العربية في أعوام 48 ، 56 ، 67 ، 73 ، وآخرها عزوها لبنان عام 1982 ، كما شهدت حرباً عربية – عربية في اليمين ما بين عام 1962-1967 وحروباً مع دول مجاورة وهي الحرب الإيرانية العراقية ما بين عامي 1980 – 1988 والحرب الليبية التشادية وحروباً اشتركت بها دول أجنبية كبرى وهي حرب عام 1956 والتي شاركت فيها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضد مصر، وحرب الخليج عامي 1990 – 1991.

د- ان هذه العوامل جميعها تشير إلى أن ساحة الوطن العربي خلال الحقبة الماضية كانت مسرحاً للحروب والثورات وعدم الاستقرار، وبخاصة أقطار الطوق المواجهة لإسرائيل، مما أدى إلى أنهاك هذه الأقطار واستنزاف مواردها الاقتصادية المحدودة، ونتيجة لهذه الظروف والتفاعلات الداخلية والإقليمية والدولية فإن الأمن القومي العربي والاستقرار النفسي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي للإنسان العربي كان الضحية الأولى، ان هذه العوامل جميعها كان لها آثاراً مباشرة أو جانبية في انهيار مفهوم الأمن القومي العربي في الفترة السابقة والتي لا زالت تلقي بظلالها على الحاضر والمستقبل العربي، وعلى ذلك ولدى بحث موضوع الأمن القومي العربي لا يمكن الانطلاق من الوضع الراهن وتناسي تراكمات الماضي بل يجب دراسة كافة العوامل السابقة التي أثرت سلباً أو إيجاباً على مفهوم الأمن القومي العربي لتحليلها ومعرفة أسبابها لتداركها إذا أردنا فعلاً أن نصيغ مفهوماً جديداً للأمن القومي العربي على أسس راسخة وواقعية، وكذلك البحث في عوامل القوة الكامنة في المجتمع العربي والتي تدعم الأمن القومي العربي للبناء عليها.

هـ- ان تبني بعض الأقطار العربية والأنظمة السياسية العربية لإيديولوجيات سياسية واقتصادية غربية عن ظرف وأوضاع المنطقة العربية والتغيير العنيف المتوالي للأنظمة السياسية في بعض أقطارها قد جعل هذه المجتمعات حقلاً للتجارب، فقط كانت الإيديولوجيات والمفاهيم والخطط والبرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية تتغير أو تلغى مع كل انقلاب عسكري جديد، ويطرح بدلاً منها وصفات توصف بأنها الحل السحري لكافة المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية للشعب، وكانت هذه الوصفات في الغالب متشابهة وتشتمل على شعارات مثل الشورية والتقدمية والاشتراكية والديمقراطية والتحرر الوطني والتصدي للرجعية والصهيونية والامبريالية وتحرير فلسطين المغتصبة، ومع كل انقلاب عسكري ومع كل وصفة جديدة كانت تزداد الأنظمة السياسية دكتاتورية وفردية مما ضاعف من المعاناة الاقتصادية والاجتماعية للشعوب العربية ومكن إسرائيل من ترسيخ وجودها على الأرض العربية، وأصبحت فكرة تحرير فلسطين أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع.

و- نظراً لهذه الأوضاع والظروف التي اجتاحت المنطقة العربية خلال الفترة الماضية فإنه أصبح من أولويات العمل لأي نظام سياسي عربي متطور يهدف إلى تعزيز استقراره الاجتماعي والاقتصادي والسياسي أن يضع برامج فعالة ومدروسة وطويلة الأمد تجاه السياسة الوطنية لديه، كما أنه أيضاً يتوجب على هذه الأقطار أن تركز على العوامل التي تمثل بؤراً للتوتر وتعمل على زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي ويأتي في مقدمة هذه العوامل البعد السكاني والعرقي والطائفي وعدم التوازن الاجتماعي لدى التخطيط للسياسات الوطنية، ان متانة هذه العناصر تؤدي في النهاية إلى نسيج اجتماعي متين في حين إغفالها أو إهمالها يؤدي إلى أثارة التوتر وعوامل الصراع السياسي أو الطائفي أو الاجتماعي. ويفتح المجال أمام الدول الطامعة للتدخل في الشؤون الداخلية للأقطار العربية، ان هذه العناصر التي يمكن أن تبقى كامنة لعدم وجود الظروف الملائمة لإشعالها قد تنطلق شرارتها في أي وقت لأي سبب إذا وجدت الظروف المحلية والدولية المواتية، ان هذه العوامل والتي تمثل نقاط ضعف في النسيج الاجتماعي أو الطيف السياسي لأي قطر يمكن معالجتها وتداركها قبل حدوثها من خلال دراسة جذورها وأسبابها وظروفها ومكوناتها ووضع الحلول العملية المناسبة لها وذلك لتعزيز منظومة الأمن الوطني والقومي سواء بسواء.

2.                             التحديات المحلية الداخلية.

أ – الاتجاهات نحو الديمقراطية والاتجاهات المضادة:

ان الديمقراطية بمفهومه العام تعني حكم الشعب لنفسه، وهذا أمر مثالي في مفهومه، والمتعارف عليه في الديمقراطيات الحديثة ان الشعوب تحكم عادة بواسطة صفوة محدودة من السياسيين منبثقة من صفوف الشعب على أساس الانتخاب. ان الانتخاب والتمثيل يعدان مظهران من مظاهر الديمقراطية في حين أن هناك مظاهر أخرى تساعد على توفير الأجواء الصحية لتطور الديمقراطية مثل الإقرار بالحريات الأساسية للأفراد في إطار القانون واحترام الملكية الفردية وتحقيق التوازن بين القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما يكفل العدل والمساواة وتكافئ الفرص للمواطنين. ان العدل والمساواة في الحقوق والواجبات تعد الهدف الأسمى لأي نظام سياسي متطور.

أن  الديمقراطية ليست شيئاً ملموساً بعينه ولكن يمكن تأكيدها أو نفيها من خلال توفر المؤشرات الدالة عليها، مثل مشاركة الأغلبية في رسم السياسات واتخاذ القرارات وتوجيه الحكم لمصلحة الأغلبية،وإتاحة الفرصة للأقلية لتعبر عن رأيها.

تعني الديمقراطية في مفهومها السياسي ترشيد السلطة السياسية بواسطة إرساء سلطة القانون على أسس وطنية رشيدة بعيدة عن الارتباطات الإقليمية أو الطائفية أو القبلية الضيقة التي تهدف إلى تحويل الولاء العام للوطن إلى الالتزام بمصالح الجزء على حساب مصلحة المجموع، وهذا يؤدي إلى سوء توزيع السلطة والامتيازات ولتلافي مثل هذا الوضع، فإنه على النظام السياسي أن يلتزم بتحقيق عاملين أساسين، وهما العدل والمساواة وما ينطوي عليه هذين العاملين من الحياد والنزاهة وتوطيد نظام من العلاقة الصحية ما بين الشعب ونظام الحكم بتمكن الشعب بواسطتها من التدقيق والرقابة على وسائل الحكم ومؤسساته في جو من الأمن والحرية المسؤولة، وهذه لا يتم إلا في ظروف المناخ الديمقراطي، فغياب المناخ الديمقراطي وتفشي الاستبداد والظلم يودي إلى انحسار النقد والمساءلة واستشراء النفاق السياسي مما يؤدي إلى الكارثة.

لقد أصبحت التوجيهات الديمقراطية تتعاظم في أنحاء عديدة من العالم بعدما أخفقت أنظمة الحكم القائمة على الحزب الواحد القائد من تلبية رغبات وتطلعات الشعب ومواجهة الصعوبات الاقتصادية والمتغيرات الدولية، ففكرة الحزب الواحد القائد الذي يمثل طليعة الجماهير ويتبنى قضاياهم ويعرف مصالحهم ويحدد الأهداف والوسائل للوصول لهذه الأهداف، بغض النظر عن طبيعة الوسائل أو نوعية الأهداف وهل تخدم هذه الأهداف الشعب اما ان الشعب سيكون الضحية الرئيسية لهذه الأهداف والوسائل؟ وتوظيف وسائل الاعلام الموجهة من قبل الأنظمة للتأثير على الجماهير وتضخيم المنجزات الصغيرة والتعتيم على الأخطاء الكبيرة. ان هذه الأساليب قد فشلت لأن النخبة القليلة القائدة من الكوادر الحزبية معرضة للفساد والتراخي مع مرور الوقت والتخلي عن أفكارها النظرية التي تطلقها كشعار أثناء سيرها لمسك زمام الحكم أو أثناء عملها على توطيد أركانه. لذلك لا تلبث أن تجد أن هذه الشعارات ليست إلا مجرد مصطلحات عامة لا يوجد تصور واضح لكيفية تطبيقها في الواقع، فتقوم نتيجة لذلك على خلق قضايا صراعية مع أعداء وهميين أو حقيقيين يستهدفون طموحات ومكاسب الشعب، من أجل نيل الدعم الشعبي وتصفية المعارضين السياسيين وقمع الرأي الآخر ومصادرة الحريات باسم الحرية.

لذلك فإن فشل هذه النظريات ساعد على دفع التوجه الديمقراطي للواجهة الأمامية وخاصة بعدما انهارت الشيوعية كفكرة سياسية واقتصادية.

ان منطقتنا العربية كجزء من العالم والتي تنتشر في بعض دولها نظرية الحزب الواحد القائد وبعضهما الآخر لا يوجد بها وسائل ديمقراطية أو مجالس شعبية منتخبة لابد وان تتأثر بما يحدث في العالم من تطورات تتعلق بالديمقراطية والتعددية السياسية والحرية الفكرية واحترام حقوق الإنسان وتطمح إلى تطوير أنظمتها السياسية للوصول إلى دول أكثر منعة واستقراراً.

وعلى ذلك فان بعض الأقطار العربية أصبحت تتحسس هذه المتغيرات على الصعيد العامي والإقليمي واتجهت فعلاً نحو الخيار الديمقراطي بخطوات عملية هامة.

أما على الجانب الآخر من الأقطار العربية في المنطقة فان بعض القيادات لا تشاطر شعوبها الرغبة في الخيار الديمقراطي وتنظر له على أنه تهديداً لنفوذها. وفي شريحة أخرى من الأقطار العربية فان الخطوات المترددة نحو الديمقراطية ليست إلا ردود فعل ظرفية تجاه مواقف وأزمات محددة. ان الخطوات نحو الديمقراطية أدت في كثير من الأحيان إلى تحديد هامش نفوذ العناصر العقائدية والحزبية، فلذلك كانت بعض القيادات ميالة للتلاعب بالعملية الديمقراطية كوسيلة للوصول إلى أهداف معينة أكثر من السماح لها لتصبح أداة تهدد نفوذها.

كما ان الاعتبارات الأمنية أيضاً لا زالت في العديد من الأقطار العربية تأخذ الاسبقية على الإصلاحات السياسية، إن عدم الاستجابة للرغبات الشعبية في مؤسسات أكثر ديمقراطية يؤدي إلى إثارة جو من عدم الاستقرار في المنطقة.

إن البديل لغياب المفهوم الديمقراطي في الحكم ومشاركة أغلبية الشعب في حكم أنفسهم هو الاعتماد على القواعد الضيقة في الحكم ومن هذه القواعد الولاءات الطائفية أو الإقليمية أو القبلية أو أسلوب الحزب الواحد أو مزيج من هذه جميعاً. وفي ظل غياب الأكثرية عن المشاركة في الحكم يتحول الشعب إلى طرفي معادلة غير متوازنة الطرف الأول وهو الفئة الحاكمة وهو القلة والطرف الثاني وهو الفئة الحكومية وهؤلاء يمثلون الأغلبية. وفي ظل غياب التوجه الديمقراطي وإرساء دولة القانون فان البديل هو شيوع الإرهاب السياسي والفكري والانحراف عن الولاء للوطن إلى الولاءات الضيقة وحرمان الأكثرية من حقوقهم.

لقد أتضح مؤخراً بما لا يدع مجالاً للشك ان الأحزاب القائدة والتي كانت تدعي تمثيل الجماهير ليست إلا صورة من صور أنظمة الحكم ذات القاعدة الضيقة حيث بدأت هذه الأحزاب تتهاوى لدى إتاحة الفرصة للشعب للتعبير عن رأيه بحرية ولا شك أن الأحزاب الشيوعية القائده خير مثال على ذلك.

ب- إن الفرز الطبقي الحاد يعد مظهراً لعدم التوازن الاجتماعي ومصدراً محتملاً لعدم الاستقرار في المجتمع. فتدني مستوى المعيشة بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة يؤدي إلى هبوط أعداد كبيرة من الطبقة الوسطى، والتي تضم القوى العاملة الماهرة ومعظم القوى العاملة في المراتب الإدارية المتوسطة في أجهزة الدولة والمؤسسات الأمنية والقوات المسلحة، والتي يعتمد عليها أمن الدولة الداخلي والخارجي إلى الطبقة الدنيا مما يؤدي إلى اختلال البناء الاجتماعي ويعمل على زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي للدولة.

إن عملية التوازن في البناء الاجتماعي تؤسس عادة على عمليتين اجتماعيتين مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً ببعضهما بعضاً، وهما كيفية الاختيار للمراكز المختلفة في النظام الاجتماعي وأسلوب توضيح المكاسب المتعلقة بهذه المراكز. ان عدم المساواة في توزيع الثروة أو الاختيار السيئ لاشغال المراكز المختلفة يعد دوماً مصدراً محتملاً لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، وعلى ذلك فان الجهاز الأعلى يواجه مشكلة خطيرة في السيطرة الاجتماعية على الطبقات الأخرى إذا اختلت الموازين، لقد لجأت المجتمعات لحل هذه المشكلة بطرق مختلفة فمنها من لجأ إلى الطريقة المباشرة والمتمثلة باستخدام القمع والإكراه للمحافظة على توزيع الثروة والامتيازات، بينما البعض الآخر لجأ إلى كسب عقول وعواطف الشعب، لذلك فان أحد الأهداف الهامة لأية طبقة مهيمنة هي جعل القواعد والأسس التي تحكم توزيع هذه المكاسب تبدو شرعية في نظر عامة الشعب، بما في ذلك الذين يحصلون على مكاسب أقل، وكلما زادت درجة تحقق ذلك كلما كان النظام السياسي والاجتماعي أكثر استقراراً وكلما قلة الحاجة إلى اللجوء إلى الوسائل القسرية. وهنا يجدر الإشارة أيضاً أنه توجد بعض الآليات الاجتماعية التي تمثل صمامات أمان لاستتباب النظام الاجتماعي وهذه الآليات تسمح بقدر من النفاذ بين الطبقات وان ذلك يعتمد على درجة السيولة والانفتاح في نظام الطبقات. ان المرونة الاجتماعية للأعلى توفر طريقاً للهرب لاعداد كبيرة من ذوي القدرات والذكاء والطموح من الطبقات الدنيا وبالتالي تلطيف بعض التوترات الناتجة عن عدم المساواة(1) . وفي النهاية فان الأمن الاجتماعي لأي قطر عربي هو جزء من الأمن القومي العام، لذلك فان أي توتر في أي مجتمع عربي سيؤدي بالضرورة إلى إلحاق الضرر بالأمن القومي الشامل.

ج - الآلية الخاطئة في اتخاذ القرارات:

ان العامل الأساسي والهام في نجاح أي قرار يعتمد على مدى تقدم وتطور عملية اتخاذ القرارات في تلك المؤسسة أو الدولة. ان عملية اتخاذ القرارات تعد حالياً نموذجاً للأسلوب العلمي الصحيح والذي يكفل التوصل إلى اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الملائم اعتماداً على دراسة كافة البدائل المتاحة واختيار البديل الأفضل، بناء على معلومات شاملة وصحيحة وموقوتة وغير متحيزة أو مبنية على تصورات سابقة أو معلومات مرغوبة، ان التخبط والارتجال والفردية في عملية اتخاذ القرارات تؤدي إلى اتخاذ قرارات تؤدي إلى اتخاذ قرارات خاطئة، ومن المعروف ان النتائج العكسية الضارة والمترتبة على تلك القرارات تتناسب طردياً مع المستوى الذي يتخذ فيه القرار، فالقرار السياسي السيئ قد يؤدي إلى نتائج سياسية مدمرة للدولة، كما إن القرار العسكري السيئ قد يؤدي إلى إلحاق هزيمة عسكرية شاملة، وكذلك الأمر بالنسبة للقرارات الاجتماعية والاقتصادية الخاطئة قد تؤدي إلى زعزعة البنيان الاجتماعي والسياسي للدولة. لذلك فقد أدرجت هذا الجانب ضمن العوامل الهامة التي تؤدي إلى زعزعة أو توطيد الاستقرار في المنطقة.

ان من أهم وأخطر الأضرار التي تلحق بعملية اتخاذ القرارات هي النزعة نحو الإجماع بين مجموعة اتخاذ القرارات ومقاومة الرأي الآخر، وهذه النزعة أدت في كثير من الأحيان إلى أثر مدمرة. وهذه النزعة ليست مقتصرة فقط على الأنظمة ذات الصبغة الفردية ولكن تشمل كذلك إليه صنع القرار في الأنظمة الديمقراطية أيضاً، وإن كانت تظهر بشكل أوضح وأوسع نطاقاً في الأنظمة الفردية الاستبدادية.

تظهر عادة النزعة نحو الإجماع وقمع الرأي الآخر ضمن مجموعات أو دوائر صنع القرار التي تحرص على الظهور بمظهر المتماسك، فعندما تكون هذه النزعة مسيطرة وخاصة لدى القادة فان المستشارين يستخدمون كافة إمكاناتهم لتطوير التبريرات والتسويغات التي تدعم الأوهام المشكلة سلفاً حول قوة ومنعة الجماعة.

تعزى العديد من نواحي الفشل والإخفاق التاريخية إلى عمليات اتخاذ قرارات خاطئة من قبل القادة الذين يتمتعون بنفوذ واسع وشخصية مسيطرة، أو المبالين إلى الفردية والاستبداد ورفضهم الاستماع لما يخالف تصوراتهم والذين ينالون دعماً وتأييداً كبيراً من مستشاريهم المقربين، وهناك أمثلة عديدة على نواحي الإخفاق التاريخية على الصعيد العالمي وأيضاً على صعيد الوطن العربي ويمكن للباحث ان يتقصى هذه الأمثلة في القضايا والمذكرات الشخصية والدراسات التاريخية.

وفي هذا المجال يجدر بالذكر انه توجد مؤشرات وأعراض مستخلصة من السجلات التاريخية لعمليات الإخفاق السابقة والتي يمكن تلخيصها بما يلي:(2)

أ – وهم المنعة والذي يؤمن به معظم أو كل الأعضاء الذي يخلق نوع من التفاؤل المفرط ويشجع المخاطره غير المسحوبة.

ب- الاتجاه الجمعي نحو التسويغ والتبرير من أجل إهمال التحذيرات التي يمكن أن تؤدي بالأعضاء إلى إعادة تقييم فرضياتهم واتخاذ قراراتهم.

ج- النظرة التعميمية على الأعداء والمنافسين بأنهم أشرار بحيث لا يمكن التعامل معهم، أو ضعفاء أو أغبياء بحيث لا حاجة لأن يحسب لهم حساب.

د- الضغط المباشر على أي عضو في المجموعة يبدي نقاشاً جاداً حول أي من نقاط الإجماع أو الأوهام المشكلة سلفاً والنظر لذلك على أنه خروج عن الجماعة وتصرف غير لائق من الأعضاء المخلصين.

هـ - الإيمان بدون نقاش في أخلاقيات ومبادئ الجماعة مما يجعل الأفراد يتجاهلون الآثار المعنوية والأخلاقية المترتبة على قراراتهم.

و- الرقابة الذاتية التي يقوم بها الأفراد تجاه أي خروج عن الإجماع والذي يعكس رغبتهم في التقليل من أهمية شكوكهم وآرائهم المخالفة.

ز- ظهور بعض الأفراد داخل دائرة صنع القرار والذين ينصبون أنفسهم حراساً على أفكار الجماعة ويقومون بحجب المعلومات المخالفة وغير السارة والتي يعتقدون أنها يمكن ان تشق الإجماع.

ان أفضل الطرق لتلافي الأخطاء الناتجة عن هذه الأوهام هي وضع إجراءات وتعليمات قياسية تهدف إلى منع أعراض الإجماع بالرأي دخل مجموعة اتخاذ القرارات. ولقد بينت سابقاً بعض الشروط المسبقة التي تؤدي إلى ظهور أعراض الإجماع الفكري وقمع الرأي الآخر، وهناك عوامل أخرى تعزز هذا الاتجاه وتقويه، مثل القيادة الاشرافية الحثيثة وعزلة المجموعة، واحتكار الحقيقة، وعدم توخي الأساليب العلمية في البحث والتقييم، وعادة إذا ما ظهرت هذه العوامل فان التوتر في عملية اتخاذ القرار يكون كبيراً، وغالباً ما يسود نتيجة لذلك التفاؤل غير المبرر وخداع النفس والتفكير الغوغائي ويتسم العمل في هذه الحالة بقلة الحيطة والحذر وحجب المعلومات المتعلقة بالعيوب المزعجة عن القادة وكذلك الاعتماد على التبريرات والتسويغات غير المنطقية والتي تعزز تبني الخيار الأقل معارضة داخل المجموعة بغض النظر عن جودته، وعادة ما يكون هذا الخيار هو الخيار المفضل للقائد. لقد أثبتت التجارب والدراسات أيضاً أنه وحتى عندما تظهر ظروف أخرى لا تستند هذا الخيار المفضل أو توارد إثباتات دامغة تشير إلى خطأه فان التحيز الأولى للقائد لمصلحة هذا البديل لا يمكن الآخرين من تصحيحيه.

د- لقد دخلت الأقطار العربية المواجهة لإسرائيل وبسبب موقعها الجغرافي ووقوفها وجهاً لوجه أمام المد الإسرائيلي التوسعي في سباق تسلح غير متكافئ مع إسرائيل والتي كانت تتلقى مساعدات كبيرة من الدول الغربية والمنظمات اليهودية العالمية. لقد أدى هذه السباق من أجل درء الخطر الصهيوني التي الضغط الكبير على الموارد المحدودة لهذه الدول والتي نابت عن العالم العربي بالتصدي لهذا الخطر، ونتيجة لهذا الموقف فقد واجهت هذه الدول صعوبات اقتصادية جدية. وانطلاقاً من الشعار الذي كانت ترفعه كافة الاقطار العربية وهو ان العدو الصهيوني هو العدو الأول للأمة العربية وأن القضية الفلسطينية هي القضية المحورية للأقطار العربية فقد كان حرياً ان يترجم هذا الشعار إلى واقع عملي، وأن يدار سباق التسلح العربي من كافة الأقطار العربية وخاصة الدول الغنية ذات العائدات المالية الضخمة، ولكن للأسف فان العبء قد وقع على دول المواجهة وهي الأردن وسوريا، ومصر، مما أثقل كاهل هذه الأقطار فانهارت الجبهة السياسية العربية وخرجت مصر من معادلة التوازن الاستراتيجي مع العدو، كما أن سوريا أيضاً وجدت نفسها بسبب عدم توفر الموارد المالية والصعوبات الاقتصادية تتوقف عن محاولة تحقيق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل، وحيث أن الخطر الأكبر للأمة العربية هو العدو الصهيوني، فإن تدعيم الدول المواجهة لهذا العدو هو تدعيم للأمن القومي العربي وان التنصل عن المسئولية القومية في دعم هذه الأقطار هو معول هدم في جدار القومي العربي، لأنه يترك الأمة العربية مكشوفة عسكرياً أمام العدو، كما يعقد جهودها في أية تسوية سلمية شريفة تحفظ الحقوق العربية التاريخية في الأرض العربية.

3.                             التحديات المتعلقة بالعلاقات العربية البينية.

أ – أزمة الخليج وتداعياتها.

لقد كان لأزمة الخليج وما تبعها من تطورات سياسية واجتماعية واقتصادية آثاراً سيئة على الأمن القومي العربي، كما انها أشعلت فتيل العديد من التوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكامنة في المنطقة كما انها حرفت مفهوم الأمن القومي العربي والذي كان في السابق يضع إسرائيل على رأس مصادر التهديد العسكرية والسياسية للأمن القومي العربي، بحيث تراجعت إسرائيل من منظور بعض الأنظمة العربية لتصبح مصدر تهديد ثانوي وتقدمت بعض الأقطار العربية لتحتل مركز التهديد المباشر لبعضها بعضاً، وفي إطار هذا المفهوم الضيق فقد بادرت بعض الأنظمة العربية إلى تغذي بؤر التوتر وعوامل عدم الاستقرار الطائفية والعرقية والسياسية متجاهلة أن اللعب بهذه الأوراق على قدر كبير من الخطورة وأنه قد ينتشر ليشمل كافة المنطقة العربية. وعلى هذا فلا مفر للأنظمة السياسية العربية ان تلتقي آجلاً أم عاجلاً لتدارك هذه الوضع وإصلاح العطب وصياغة مفهوم موحد للأمن الجماعي العربي وفي ظل غياب المفهوم القومي الشامل للأمن، فإن عوامل الإقليمية والطائفية والعرقية والقبلية ستجد مرتعاً خصباً لها لإثارة القلاقل الداخلية وفتح المجال للقوى الأجنبية لاختراق المجتمعات العربية وزعزعة استقرارها.

إن سياسة إعادة تشكيل المحاور والتحالفات الإقليمية والدولية وما رافقها من تدهور النفوذ السياسي والاقتصادي للأقطار العربية وانعكاسات ذلك على مؤسسات التضامن العربي المتمثلة في جامعة الدول العربية ومؤسسة القمة وجمود العمل العربي المشترك في مواجهة الأخطار الخارجية والداخلية، تعد من الثغرات الهامة والتي تعزز حالة عدم الاستقرار في المنطقة. لذلك فإن تدعيم مؤسسات التضامن العربي وتعزيز مركز جامعة الدول العربية وتفعيل دورها الحيوي لتتمكن من قيادة عملية مصالحة عربية شاملة تؤدي إلى رأب الصداع العربي وإعادة اللحمة للتضامن العربي تعد مطلباً ملحاً. كما ان تخطي الواقع المؤلم الذي نتج عن أزمة الخليج إلى مستقبل أفضل مبني على أسس جديدة من العلاقات العربية المتينة التي تقوم على الاحترام المتبادل والعلاقات المتكافئة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى والنظر للأمن القومي العربي ككل لا يتجزأ يعد أمراً في غاية الأهمية للجميع.

ب-  نظرة الأقطار العربية لعلاقاتها مع الدول الكبرى:

لقد كانت طبيعة علاقات الأقطار العربية مع الدول الكبرى وتوجيهات هذه الدول مثار خلاف ما بين الأقطار العربية، فبعض الأقطار العربية مالت نحو المعسكر الغربي في الفكر والاقتصاد، وبعضها الآخر مال نحو المعسكر الشرقي لأن الدول الغربية في نظرها كانت تمثل الدول ذات التاريخ الاستعماري العريق في المنطقة العربية والتي وقفت أيضاً في طريق وحدتها، وأما المعسكر الثاني فكان يمثل في نظرها القوة التي تدعم الأقطار العربية سياسياً وتمدها بالسلاح وتمثل عنصر التوازن أمام النفوذ الغربي في المنطقة. ان هذا التوجه أو التصور دفع بعض الأقطار العربية التي كانت تصف نفسها بالتقدمية والثورية إلى مهاجمة الأقطار الأخرى التي أصبحت تربط نفسها بشكل أوثق مع المعسكر الغربي، وقد ساعد هذا العامل على زيادة التدخل في الشؤون الداخلية للأقطار العربية، والذي كن له أكبر الأثر في زعزعة الاستقرار في المنطقة. ويرتبط بهذا الموضوع أيضاً التناقض المتعلق بالثراء الفاحش لبعض الأقطار العربية البترولية وذات العلاقة الوطيدة مع الغرب والإمكانات المتواضعة للأقطار العربية الأخرى المحيطة بها، مما خلق مجتمعات عربية متجاورة ومتناقضة في مستواها الاجتماعي والاقتصادي، مما جعل بعض الأقطار العربية الغنية والقليلة السكان في إطار حرصها على الاستحواذ على هذه الثورة وخوفها من الأقطار العربية القوية المجاورة لها، ان تتجه نحو الدول الكبرى لحماية أنظمتها.

ج- الاستراتيجيات المتعارضة للتعامل مع القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني:

إن الخلافات العربية المتعلقة بكيفية التعامل مع قضايا المنطقة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والخطر الإسرائيلي قد واكب القضية الفلسطينية منذ بدايتها الأولى ولا يزال، فخلال العقود الماضية فقد تراوحت الاجتهادات السياسية والعسكرية حول أسلوب التعامل مع القضية الفلسطينية، فبعض هذه الاجتهادات كانت تطالب بتحقيق الوحدة كشرط مسبق لتحرير فلسطين، وبعضها طرح موضوع التغير الاجتماعي والاقتصادي والتحرر كشرط مسبق واجب التحقيق قبل تحرير فلسطين، وأما على الصعيد العسكري فتعددت الاجتهادات أيضاً فمنهم من طالب بشن حرب تحرير شعبية، ومنهم من أصر على ان الحرب التقليدية هي الوسيلة المثلى لمواجهة إسرائيل، ان هذه الاجتهادات والتي كانت أقرب إلى الفكر النظري منها إلى التطبيق العملي، قد ساعدت على توسيع دائرة الخلاف أكثر من الوصول إلى إستراتيجية محددة وواقعية لمواجهة الخطر الصهيوني، كما ان هذه الاستراتيجيات نتج عنها تقسيم الدول العربية إلى مجوعتين مختلفتين مما عزز عوامل عدم الاستقرار والتوتر وأضر بالأمن القومي العربي بدلاً من أن يعززه.

ومن الجدير بالذكر أيضاً أن القضية الفلسطينية ولكونها القضية المحورية الأولى للشعوب العربية، فقد استغلتها بعض الأنظمة السياسية الحاكمة والتي وصلت للحكم بطرق غير ديمقراطية كوسيلة لمصادرة الحريات والحقوق والاستبداد السياسي، لتغطية عوامل الفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي بحجة أنه لا صوت يعلو فوق صوت القضية () .

د – التوجيهات الأيديولوجية والسياسية المتعارضة:

ان الجانب الأيديولوجي كان مثار خلاف ما بين الدول العربية فخلال العقود الماضية استخدمت الأيديولوجية السياسية والاقتصادية كوسيلة لتغيير المجتمعات العربي وأنظمة الحكم، وفي الإطار فإن التصورات المتعلقة بأسلوب تحقيق الوحدة العربية كانت مثار خلاف بين العديد من الأنظمة والأحزاب القومية في الساحة العربية، لقد رأت بعض الأنظمة والأحزاب العربية ان الانقلابات واستخدام القوة والعنف هو أفضل طريق لتحقيق هذه الوحدة، في حين ان بعضها الآخر يرى أن طريق الوحدة يبدأ بتحرير الشعوب العربية من كافة وسائل النفوذ والسيطرة الأجنبية وتغيير الأنظمة السياسية بأنظمة منسجمة مع توجهاتها، وبعضها الآخر رأى أن طريق الوحدة لن يتم إلا من خلال الفكر الإسلامي، وذلك في أعقاب فشل التيار القومي خلال العقود الماضية من تحقيق أهداف وطموحات الجماهير، كما ان بعضها الآخر طرح الفكر القومي كأفضل سبيل لوحدة لعرب مدعياً ان ما أصابه من انتكاسات خلال الحقبة الماضية تعزى إلى فشل لأنظمة السياسية في تطبيق هذا لفكر ولقوة المعارضة الداخلية والخارجية له، وليس لأمور تتعلق بجوهر هذا الفكر نفسه، في حين ظهرت تيارات لا بأس بها تنادي بالقطرية والانعزال، والآن وبعد عقود من الصراع العنيف ما بين هذه التوجهات المختلفة واخفاقها جميعاً في تحقيق أي شيء على أرض الواقع، فقد بدأ بطرح موضوع جديد كآلية مناسبة ومقترحة لتحقيق الوحدة لعربية المنتظرة وهو الديمقراطية على افتراض انه لو أتيحت الفرصة للشعوب العربية للمشاركة في اتخاذ القرار وتقرير مصيرها بيدها فلا بد لها في النهاية من أن تختار طريق الوحدة كمصلحة عامة لها. لقد كانت الأيديولوجيات المختلفة في السابق مثار خلاف وصراع عربي مما أضر بمفهوم الأمن القومي العربي.

إن الأيديولوجية كما ذكرت لها أبعاد وجوانب سياسية وأخرى اقتصادية، ومثلما كان هناك خلافات جوهري في التوجيهات الفكرية والسياسية، فهناك أيضاً اختلافات جوهرية في المنهجيات الاقتصادية، فبعض الأقطار العربية اتبعت منهج الاقتصاد الموجه ورفعت شعارات الاشتراكية والتأميم ونزع الملكية والقضاء على الإقطاع وغيره في فترة الستينيات والسبعينيات،  في حين اتبعت دولاً أخرى المنهج الرأسمالي وفق الأسلوب الغربي في الاقتصاد، وقد اتبعت المنهج الاقتصادي الأول الأقطار العربية الأكثر سكاناً والأقل ثروة واتبعت المنهج الاقتصادي الثاني الدول العربية الأقل سكاناً والأكثر غنى، وهذا التناقض خلق بيئة ملائمة لنمو عناصر التوتر بين هذين المعسكرين خلال العقود الماضية. وقد أدت هذه التناقضات إلى ازدياد ظاهرة تدخل بعض الأقطار العربية في شؤون الأقطار العربية الأخرى مما ساعد على زيادة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة العربية.

هـ - وسائل الأعلام العربية والأجنبية:

لقد درجت وسائل الإعلام العربية ومراكز الدراسات والأبحاث على عدم الدخول في جوهر القضايا التي تمس المجتمع العربي وتشريحها بطريقة علمية، والتركيز في كثير من الأحيان على المعلومات السياسية المتعلقة بالقضايا الراهنة والآنية ذات الصبغة الاستهلاكية والتي يكون لها تأثير هامشي ووقتي فقط على الأحداث. وذلك لأن وسائل الأعلام العربية وبشكل عام تعد وسائل متلقية للإنباء وتعتمد إلى حد كبير في ذلك على الأخبار والتحليلات الصادرة عن وسائل الأعلام الغربية ووكالاتهما المختلفة والتي تتحكم بمصادر المعلومات، والتي تصيغ أخبارها وتحقيقاتها وتحليلاتها بما يتناسب مع أهدافها، كما ان هذه الوسائل تركز في نشاطاتها على الأقوال والتصريحات التي يطلقها الساسة والعمل على الإطالة فيها، وفي كثير من الأحيان تحميلها أكثر مما تحتمل من معادن وأبعاد، في حين أنها تنأى بنفسها عن البحث المعمق في الكثير من الظواهر الهامة والتي تمثل بؤراً للتوتر وتعمل كقنابل موقوتة في بنية المجتمعات العربية نظراً لأن البحث في هذه الأمور يحتاج إلى الصبر والمثابرة والوقت والجهد والمال واستخدام أجهزة متخصصة لها دراية في أولويات العمل الوطني والقومي وكذلك القدرة على تحسس المتطلبات الرئيسية لمتخذي القرارات.

تمثل مراكز الدراسات والأبحاث الرسمية والخاصة ووسائل الأعلام المختلفة محطات إنذار مبكر للقادة والشعب تمكنهم من تقصي المؤشرات المساعدة على توقع الحدث قبل حدوثه بوقت كاف يكفل وضع الإجراءات الملاءمة لمواجهته في الوقت المناسب.

وفي هذا المجال تجدر الإشارة اعلام رسمية ملحقة بالأنظمة السياسية، قد عملت بشكل مقصود أو غير مقصود على تغذية هذه البؤر وتعزيزها وحسب المواقف السياسية التي ينتهجها السياسيون في حربهم الإعلامية، وقد استغلت الدوائر السياسية والاستخبارية والإعلامية الطامعة في الهيمنة على المنطقة هذا الوضع وإلى حد كبي مستفيدة من التناقضات والحساسيات الموجودة بين الأنظمة العربية.

ان هذه التوترات التي كانت تختفي بأسلوب المصالحات العشائرية أحياناً كانت تعود للظهور مرة أخرى وحسب المتغيرات السياسية الطارئة لتشوه وتزعز العلاقات العربية العربية.

ز - مشاكل الحدود:

تعد مشاكل الحدود نقاط تفجر كامنة تهدد بالانفجار في أية لحظة إذا توفرت العوامل المساعدة على ذلك، ومشاكل الحدود هذه متعلق بعضها بالحدود ما بين الأقطار العربية، وبعضها الآخر له أبعاد إقليمية ويمتد إلى بعض الدول المجاورة للمنطقة العربية مثل تركيا وإيران، وأثيوبيا وتشاد. ان الحدود ما بين الأقطار العربية والتي رسمت إبان فترة الاستعمار والتي كان من المفترض أن تصبح أكثر مرونة وشفافية بعد زواله، بحيث تسمح بانتقال المواطن العربي ورأس المال والسلع والخدمات والعمالة بسهولة ويسر بين الدول العربية تحولت إلى ستار حديدي يحد من الاتصال، وفي كثير من الأحيان كانت تغلق الحدود لأي سبب. لقد طغت عوامل الأمن السياسي على كافة العوامل الأخرى والتي تحقق المصلحة الحقيقية للإنسان العربي وتنمي فيه شعور الاعتزاز بالأمة والسعي لتحقيق وحدتها. لقد كانت النزاعات الحدودية ما بين الأقطار العربية سبباً رئيسياً من اسباب انهيار مفهوم الأمن القومي وأن استعراض سريع للخلافات العربية حول هذا الموضوع يبين عمق الأثر الذي تركته مشاكل الحدود على الأمن القومي العربي. لقد كان للحدود أثراً سيئاً في تشويش العلاقات ما بين العديد من الأقطار العربية، ومن الأمثلة على ذلك الخلاف العراقي- الكويتي والخلاف الكويتي لسعودي، والخلاف السعودي – اليمني والخلاف السعودي – القطري، والخلاف السوداني – المصري ، والخلاف الليبي – التونسي ، والخلاف المغربي – الجزائري وغيرها.

ان هذه الخلافات كانت تمثل معاول هدم في جدار الأمن القومي ولا مجال لتعزيز هذا الأمن إلا بإيجاد صيغة عربية للتعاون ترتفع فوق قضايا الحدود.

ح- سوق المال العربية:

ان درجة التقدم ومستوى التعليم في الأقطار العربية غير متساوٍ أو متوازن فبعض الأقطار العربية غير الغنية بالموارد ركزت في خطط التنمية فيها على العامل البشري وتمكنت من اعداد كوادرٍ بشرية على درجة عالية من التأهيل الإداري والعلمي والتقني، بحيث أصبحت هذه الأقطار مصدراً للعمالة الماهرة لبعض الأقطار العربية الغنية والتي كان تدفق المال عليها وارتفاع دخل الفرد فيها أسرع من إمكاناتها في بناء وتأهيل الأفراد بالإضافة إلى عوامل أخرى منها قلة عدد السكان، مما جعلها تلجأ إلى استيراد العمالة الماهرة من الأقطار العربية الأخرى مثل الأردن ومصر وفلسطين ولبنان والسودان، بحيث  أصبحت هذه العمالة مرتكزاً هاماً لخطط وبرامج التنمية لهذه الأقطار ومصدراً لتوفير العملة الصعبة لبلدانها، إلا ان هذه العمالة لم تكن في حالة استقرار خلال المدة الماضية وقد صاحب تدفق العمالة بين الأقطار العربية عدداً من المشاكل والتي تعتبر أرضية لإثارة التوتر ما بين الأقطار العربية.

ومن هذه المشاكل:

أ- عدم سن قوانين وتشريعات تكفل توفير الحماية لحقوق العامل العربي.

ب- استخدام العمالة العربية في كثير من الأحيان كورقة ضغط سياسي وحسب المتغيرات السياسية التي كانت تحدث بين الأقطار العربية(4).

ج- ممارسة بعض الأقطار العربية للتمييز في الأجور والحقوق والامتيازات ما بين العمالة الوطنية والعمالة العربية، وما بين العمالة الأجنبية الوافدة، وكذلك الأجنبية الوافدة من الدول الغربية وما بين العمالة العربية الوافدة أيضاً، وحتى في حالة تساوي الكفاءات والمؤهلات أو تفوق العمالة العربية عليها(5).

د- ميل بعض الأقطار العربية إلى تفضيل العمالة الآسيوية على العمالة العربية مما يزيد من عوامل الإحباط والحساسية من قبل العامل العربي الذي يشعر بأن له حق الأولوية في العمل على الأرض العربية(6).

هـ- قيام بعض الأقطار العربية النفطية بعمليات طرد وترحيل على نطاق واسع للعمال العربي لأسباب سياسية مما خلق مشكلة العمالة الوافدة في عدة من الدول التي تعاني أصلاً من مشكلة خطيرة من البطالة لديها (7).

أن سوق العمل العربي بدلاً أن يكون جسر ربط وثقة وتعاون ما بين الأقطار العربية أصبح يمثل عامل توتر وعدم استقرار في علاقات الأقطار العربية ببعضها بعضا، وكذلك عامل توتر في مجتمعات بعض الأقطار العربية التي تفاقمت فيها الصعوبات الاقتصادية بسبب تفشي البطالة والفقر وما ينتج عنها من مشاكل سياسية واجتماعية، وعامل توتر ما بين المجتمعات العربية لما ينتج عادة عن طرد وترحيل العمال العرب من ترسبات وحساسيات نظراً لأن هذه الإجراءات التعسفية موجهة نحو مصالح الإنسان العربي أولاً وأخيراً.

ج – النفط العربي وعائداته المالية:

يعد النفط العربي سلعة إستراتيجية تهم الوطن العربي ككل لارتباطه الوثيق بالأمن القومي العربي، بالإضافة لما له من أبعاد عالمية، ولا يجوز بأي حال من الأحوال اعتباره سلعة قطرية فقط، لقد كان موضوع النفط وكيفية التعامل معه أو أسلوب التصرف بعائداته المالية الضخمة مثار خلاف في المنطقة العربية حيث تبلور اتجاهان حول ذلك الأول، وقد تبنته بعض الأقطار العربية ومن بينها الأقطار المواجهة لإسرائيل ويطالب هذا الاتجاه بمعاملة النفط على أساس أنه سلعة حيوية ذات أبعاد سياسية واقتصادية ولا يجوز بأي حال من الأحوال فصله عن القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وقضية التنمية العربية الشاملة واعداد أقطار المواجهة للوقوف أمام المد الإسرائيلي، وقد ارتكز هذا المفهوم على ممارسات العديد من دول العالم وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي كانت توظف سلعها الإستراتيجية مثل القمح ووسائل التقنية المتقدمة للأغراض السياسية في تعاملها مع الدول الأخرى، لأن السياسة الاقتصاد في نظرها وجهان لعملة واحدة ولا يمكن فصلهما عن بعضهما بعضاً.

والاتجاه الثاني، وقد تبنته دول النفط العربي والتي اعتبرت النفط سلعة اقتصادية قطرية وطالبت بعدم ربطه بالمواضيع السياسية في المنطقة، ان النفط بغض النظر عن اختلاف الاجتهادات حول التعامل معه فقد تعاملت معه الدول الغربية كسلعة حيوية، وسمحت لنفسها باتخاذ كافة الوسائل السياسية والعسكرية لضمان تدفقه إليها وبالسعر المناسب الذي يتلائم مع أوضاعها الاقتصادية.

ولا شك ان المحرك لأزمة الخليج كان النفط العربي واستمرار تدفقه وضمان هيمنة دول الغرب عليه، ولم تكن عوامل المحافظة على الاستقلال وسيادة دول المنطقة هي الأساس في هذه القضية.

ان النفط العربي بدلاً أن يكون عنصر استقرار ودعم للمجتمعات العربية وأمنها القومي أصبح يمثل العامل الأهم في زعزعة الاستقرار في المنطقة العربية وذلك للأسباب التالية: -

أ ) لقد حفز النفط العربي نظراً لأهميته الاقتصادية والإستراتيجية الدول الغربية وبعض الدول المجاورة للتكالب على المنطقة العربية، وفي إطار حرصها على هذه المادة الحيوية فقد استغلت كافة الإمكانات المتاحة لها لإضعاف المنطقة العربية وتفتيتها وزعزعة استقرارها الأمني والسياسي.

ب) لقد استخدم النفط وعائداته المادية الكبيرة بطريقة غير صحيحة ألحقت الضرر بمصالح معظم العرب ولم تمكنهم من تعزيز إمكاناتهم وقدراتهم العسكرية والاقتصادية لمواجهة التحديات المحيطة بهم وفي مقدمتها إسرائيل كما انه أدى إلى تقسيم المنطقة العربية اقتصادياً إلى قسيمين مختلفين أحداهما غني وهذا يمثل القلة والآخر قليل الموارد والإمكانات وهؤلاء هم الكثرة ويمثلون غالبية سكان الوطن العربي.

ومما زاد الطين بله استخدام بعض الأقطار العربية لموضوع النفط وعائداته سلاحاً سياسياً في تعاملها مع الأقطار العربية الأخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتغيير مواقفها السياسية للتوافق مع مواقف هذه الأقطار.

4.                                        التحديات الإقليمية والدولية

أ – الكيان الصهيوني في المنطقة العربية:

يعد الكيان الصهيوني في المنطقة العربية عنصر التوتر الرئيس في المنطقة لما قام عليه هذا الكيان من ظلم وبطش واغتصاب الحقوق وتشريد السكان الآمنين من ديارهم وسلب ممتلكاتهم وأموالهم وديارهم والعمل كرأس حربة للدول الطامعة في هذه المنطقة، وامتداد هذه الظاهرة العدوانية وانتشارها بحيث أصبحت تهدد وبشكل كبير حاضر ومستقبل الشعوب العربية في هذه المنطقة (8).

انني لست هنا بصدد سرد السياق التاريخي لإنشاء هذا الكيان على الأرض العربية في فلسطين فهذا الموضوع ناقشه وحلله المؤرخون بتوسع، ولكني سأستعرض بإيجاز بعض النتائج التي ترتبت على إنشاء هذا الكيان في فلسطين وآثارها على زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في المنطقة العربية خلال الحقبة الماضية، ويمكن تلخيص هذه النتائج:

أ ) عمله المستمر على إحباط المشروع النهضوي العربي ومنع الشعوب العربية من تحقيق الوحدة المأمولة بسبب التناقض ما بين هذا المشروع والمشروع الصهيوني التوسعي والذي أدى قيامه إلى فصل آسيا العربية عن أفريقيا العربية.

ب) لقد أقامت إسرائيل كيانها على حساب تشريد وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين والذي اقتلعوا بالقوة من ديارهم ووطنهم وتحولوا إلى لاجئين في مخيمات منتشرة في أقطار عديدة من المنطقة العربية.

ج ) بقاء الشعوب العربية تحت التهديد العدواني المستمر من الكيان الصهيوني، والذي يعتنق الفكرة الصهيونية كعقيدة سياسية، والتي تعد فكرة عنصرية عدوانية توسعية تعمل على تهجير اليهود من كافة أنحاء العالم وتوطينهم في الأرض العربية واقتلاع الإنسان العربي من أرض آبائه وأجداده.

  وهذه الفكرة تمثل تهديداً لحاضر ومستقبل الإنسان العربي ومصدراً للتوتر المستمر في المنطقة. 

د ) لقد أتبعت إسرائيل ومنذ قيامها استراتيجيات سياسية وعسكرية وإعلامية لإضعاف المنطقة العربية وقد تمثلت هذه الاستراتيجيات بما يلي:

1.  شن الحروب المتتالية ضد الشعوب العربية وأول حروبها هي حربها ضد الشعب الفلسطيني قبل وأثناء وما بعد عام 1948 وعدوانها بالتواطئ مع بريطانيا وفرنسا على مصر عام 1956 وعدوانها ضد الأردن وسوريا ومصر عام 1967 واحتلالها لإجراء من أراضي هذه الدول وعدوانها على العراق عام 1981 وعدوانها على لبنان واحتلالها لجز كبير من أراضيه منذ عام 1982.

2.  لقد عملت إسرائيل وضمن إستراتيجية الحرب النفسية والإعلامية على إضعاف المجتمعات العربية من خلال تغذية عوامل الطائفية والعرقية والإقليمية في العديد من الدول العربية، فلا يوجد حركة تمرد طائفي أو عرقي أو انفصالي إلا كان هناك دور لإسرائيل فيها، بدءاً من التمرد الكردي في شمال العراق إلى الحركة الانفصالية في جنوب السودان وانتهاء بإشعال الحرب الأهلية في لبنان من خلال تغذية عناصر الطائفية والتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية.

3.  لقد عملت إسرائيل واعتماداً على قوتها العسكرية أيضاً على السطو على المياه العربية حيث حولت مجرى نهر الأردن وسرقة مياه نهر الليطاني في لبنان واستنزفت الينابيع والمياه الجوفية في الأراضي العربية المحتلة.

من هذا يتبين ان تاريخ إسرائيل ومنذ تأسيسها ليس إلا سلسلة من الأعمال العدوانية المنظمة والمبرمجة على الشعوب العربية، مدعمة بذلك بالإمكانات المتاحة للصهيونية العالمية بهدف إضعاف المنطقة العربية والهيمنة عليها، من خلال التدخل السافر في شؤونها الداخلية ودعم نقاط التوتر واستثمار عوامل عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي ودعم قوى المعارضة الطائفية والعرقية ومدها بالمال والسلاح والتدريب والدعم السياسي.

ب – التحالفات الإقليمية والدولية:

تقوم بعض الدول التي قد تشعر بالتهديد من دول أخرى أقوى منها إلى عقد تحالفات مع دول أخرى لحماية نفسها، فالتحالفات الإقليمية في نظر العديد من الدول، تعد عاملا ًمهماً لإعطائها حرية في الحركة السياسية ومنعة في الجوانب الاقتصادية والعسكرية.

ان التركيز على كسب الأصدقاء والحلفاء في منطقة التأثير الجغرافي على جانب كبير من الأهمية، وعادة ما تبني الدول تحالفاتها على أساس الدراسة الشاملة للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري للدول الأخرى ومتابعة المتغيرات الإقليمية والدولية بكل دقة لمعرفة الكلفة والنتائج الإيجابية والسلبية المترتبة على ذلك، فعلى سبيل المثال فقد تمكنت العراق أثناء الحرب مع إيران من اكتساب أصدقاء وحلفاء في المجال الإقليمي والدولي كانت لهم أهمية كبرى في ترجيح كفتها في تلك الحرب، في حين ان إيران فشلت في ذلك وكانت تعاني من عزلة سياسية واقتصادية وإقليمية ودولية بسبب سياسة تصدير الثورة التي انتهجتها، والتي أدت إلى تأليب الدول المجاورة والدول الكبرى ضدها. أما في أزمة الخليج فقد انعكست الآية حيث تمكنت الولايات المتحدة من خلق تحالفات إقليمية ودولية لعملياتها السياسية والعسكرية مما مكنها من تعزيز موقفها، الأمر الذي ساعد على حسم نتائج الحرب سياسياً قبل ان تدخلها عسكرياً.

وعلى ذلك فإن طبيعة التحالفات الإقليمية والدولية تعد من العوامل الهامة في توطيد الاستقرار السياسي أو زعزعته في المنطقة، فهذه التحالفات قد تكون ذات صبغة عدوانية تهدف إلى بسط السيطرة والنفوذ والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وفي هذه الحالة فان التحالفات تعد معول هدم للأمن القومي العربي ومصدراً لعدم الاستقرار في المنطقة.

ج – اختلال عناصر التوازن الدولي:

ان موازين القوى الدولية ليست ثابتة على الإطلاق بل تتغير باستمرار باتجاهاتها ودرجة قوتها، تبعاً لمصالح الدول وقدراتها. لذلك فانه سيكون على القيادات السياسية مهمة مستمرة لمتابعة هذه المتغيرات لدى القيام بأية مبادرات سياسية أو نشاطات عسكرية، لما لهذه المتغيرات من آثار كبيرة على الدول الأخرى، وبخاصة عندما أخذت المتغيرات السياسية والاقتصادية والعسكرية على الصعيد العالمي تتسارع بشكل كبير أدى إلى حدوث اختلال في محصلة التوازن الدولي في أعقاب انهيار المعسكر الشيوعي واختفاء ما عرف بالاتحاد السوفيتي سابقاً عن الخريطة السياسية العالمية. لقد ساعد عنصر التوازن الدولي السابق على نشوء ما عرف بجبهة عدم الانحياز، أما في الوقت الحاضر فان هامش المناورة بالنسبة لدول العالم الثالث أو دول عدم الانحياز أصبح محدوداً، وبالتالي فانه من الناحية العملية ستنهار وتختفي فكرة عدم الانحياز كمبدأ، ولا شك انه سيظهر اتجاه لعدد من الدول للتمحور. أو التقرب تجاه الولايات المتحدة وبدرجات متفاوتة كما ان العديد من الدول والتي كانت تبدو متطرفة ستأخذ في تليين مواقفها وتحسين صورتها السياسية كما ان مفهوم الحروب الثورية والمقاومة والإرهاب سينحسر وبدرجة كبيرة.

لقد كانت سياسة الاتحاد السوفيتي سابقاً في تعامله مع المنطقة العربية، لإغلاق دول النقط العربية أمامه، يركز على الدول العربية ذات الكثافة السكانية الكبيرة وغير الغنية والتي يمكن أن تمثل عنصر ضغط على مناطق النفوذ الغربي في المنطقة خاصة الدول النفطية لذلك فقد كانت الأقطار العربية النفطية في السابق تراوح ما بين المحافظة على علاقات قوية منظورة أو غير منظورة مع الغرب والعمل على مسايرة الدول العربية القوية المحيطة بها، وقد بقيت هذه الأقطار تقف على هذا الخط المتوازن ولفترة طويلة، وفي أعقاب دخول العراق إلى الكويت وانتهاء الحرب بهزيمة عسكرية وسياسية للعراق أخرجته كقوة إقليمية مؤثرة، فقد احتل هذا الوضع وأصبحت هذه الدول ترى نفسها حرة وبدرجة أكبر في الحركة السياسية وبناء التحالفات الإقليمية والدولية.

ان هذا الوضع قد أدخل بعض الأقطار العربية تحت الحماية المباشرة للدول الغربية، ولا شك أنه في اللحظة التي تقوم الدول الغربية في رفع حمايتها عن المنطقة أو تخفيفها لأسباب اقتصادية داخلية أو لعوامل دولية أخرى، فإن التنافس والصراع الكبير الذي نشأ أعقاب حرب الخليج والذي تكرس وانتقل من الأنظمة السياسية إلى المجتمعات العربية سيعود ليطفو على السطح مرة أخرى ويهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي في المنطقة.

د- أبعاد النظام العالمي الجديد:

ان انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي قوة توازن دولي في العالم بعامة وفي منطقة الشرق الأوسط بخاصة، جعل الأقطار العربية التي تعاني من الضعف والتمزق والاختراق الخارجي معرضة وبشكل مكشوف وبدون قوة ذاتيه تحميها إلى استفراد الولايات المتحدة في المنطقة كقوة مؤثرة وحيدة تعمل على صياغة المنطقة العربية وحسب مفهومها للنظام العالمي الجديد، بما يكفل لها ترتيب أوضاع هذه المنطقة والتي تمثل شريان الحياة الاقتصادية للدول الصناعية ولأهميتها الإستراتيجية من خلال هيمنتها على المنطقة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً بصورة مباشرة أو من خلال إسرائيل ، كما انها أيضاً ستعمل وبكافة الوسائل على تجريد بعض دول المنطقة والتي تمثل قوة إقليمية مؤثرة من عناصر قوتها العسكرية والعمل على فرض التسوية السلمية وحسب متطلبات مصلحتها الذاتية.

ان استفراد الولايات المتحدة في المنطقة في الوقت الذي تعاني فيه المنطقة العربية من الضعف والتمزق، لن يمكنها بأي حال من الأحوال من التفاعل مع هذا التصور بشكل إيجابي يخدم حاضرها وستقبله، وقد يجعل العديد من الأقطار العربية عرضة وبشكل متزايد للضغوطات السياسية والاقتصادية مما سينتج عنه زعزعة الاستقرار في المنطقة.

هـ- الموارد المائية:

يعد موضوع المياه في المنطقة العربية على درجة بالغة الأهمية وذلك لقلة الموارد المائية في المنطقة العربية ولوجود منابع الأنهار الرئيسية في دول غير عربية وبعضها ليس له علاقة ودية مع الأقطار العربية، ان مشكلة المياه تأخذ أبعاداً هامة أخرى نظراً لارتباطها أيضاً بالطاقة وموضوع الأمن الغذائي العربي. ونظراً لأهمية هذا الموضوع فان العديد من المراقبين يتنبئون بأن الحروب القادمة في المنطقة ستكون بسبب المياه. ان المؤشرات الأولية تفيد أن المنطقة العربية مقبلة على مشكلة مياه خطيرة، وأن هذه المشكلة تمثل بؤرة توتر محتملة ما بين بعض الأقطار العربية والدول الأخرى المجاورة مثل تركيا وأثيوبيا وكذلك إسرائيل، فمشكلة تحويل مياه نهر الأردن كانت سبباً رئيسياً في تصعيد أجواء الحرب بين العرب وإسرائيل، وقد أدرجت هذه المشكلة على رأس جداول أعمال مؤتمرات القمة العربية، وقد بلغت مطامع إسرائيل بالنسبة للمياه العربية أوجها على أثر تدفق مئات الآلاف من المهاجرين اليهود الروس إلى إسرائيل.

ونتيجة لهذا الوضع فأنها حالياً تقوم بسرقة مياه نهر الليطاني في لبنان واستنزاف الموارد المائية الموارد المائية المحدودة في الأرض العربية المحتلة، كذلك فان قيام تركيا بإنشاء سد اتاتورك وتحويل مياه نهر الفرات إليه أدى إلى خلق أزمة مياه في كل من سوريا والعراق وعملت على تأزيم العلاقات مع تركيا، وعلى ذلك فان دول المنطقة أصبحت تدرك أهمية المياه وأثرها على الاستقرار في المنطقة في حالة استئثار دولة ما على مياه بعض الأنهار ذات الطابع الدولي بطريقة تضر بمصالح الدول الأخرى، مما أدى ببعض الدول أن تطلب أدراج هذا الموضوع الهام على جدول أعمال المؤتمر الإقليمي المتعدد الأطراف في المنطقة، وذلك في محاولة منها لإيجاد الحلول الملائمة التي تحفظ حقوق كافة الأطراف المعنية.

5.       الخلاصة :

لقد استعرضت في هذه الدراسة التحليلية أبعاد الأمن القومي العربي، وعلاقته بعوامل عدم الاستقرار وبور التوتر في المجتمعات العربية والعلاقات الثنائية العربية، وعلاقات الأقطار العربية مع الدول الأخرى، والعوامل المساعدة على أثاره عوامل عدم الاستقرار، والتي مثلت نقاط ضعف خطيرة ألحقت أضراراً كبيرة بالنظام العربي في الماضي، ولا زالت تلقى بظلالها على الحاضر والمستقبل، كما ان فرص استثمار هذه التوترات لا زالت قائمة في المستقبل أيضاً، ان هذه التوترات التي لم تدرس بعناية وعمق من قبل مراكز الدراسات والأبحاث العربية العامة والخاصة، شجعت الدوائر الخارجية على البحث المعمق فيها وتقصي خلفياتها وأسبابها لاستغلالها لأبعد الحدود لخدمة أهدافها.

ان هذه الدراسة حول أبعاد الأمن القومي العربي والعوامل المؤثرة فيه سلباً أو إيجاباً والتي تمثل القسم الأول، ليست إلا خطوة صغيرة على طريق العمل الجاد المنظم المبنى على أصول مؤسسية متخصصة تتمتع بإمكانات كبيرة تؤهلا من تذليل كافة العقبات وفي مقدمتها العقبات المادية، وسيتبعها القسم الثاني من هذه الدارسة والذي سأستعرض فيها المؤشرات السياسة والاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بالامن القومي العربي والتي يمكن ان يتحراها الباحث المتخصص، لأن المراقب العادي في كثير من الأحيان لا يستطيع ملاحظة هذه العوامل إلا في وقت متأخر وعندما تبدأ بالتفاعل فوق السطح وعادة ما يكون أمر معالجتها في هذه المرحلة أكثر صعوبة. ان دراسة المؤشرات الضارة وتقديم الإنذار المبكر عنها يعد أمراً في غاية الأهمية للأمن القومي العربي لأنه يتيح المجال للمخططين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعين لمواجهتها قبل استفحال أمرها انسجاماً مع المثل القائل " درهم وقاية خير من قنطار علاج".


الفصل الأول

الهوامش والمراجع:

1.     Frank Parkin- class Inequality And Political Order, Paledin Books, 1985-granada Publishing.

2.     Irvingl. Janis, Leon Mann-(Decision Making), Free Press-ADivision Of Macmillan Publishing Co, Inc, 1977, New York, N, Y- 10022. 

3.  د. أسامة الغزالي حرب – الأنظمة العربية والكيان الصهيوني، قضايا فكرية الكتاب السادس، نيسان 1988- ص 133.

4.     د. حسين توفيق إبراهيم – المشكلات العربية البينية واحتمالات تطورها – شؤون عربية – عدد 66 – ص 133.

5.     نفس المصدر – ص 134.

6.     نفس المصدر – ص 134.

7.     نظرية الأمن القومي العربي المعاصر- القاهرة دار الموقف العربي 1989- فصل (3 ، 4).

 


الفصل الثاني

أضواء على القوة الوطنية والقومية العربية .

1.     المقدمة .

2.    دور الإنسان والمال والجغرافيا.

3.    الأبعاد القطرية والقومية.

4.    الأبعاد الفكرية.

5.    عوامل التهديد الخارجية والداخلية للقوة الوطنية والقومية.

أ – عام.

ب- التهديد الخارجي واستهدافاته.

1)     البعد الجغرافي.

2)     البعد الاقتصادي.

3)     البعد المائي والغذائي.

4)     البعد الاجتماعي.

5)     البعد الفكري.

6)     البعد السياسي.

7)     البعد الوحدوي.

ج- عوامل التهديد المستهدفة للجبهة الداخلية.

1)     سوء توزيع القدرة السياسية أو احتكارها.

2)     سوء توزيع الثروة ومكاسب التنمية.

3)     عدم التوازن الاجتماعي.

4)     انتشار النعرات الإقليمية والقبلية والفئوية والمصلحة.

 

 

 

 

أضواء على القوة الوطنية والقومية العربية

1.                               المقدمة:

ان القوة القومية بمفهومها العام هي محصلة تراكمية لتفاعل عناصر عديدة اقتصادية وسياسية وعسكرية واجتماعية وجغرافية وبشرية وتقنية، وعلى ذلك فان أية إستراتيجية عربية وعسكرية واجتماعية وجغرافية وبشرية وتقنية، وعلى ذلك فان أية إستراتيجية عربية سليمة على الصعيد الوطني أو القومي تتطلب تقييماً موضوعياً ودقيقاً لكافة هذه العناصر ومعرفة مدى تأثيرها على تشكيل السياسيات محلياً وإقليمياً ودولياً . وإذا ما أردنا أن نطبق هذا المفهوم على الأمة العربية فان محصلة القوة القومية العربية هي نتيجة تراكمية لأهمية كافة المواقع الجغرافية للأقطار العربية وعدد وكفاءة وفاعلية القوى البشرية مضافاً لها مجموع القدرات الاقتصادية والعسكرية، وحتى يكون لهذه المحصلة معنى ذو قيمة، فيجب أن تربط برباط هام جداً لا يمكن أن تتشكل قوة قومية بدونه، والذي يعمل المركز والموجة لهذه القوة، وهو وحده الهدف الإستراتيجي لكافة الأقطار العربية وانسجام إرادتها السياسية القومية ودرجة مرونتها الدبلوماسية، ان هذا الرباط أو الموجة لا يزال للان يعد الثغرة الكبرى في إرساء قوة قومية عربية فاعلة، ومن الجدير بالذكر أنه في حالة غياب الديمقراطية والدور الشعبي العربي في اتخاذ القرار في توحيد الهدف فان الإمكانات والقدرات الوطنية والقومية ستبقى مشترذمة والتوجيهات الإستراتيجية متعارضة والإدارة القومية أسيرة للمصالح الذاتية، مما سيجعل من المتعذر على الأمة العربية ان تبني قوة قومية فاعلة تستطيع حماية الأمن القومي العربي بأبعاده المحلية والإقليمية والدولية وستبقى الساحة الجغرافيا العربية مسرحاً للتنافس الإقليمي والدولي وستبقى الثروات العربية عرضة للنهب والاستلاب، مما سينعكس سلباً على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأقطار العربية ويزعزع الاستقرار الداخلي فيها.

ان الدارس لأحوال الأقطار العربية والمجتمعات العربية يجد أن الوطن يتمتع بمصادر قوة هائلة اقتصادية وجغرافية وبشرية تؤهله لأن يكون بمصاف القوى القومية العظمة في هذه المنطقة والعالم، ولكن للأسف فان الواقع العملي يشير إلى عكس ذلك تماماً، فمحصلة القوى العربية حالياً على الصعيد الإقليمي والدولي ضعيفة جداً، ويعزى هذا السبب إلى عوامل عديدة عملت كمعيقات لتشكيل قوة قومية عربية مؤثرة وفي مقدمة هذه العوامل التي أثرت سلباً أو إيجاباً على تشكيل قوة عربية فاعلة هي عوامل الإنسان والمال والجغرافيا.

2.                               دور الإنسان والمال والجغرافيا.

ان عناصر المال والإنسان والجغرافيا على جانب كبير من الأهمية لتحقيق القوة القومية العربية فالإنسان هو محور القوة الوطنية والقومية وهو الأساس الذي تبنى عليه هذه القوة، فلا يمكن تحقيق أية قوة وطنية أو قومية بدون توفر الإنسان الملائم لتحقيق هذه القوة كماً ونوعاً. فالإنسان هو صانع القرار في التحديث الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وهو محور القوة العسكرية والإدارة القومية ووسيلة تحقيقها والنهوض بها للوصول إلى الهدف الإستراتيجي للأمة.

لقد أثبتت الحقائق العلمية والتاريخية والدراسات المقارنة للدول، أنه يجب ان تتوفر كتلة حيوية وأساسية مؤلفة من السكان والرقعة الجغرافية لتعمل كنواة صلبة لتشكيل قوة قومية مؤثرة، وعلى ذلك فان طبيعة الموقع الجغرافي واتساع رقعته وما يترتب عليه من تنوع كبير في الثروات والموارد الاقتصادية وطبيعة المناخ والمزايا العسكرية إذا ما رافقته قوة البشرية مناسبة تعد منطلقاً للقوة القومية، في حين ان نفاذ البصيرة الإستراتيجية لدى القيادة السياسية وقدرتها على تعبئة وحشد القدرات بكفاءة وسرعة حول هدف وطني أو قومي واضح وتوفر الالتزام والالتفاف الجماهيري حوله، قد يمكن دولة صغيرة بالمقاييس المادية من أن تحقق ثقلاً في ميزان القوة أكبر بكثير من دولة تفوقها في القدرات المادية ولا توجد لدى قيادتها السياسية رؤية إستراتيجية واضحة أو هدف محدد توجه الطاقات نحوه، ومن هنا نجد أنه من الأسباب الجوهرية في ضعف القوة القومية العربية هي تشتت القدرات القومية وسوء توزيع ظهور دول عربية تتوفر فيها أعداد كبيرة من السكان ولا تمتلك الموارد الاقتصادية والمال وبالتالي جردت من عنصر هام من مصادر قوتها، ودول عربية أخرى تمتلك المال والثروة ولا تتوفر لديها القوة البشرية المناسبة وبالتالي فقدت عنصراً هاماً من مصادر قوتها. ان سوء توزيع السكان والثروة بالإضافة إلى استخدام بعض الأنظمة العربية للمال والإمكانات الاقتصادية في حالات عديدة لتعزيز التوجهات القطرية أو القبلية أو الفئوية في مواجهة التوجيهات القومية، قد أضر بالقوة الوطنية والقومية للأمة العربية، كذلك فان تفتت الساحة الجغرافية العربية إلى كيانات جغرافية صغيرة بإرادات سياسية متنافرة أضعف من أهمية الموقع الإستراتيجي العربي وحرمه من إمكانية السيطرة على المنافذ والممرات الإستراتيجية لديه، وبذلك منع من تشكيل قوة عربية مؤثرة ترتكز على العدد المناسب من السكان والمساحة الجغرافية اللازمة والثروة الاقتصادية الضرورية لتحقيق ذلك، وعلى ذلك فلا مجال لتحقيق قوة قومية عربية إلا من خلال عمل عربي موحد يستطيع ان يزاوج عملياً ما بين عوامل الإنسان والثروة والجغرافيا في كافة أقطار العالم العربي بالدرجة الأولى بحيث يعزز أحدهما الآخر.

3.                               الأبعاد القطرية والقومية.

إن القوة القومية العربية في إطارها النظري هي محصلة لكافة القوى القطرية الراشدة، والتي في حالة توظيفها يمكن تحقيق قوة قومية عربية فعالة، تستطيع أن تحافظ على المصالح الحيوية للإنسان العربي وتوفر الأمن والرفاه له حاضراً ومستقبلاً. أما في الإطار الواقعي العملي فان الاستخدام غير المنطقي والحكيم للقوة القطرية العربية في العديد من الأحيان من قبل بعض الأنظمة العربية لأسباب تتعلق بالاستراتيجيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتعارضة أدى إلى فتح المجال واسعاً للاختراقات الإقليمية والدولية وساعد الكيان الصهيوني على ترسيخ قواعده على الأرض العربية، مما أدى إلى أضعاف القدرات القطرية والقومية سواء بسواء. لذلك فان القوة القطرية عندما تنسجم إرادتها السياسية مع الهدف الإستراتيجي القومي العام وتعمل على توظيف قدراتها الاقتصادية والعسكرية لتحقيق المصلحة القومية العليا فانها تعد عامل قوة في القوة القومية، وفي هذا المجال يجدر الإشارة إلى أن القدرات القطرية بعامة تعد ممتلكات قومية أيضاً لا يجوز استهدافها في حالة اختلاف التوجيهات للأنظمة السياسية الحاكمة لأن هذه الاختلافات ذات طبيعة طارئة ولا تنسجم مع المصلحة الحقيقية للشعوب العربية.

إن القوى القطرية العربية وحسب ما أثبتت التجارب خلال العقود الماضية كانت عاجزة عن تحقيق الأمن القطري لنفسها أو تعزيز الأمن القومي العام. فلا يوجد للآن دولة عربية واحدة تستطيع أن تشكل بمفردها قوة وطنية تكون بديلاً عن القوة القومية، والدلائل على ذلك كثيرة ومنها عدم قدرة القوة القطرية العربية على حماية التراب العربي من الأطماع الخارجية أو مواجهة الغزوة الاستعمارية الصهيونية في فلسطين أو حماية الثروات العربية من النهب والسلب. ان القوى القطرية بالإضافة إلى فشلها في تحقيق الوحدة العربية، فانها في العديد من الحالات أخفقت في الحفاظ على الوحدة الوطنية على الصعيد القطري وأصبحت مرتعاً للنعرات الإقليمية والدولي، وعلى ذلك فان القوى القطرية في الوطن العربي ما لم توجه جهودها بشكل عقلاني وحكيم لتعزيز القوة القومية الشاملة فانها تعد نقيضاً للتوجه الوحدوي العربي وتكريساً لحالة التجزئة، ومن الجدير بالذكر ان الكتلة العربية الحيوية الضرورية والتي يمكن ان تمثل النواة جغرافياً وبشرياً واقتصادياً لتشكيل قوة قومية فاعلة حسب ما يراه الباحثون في شؤون القوة القومية العربية، يجب أن تستند في جناحها العربي على البحر الأبيض المتوسط وفي جناحها الشرقي على الخليج العربي لتتمكن هذه القوة من مواجهة الأخطار الخارجية وكذلك التعامل مع الأخطار الداخلية.

4.                               الأبعاد الفكرية.

لقد انتهجت الأنظمة والنخب والأحزاب السياسية على الساحة العربية متهجيات فكرية مختلفة تجاه قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية. فعلى الصعيد القومي ظهرت تيارات عديدة كان لها توجهات إستراتيجية مختلفة تجاه مفاهيم أساسية مثل الوحدة والحرية وقضايا التغيير الاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي أدى إلى تصادم وتناحر هذه القوة وإخفاقها في تكوين رؤيا إستراتيجية واحدة تكون منطلقاً لتشكيل إرادة سياسية قومية واحدة وهدف استراتيجي عربي واحد. كذلك فان استخدام بعض القوى الخارجية الطامعة في المنطقة العربية وكذلك بعض القوى السياسية المحلية للنزعات القطرية والقبلية والفئوية لخدمة أغراضها وتغليفها لهذه التوجيهات بشعارات براقة لتجميل صورتها من خلال الاستخدام المكثف لوسائل الاعلام للإيحاء للجماهير العربية بأنها تقوم بدور بطولي وطليعي في قيادة الجماهير  العربية في معركتها الشرسة مع الصهيونية والاستعمار والرجعية، قد أدى إلى إلحاق ضرر بالغ بالقوة القومية العربية. لقد أدى كذلك وصول العديد من الأنظمة العربية للحكم بوسائل غير ديمقراطية وتنصيبها نفسها وصية على مصلحة الجماهير العربية وقائدة لها الأثر الأكبر في الإجهاز على التوجهات الديمقراطية العربية في مهدها، ما أدى إلى وأد التعددية السياسية وتعطيل دور الجماهير في المشاركة في الحكم واتخاذ القرار، وتأخير ظهور هذه التوجهات لعدة عقود لاحقة، كما ان تقديم العوامل الأمنية للعديد من الأنظمة العربية على الاعتبارات السياسية بحجة مقاومة الصهيونية والاستعمار وقوى الرجعية أدى أيضاً إلى استلاب حرية الإنسان العربي. وأما على صعيد التوجه الديني الرسمي لبعض الأنظمة العربية فقد كان إضفاء الطابع الديني شكلياً وتركز على الجوانب الشخصية والأخلاقية فيها، في حين أنه في المسارات الأخرى وخاصة الاقتصادية والسياسية فقد سارت على النهج الغربي، وان غلفته في بعض الأحيان بغلاف إسلامي شفاف. إن التشرذم في التوجيهات القومية والصراع المفتعل ما بين العروبة والإسلام. أدى إلى انتعاش النعرات القطرية والفئوية في المنطقة العربية وعمل على استنزاف القدرات الوطنية والقومية وأعاق إلى حد كبير تشكيل قوة قومية مؤثرة، توجد قاعدة علمية تقول أن الطبيعة لا تقبل الفراغ وان الفراغ في الفكر وكما هو الحال في الطبيعة لابد من تعبئته، لأن الآلية الفكرية تعد الإدارة التي يتم بموجبها تفعيل وتوجيه طاقات الجماهير العربية نحو الهدف المنشود. وعلى ذلك فان إيجاد آلية فكرية تتسم بالاعتدال والعقلانية تكون محوراً لاستقطاب الجماهير حولها تعد أمراً ملحاً. لقد أثبتت التجارب السابقة على ضرورة توفر ركنين أساسيين يمثلان الأساس والمرجعية للفكر العربي المستنير وهما العروبة والإسلام، أو ما يمكن أن يسمى بالاندماج ما بين المادة والروح، وأن أية محاولة للفصل بينهما من أي طرف على أرض الواقع سيكون مصيرها الفشل. فالإسلام بالنسبة للعربي المسلم هو رسالة وتراث وتاريخ مجيد وبالنسبة للعربي غير المسلم هو تراث وتاريخ مجيد، لذلك فإن الاعتقاد بإمكانية تجاوز البعد الإسلامي هو إنكار للواقع وقفز فوق حقائقه الموضوعية وإنكار لوجود الروح والضمير والتاريخ والتراث لهذه الأمة. كما أن الاعتقاد بإمكانية تجاوز البعد القومي العربي هو محاولة لتبسيط الأمور وإنكار لوجود الأساس المادي الذي يمثل الآلية والوعاء والدور الريادي، وعلى هذا فلدي طرح الآلية الفكرية المعاصرة لتحقيق المشروع النهضوي العربي، فينبغي دوماً تحقيق الانسجام ما بين المبادئ السامية والأساسية للإسلام المستنير والحرص على إفساح المجال لتيار التحديث للاستفادة من التجربة الحضارية الإنسانية بما يوفر مستقبل أفضل للأحيان العربية. وهذا بحد ذاته ليس حلاً توفيقياً بين الأصالة والمعاصرة كما قد يعتقد البعض، وانما هو ترجمة وفهم عميق للحقائق الموضوعية التي تفرض نفسها على أرض الواقع في المنطقة العربية، والتي لا يمكن أن تنجح تجربة النهضة والوحدة العربية وبناء القوة القومية العربية الفاعلة بدونها.

5.                               عوامل التهديد الخارجية والداخلية للقوة الوطنية والقومية.

أ- عام.

ان الحقيقة الهامة والتي ينبغي أن تبقى مترسخة لدى صانعي القرار والمفكرين الاستراتيجيين العرب، أنه لا يمكن بناء قوة عربية على الصعيد القطري أو القومي ما لم تحليلاً علمياً شاملاً لمعرفة عوامل القوة والوهن الكامنة في بيئة المجتمعات العربية، وكذلك تحديد مصادر الخطر الخارجية التي تهدد الأمة العربية حاضراً ومستقبلاً للتوصل على بلورة رؤيا إستراتيجية واضحة لمكامن الداء ومصادر الخطر والتهديد. ان التشخيص الصحيح لهذه العلل والأخطار يعد الخطوة الأولى ولوصف الدواء الناجح ووضع الإجراءات العملية والسليمة لمقاومة التهديد مهما كان مصدره، لأن الفشل في التشخيص أو التعامي عن رؤية الخطر أو إدراكه والتناقض والاختلاف في الرؤية الإستراتيجية لمصادر التهديد سيؤدي إلى استفحال الداء وتعقد إمكانية مواجهته، وسيترك جسم الأمة معرضاً لهجوم الأعداء، كما يفتح الباب على مصراعيه للاختراقات الأمنية التي قد تتحول إلى أمراض مزمنة في المنطقة العربية، مما سينتج عنه إلحاق أفدح الأضرار بالمصالح القطرية والقومية سواء بسواء.

ب- التهديد الخارجي واستهدافاته.

ان القوى المعادية للأمة العربية تبذل كافة الجهود ودون انقطاع لتحليل البيئة العربية دولاً ومجتمعات وأنظمة لتحديد الثغرات ونقاط الوهن التي يمكن أن تمثل مدخلاً لاختراق منظومة الأمن القطري والقومي العربي، وذلك لمنع تشكيل قوة قومية مؤثرة وكذلك الهيمنة على القوى القطرية المتناحرة، وفي سبيل تحقيق ذلك فانها تستهدف وتركز باستمرار على عناصر القوة الوطنية والقومية التالية:

1)               البعد الجغرافي: لقد كانت الساحة الجغرافية العربية وعلى مر العصور محط أنظار كافة القوى الإقليمية والدولية الطامعة نظراً لأهمية الوطن العربي الجغرافية ووقوعه في مركز متوسط بين قارات أسيا وأوربا وأفريقيا. وأما في هذا القرن فقد ازدادت الهجمة الاستعمارية المستهدفة الوطن العري، وكان ذروة هذه الهجمة العدوانية إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين والتي تمثل مركز القلب للوطن العربي وذلك لفصل مغرب الوطن العربي عن مشرقه، كما يردف هذه التوجه أيضاَ ظهور بعض الحركات الانفصالية التي تغذيها قوى إقليمية ودولية، وعلى ذلك فان القوى الإقليمية والدولية الطامعة في المنطقة العربية والحركة الصهيونية ممثلة بإسرائيل وأنصارها وكذلك الحركات الانفصالية تعد مصادر التهديد الرئيسية للأمن الجغرافي العربي.

2)               البعد الاقتصادي: ويأتي في مقدمة الموارد الاقتصادية المستهدفة في المنطقة العربية الثروة النفطية والعائدات المالية الضخمة المترتبة عنها، والتي أصبحت قطب جذب لكافة القوى الإقليمية والدولية الطامعة فيها، كما يتدرج أيضاً تحت هذا العامل تكريس التبعية الاقتصادية للأقطار العربية بحيث تصبح جزءاً من آلية الاقتصاد الغربي وسوقاً استهلاكية لإنتاجه. وكذلك الحيلولة دون بناء قاعدة إنتاجية عربية تساعد الأمة العربية على تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلالية.

3)               البعد المائي والغذائي: لقد أصبح الأمن المائي والغذائي أمراً حيوياً لكافة الدول، نظراً لندرة الموارد المائية في الوطن العربي واعتماده في معظم موارده الغذائية على الاستيراد الخارجي. وتأتي أهمية الأمن المائي العربي أيضاً من حقيقة أن منابع معظم الأنهار العربية تقع خارج الوطن العربي وفي دول ليست على علاقات جيدة أو مستقرة مع الأمة العربية ولديها توجهات إستراتجية لاستخدام المياه كورقة سياسية ضاغطة على الدول العربية ان عدم الاكتفاء الذاتي من الماء والغذاء وهما مادتان إستراتيجيتان يجعل الدولة العربية، مهددة باستمرار في قوت شعوبها.

4)               البعد الاجتماعي: لقد أصبحت الوحدة الوطنية والقومية احد الجوانب المستهدفة من قوى الأعداء التي تحاول أن تنفذ إلى جسم المجتمعات العربية لزعزعة استقرارها، ومن الجدير بالذكر أنه مما يسهل على قوى الأعداء اختراق الأمن الاجتماعي هو وجود قوى داخلية في المجتمعات العربية تعمل على إثارة النعرات العرقية أو القبلية أو الطائفية وتوظيفها خدمة لأغراضها أو أغراض الأعداء.

5)               البعد الفكري : ان عدم وجود هوية فكرية واضحة متفق عليها عربياً بحيث تستند على البعدين العربي والإسلامي وتتمكن ممن إزالة التناقض الموهوم الذي رسخته عن قصد أو غير قصد قوي داخلية وخارجية، والتي كانت تركز باستمرار على الإصرار على الفوز الحدي الصارخ ما بين العروبة والإسلام، مما جعل الجماهير العربية حائرة بين هذه التيارات المتناقضة لدرجة التناحر وتركها بدون هوية فكرية مميزة تحميها من الغزو الفكري والثقافي والإعلامي الموجه نحو فكر الإنسان العربية يشقيه القومي والإسلامي من أجل استلابه واستعماره بأطر فكرية وثقافية غربية عن المجتمع العربي المسلم.

6)               البعد السياسي: تهدف قوى الأعداء دوماً إلى الهيمنة على القرار السياسي العربي المستقل واستلاب الإرادة السياسية العربية لإدراكها أن القرار السياسي العربي المستقل بعد منطقاً لبناء إستراتيجية سياسية واقتصادية وعسكرة موحدة لخدمة المصلحة العليا للأمة العربية.

7)               البعد الوحدوي: إن الثروة الحقيقية للأمة العربية تكمن في وحدتها، لذلك فإنه يأتي في مقدمة أولويات الأعداء إحباط أية تكتلات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية عربية، ومنع قيام أي شكل من أشكال الوحدة العربية. ويأتي في مقدمة القوى التي تقف أمام التيار الوحدوي العربي كافة القوى المحلية والإقليمية والدولية المستفيدة من حالة التجزئة الراهنة، وفي مقدمة هذه القوى إسرائيل والقوى القطرية التي طورت بنى اقتصادية وسياسية محلية ذات صبغة نفعية ومتناقضة مع التوجه الوحدوي العربي.

ج عوامل التهديد المستهدفة للجبهة الداخلية:

ان الأخطار والتهديدات المستهدفة لتماسك الجبهة الداخلية للمجتمعات العربية لا تقل أهمية عن مصادر التهديد الخارجية، والتي يمكن اجمالها بعدد من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي إذا توفرت ولم يتم معالجتها بأسلوب سليم فإنها تمثل عناصر ضعف في جسم الوطن أو الأمة ومنها:

1)                  سوء توزيع القدرة السياسية أو احتكارها: ويظهر ذلك من خلال انتشار الاستبداد والدكتاتورية وما ينتج عنها من مصادر للحريات وامتهان لحقوق الإنسان وتغييب لدور الشعب في اتخاذ القرارات.

ان الاستبداد والفردية وتركز الحكم في يد نخبة قليلة حاكمة يؤدي إلى سوء في توزيع الامتيازات والمكاسب والمناصب، والتي تؤدي بدورها إلى استشراء الفساد المالي والإداري والأخلاقي بسبب اختفاء عنصر الرقابة والمساءلة، لذلك فان سيادة الديمقراطية بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية تعد عنصراً حيوياً في تحصين المنظومة السياسية للدولة.

2)                  سوء توزيع الثروة ومكاسب التنمية: ان سوء توزيع القدرة السياسية له علاقة مباشرة بسوء توزيع الثروة، فمن المعروف ان من يستحوذ على القدرة السياسية سيكون له سلطة كبيرة على المال والاقتصاد وكيفية توزيعه على الأقاليم والتجمعات السكانية. ان التوزيع العادل للثروة والدخل والمراكز وتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص ووضع نظام فعال للأهلية والجدارة سيؤدي إلى تحقيق الأمن الاقتصادي للمجتمع وبالتالي تعزيز عوامل الاستقرار الداخلي.

3)                  عدم التوازن الاجتماعي: ان الفرز الطبقي الحاد يؤدي إلى ظهور حالة من الصراع الطبقي الخفي أو العلني بسبب التفاوت الكبير في الدخول وتدني مستوى المعيشة وانعدام روح التكافل الاجتماعي ما بين الأغنياء والفقراء، ان انهيار الطبقة الوسطى والتي تمثل عنصر التوازن الاجتماعي يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي، لذلك فان الحفاظ على هذه التوازن تعد المهمة الأساسية لأي نظام سياسي ناجح، ويمكن الحفاظ على هذا التوازن من خلال رعاية الطبقة الوسطى وفتح الطرق للموهوبين فيها لق طريقهم وتطوير أنفسهم، وكذلك التركيز على جيوب الفقر والحرمان ومعالجتها وتوفير حياة كريمة لها.

4)                  انتشار النعرات الإقليمية والقبلية والفئوية والمصلحة: ان انتشار هذه النزعات تعد من الأمراض التي تفتك بالمجتمع وتعيق تطوره، وذلك لأنها تعمل على تحويل الولاء العام للوطن والأمة إلى الولاء لمنطقة أو عشيرة أو فئة معينة، أن انتشار هذه النزعات وتمكنها من الوصول لمقاليد السياسة والاقتصاد وتوظيفها لمصلحة الجماعة على حساب مصلحة الوطن، يؤدي إلى توفير أرض خصبة لعدم الاستقرار، لذلك فان السمو فوق هذه النعرات الضيقة وتنمية شعور الولاء والانتماء للوطن والأمة يؤدي إلى غلق ثغرات خطيرة يمكن أن ينفذ منها الأعداء الجسد الوطن والأمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

عوامل القوة الوطنية والأمن القومي

1.    مفهوم القوة الوطنية:

أ – المقدمة.

ب- عناصر القوة الوطنية.

1)                             الرقعة الجغرافية.

2)                             السكان.

3)                             الموارد الطبيعية.

4)                             الإنتاجية.

5)                             المركز الاقتصادي.

6)                             البناء الاجتماعي.

7)                             البناء السياسي.

8)                             القدرة العسكرية.

2.    نظرية لتوازن القوة الوطنية ق م = (ك ح + ق أ + ق ع )  × (هـ + أ ) :

أ – المقدمة.

ب- الكتلة الحرجة ( السكان والرقعة الجغرافية) (  ك ح).

ج- القدرة العسكرية (ق ع).

د- الهدف الإستراتيجي والإدارة الوطنية (هـ +أ ).

و – كشف بالقوة المقدرة لعدد من الدول وقبل انهيار الاتحاد السوفيتي.

 

 

 

 

 

 

 

عوامل القوة الوطنية والأمن القومي

1.                مفهوم القوة الوطنية:

أ - المقدمة.

لقد ارتبط الأمن القومي سابقاً ولدرجة كبيرة بمفهوم القوة العسكرية المادية للدولة، لذلك  فقد كان ينصب التحليل لدى دراسة القوة الوطنية لأية أمة على الميزان العسكري المجرد. ولكن هذا المفهوم بدأ يتغير تبعاً لأهمية عوامل أخرى برزت في هذا القرن، وهذه العوامل تتعلق بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسكانية والقدرة التنظيمية للدولة، فلم تعد القوة الوطنية عامل مقارنة بسيط بين تعداد وقدرات جيشين أو مقارنة مجردة لعدد سكان أمتين. لقد أثبتت الخبرات السابقة والدراسات المقارنة للتاريخ ظهور أمم توفرت فيها عناصر القوة الوطنية على الرغم من صغر حجمها وقلة عدد سكانها مقارنة مع الدول الأخرى، فعلى سبيل المثال فان عدد سكان شبه القارة الهندية يفوق بأكثر من الضعف عدد سكان دول غرب أوروبا، في حين أن هذه الدول تتمتع بمركز قوة مؤثرة على الصعيد الدولي أكبر بكثير مما حازت عليه دول شبه القارة الهندية.

كذلك لدى دراسة عناصر القوة الوطنية للدولة فيجب التفريق أيضاً بين عاملين مهمين وهما القدرة الفعالة الراهنة للدولة والقدرة الكامنة لها، فيمكن أن يكون للدولة قدرة فعالة راهنة ولكنها لا تمتلك القوة الكامنة لصراع طويل الأمد. وهذا ينطبق بدرجة كبيرة على الموقف ما بين العرب والدولة الصهيونية، حيث أن إسرائيل تمتلك قدرة فعالة كبيرة وقدرة كامنة محددة، في حين أن الأمة العربية تمتلك قدرة كامنة كبيرة جداً ولا يتطلب الموقف لتحويل هذه القوة الكامنة إلى قوة فعالة سوى توفر الإدارة السياسية والتصميم لدى القادة العرب على تحقيق الوحدة العربية المنشودة.

ان الهدف الأساسي لأية سياسة خارجية لأية دولة هو المحافظة على سيادتها واستقلالها ولتحقيق هذا الهدف فإنه يجب على الدولة أن تعمل باستمرار على تحسين مركز قوتها. وقبل الدخول في تعريف عناصر القوة الوطنية فيجدر بنا أن نعرف ما هو المقصود بتعبير الدولة والقطر والأمة، فهذه المصطلحات استخدمت بشكل أو بآخر لتعني نفس المفهوم، مع أن كل واحد منها له معنى محدد، فالدولة لها مقومات عامة مثل السكان والإقليم الجغرافي والاقتصاد والثقافة، فالدولة يجب أن يكون لها رقعة جغرافية بغض النظر إذا ما كانت حدودها مثار نزاع أو إذا كانت هناك حكومة تطالب بنفس الإقليم، أما القطر فهو مصطلح يدل على الدولة من حيث مظهرها الجغرافي، فالمستعمرة تعد قطراً علماً أنها لا تمتلك المقومات الأخرى للدولة، والدولة يجب أن يكون لها حكومة أو سلطة شرعية فعالة لممارسة القيادة والإدارة في القطر، وأما المقوم الأخير للدولة فهو الثقافة الواحدة والتي تشمل القيم المشتركة والعادات والأعراف والتقاليد التي تربط الشعب ببعضه بعضاً وتعطيه هوية مميزة وتوجهه نحو أهداف مشتركة.

أما الأمة، فهو مصطلح لا يشير على الحكومة ولكن أيضاً إلى الشعب، وعلى ذلك فان الأمة تتميز عن القطر أو الدولة في أن أفراد شعبها ليس فقط يشتركون في القيم والثقافة المشتركة والمصالح الاقتصادية، ولكنهم أيضاً مدركون لوحدتهم كأمة، فعلى سبيل المثال فلقد كانت بولندا خلال القرن التاسع عشر تمثل أمة واحدة على الرغم من أنها على الصعيد العملي كانت مقسمة ما بين بروسيا والنمسا وروسيا ولم يكن هناك دولة بولندية، وهذا ينطبق أيضاً على الأمة العربية والتي هي مقسمة إلى دول عديدة ولا يوجد دول عربية واحدة ولكن العرب يشكلون أمة واحدة، في حين أن الاتحاد السوفيتي سابقاً كان يمثل دول واحدة ولكنه لم يكون أمة واحدة في أي وقت من الأوقات.

ب -  عناصر القوة الوطنية والقومية.

1)                 الرقعة الجغرافية:

الرقعة الجغرافية عوامل مثل طبيعة الأرض والحجم والموقع بالنسبة للدول الأخرى، فبالنسبة لطبيعة الأرض فقد أثر امتلاك الصواريخ على أهمية الأرض وإمكانية استخدامها كعائق، فلم تعد البحار أو الجبار أو الصحارى عوائق يمكن الاعتماد عليها إذا أخذنا هذا العامل في الاعتبار، أما في ظروف الحرب التقليدية فان المواقع والحركة السطحية ستبقى على درجة من الأهمية، فالأمة التي تستطيع ان توازن بشكل فعال ما بين طبيعة الأرض ونظامها الدفاعي فسيكون لها ميزة جيدة في الحفاظ على سيادتها الإقليمية. وأما بالنسبة للحجم فان حجم القطر قد يكون سيئة أو حسنة للأمن الوطني، فالمساحة الواسعة المترامية قد تعد عبئاً عندما تكون المواصلات والقوة الداخلية غير قادرة على السيطرة بفعالية على هذه المناطق، كذلك فان الحجم يقدم إمكانية أن تكشف التقنيات الحديثة والتقدم العلمي مواقع جديدة للموارد الطبيعية، أما الموقع بالنسبة للدول الأخرى فبعد على جانب كبير من الأهمية، فوجود حدود مشتركة للدول مع دول أخرى ذات نوايا عدوانية له تأثير كبير على هدف الأمة، فالموارد التي يمكن أن تستخدم للتنمية والتقدم الاجتماعي ستوظف لدعم الأمن الوطني، كذلك فان ضيق الرقعة الجغرافية يخلق جواً من عدم الاستقرار النفسي لأن التهديد المعادي يبقى ظاهراً للعيان.

2)                 السكان:

لدى مناقشة موضوع السكان فينبغي التطرق للعناصر الأساسية المتعلقة بالسكان وهي العدد والنمو، والقوى البشرية، يعد العدد أمراً مهماً في تقدير القوة الوطنية. فعلى مدار التاريخ لم تحقق أية أمة وضعية مميزة كدولة عظمى بدون عدد معقول من السكان. وعلى أية حالة، فأن عدد السكان الكبير المتدني الكفاءة في استثمار عوامل الإنتاج والمتعدد الثقافات يواجه مصاعب كبيرة في تحقيق مركز قوة مرموق، وأما النمو، فيعزى في كثير من الحالات إلى تدني نسبة الوفيات وتزايد في نسبة المواليد، فالأمة التي توازن ما بين النمو السكاني ومستوى الإنتاج القومي يمكن أن تحافظ على مستوى معيشي جيد. يجب على الأمة إذا أرادت أن تحقق تقدماً حقيقاً أن تطور نهضة صناعية متقدمة. وأما القوة البشرية فهي ذلك القسم من السكان المتوفر لأغراض دعم السياسات الوطنية، فالأمة التي تفقد التوازن ما بين عدد الذكور والإناث أو بين عدد كبار السن والشباب، سيكون لها قاعدة بشرية غير ملائمة لأغراض توظيفها في مجالات الإنتاج المختلفة أو القوة العسكرية.

3)                 الموارد الطبيعية:

يمكن مناقشة هذا الموضوع من وجهة نظر التوزيع والنضوب والاكتفاء الذاتي. فالتوزيع يشمل مدى وفرة المعادن الإستراتيجية في الدول. فحتى تتمكن الدول من تطوير نفسها صناعياً ودعم قوتها الوطنية، فيجب أن تمتلك أو يكون لها حرية الوصول إلى المعادن الإستراتيجية الرئيسة، مثل البترول والحديد والفحم، ان السعي من أجل الحصول أو الوصول لهذه المعادن سيؤدي إلى الكثير من الحروب والصراعات الدولية، وخاصة أن المعادن الحيوية المكتشفة حديثاً مثل اليورانيوم والتيتانيوم. والجرمانيوم ليست موزعة بطريقة متساوية في العالم، لذلك فان كيفية تذليل الأمة لمعضلة التوزيع هذه ، سوف يكون لها تأثير كبير على نفوذها. أما النضوب، فهو المحصلة الطبيعية للطلب المتزايد على الموارد الطبيعية والذي يجعل في نضوبها.

ان النقص المستمر في المواد الخام وندرتها قد يجعل منها أهدافاً رئيسة في العلاقات الدولية. وأما الاكتفاء الذاتي، فأنه يشير إلى قدرة الأمة على إدامة معايير الاستهلاك بدون الحاجة إلى اللجوء إلى المصادر الخارجية للتزويد. وهذه الحالة المجردة هي أقرب إلى المثالية ولا يمكن تحقيقها على أرض الواقع، فلا يوجد أمة يمكن أن تكون مكتفية ذاتياً بشكل كامل. ان كيفية تصرف الدولة في حالة انقطاع الموارد الخارجية للتزويد سيكون المعيار لدرجة اكتفائها الذاتي.

4)                 الإنتاجية.

ويشمل ذلك الإنتاج الزراعي والصناعي والتقني، فالإنتاج الزراعي يتضمن استخدام الجهد البشري من أجل تحويل المواد الخام إلى المنتج النهائي، ويتم تحديد مستوى الإنتاج الزراعي بواسطة قدرة الموارد الطبيعية والمصنعة وحجم القوة البشرية المتوفرة، وأما الإنتاجية الصناعية فهي تسير في خط مواز للإنتاج الزراعي، فكلاهما يحتاج للموارد الطبيعية والقوة البشرية لادامته وتحسين نوعيته، ويتطلب الإنتاج الصناعي وجود قاعدة بشرية على درجة عالية من المهارة والتعليم وتوفر وسائل المواصلات والاتصالات لنقل وتوزيع السلع المصنعة بسرعة وكفاءة للاستخدام المحلي والتصدير، وكذلك توفر تقنية متقدمة للتحسين المستمر للإنتاج كماً ونوعاً. أما الإنتاجية التقنية، فانها تساعد في خلق قدرة كبيرة للأمة الصناعية في تراكم رأس المال والقدرة على استثماره في الخراج، وهناك نوعان من التقنية يمكن أن تؤثر على قوة الأمة، وهي التقنية العسكرية والتي يمكن ان تغير المفاهيم والأساليب والإستراتيجيات العسكرية ، والتقنية الصناعية المدنية والتي تساعد على اكتشاف وسائل توفر للإنتاج إمكانيات أفضل وأسرع في التوزيع والتصدير والمنافسة، وتعد التقنية عنصراً مهماً في تقدير درجة أهمية الأمة على الصعيد المحلي والدولي.

5)                 المركز الاقتصادي.

تتحد القدرة العامة للأمة في إحراز وضع اقتصادي جيد في مدى قدرتها على تقليل المنتجات عديمة الجدوى والاستهلاك الزائد عن الحاجة، والاستفادة القصوى من طاقات المصانع والآلات والمعدات والقوى البشرية لمضاعفة الإنتاج ورفع الكفاءة والفعالية للإدارة والتنظيم للأفراد والمعدات.

6)                 البناء الاجتماعي:

تتحدد قوة البناء الاجتماعي للأمة من خلال درجة تماسك الجماعات والقوى والفعاليات المختلفة فيها ومدى تجانسها وتجليها بالقيم المشتركة. ان وجود النظام الطبقي الواضح في المجتمع قد يخلق تنوعاً في القيم، كما ان تعذر حصول طبقات معينة على التعليم العالي يحدد عدد الأفراد الذين قد يحصلون على فرصة لتطوير أنفسهم وبذلك قد تضيع مواهب كثيرة لا تكتشف أو لا تتاح لها الفرصة للظهور. ان القيم المشتركة أيضاً لها علاقة بمستوى التعليم في المجتمع، فالأمة التي تحكم من قبل نخبة صغيرة، قد تجد بعد فترة أن قيم هذه النخبة مختلفة كلية عن قيم عامة المجتمع.

7)                 البناء السياسي:

ويشتمل البناء السياسي فكر وعقيدة للدولة والشعور الوطني والقومي. ويمكن تعريف الفكر بأنه مجموعة من المبادئ والمعتقدات المتعلقة بقيم معينة. ويعد الفكر عنصراً مهماً جداً في قوة الأمة. فإذا ما توفر الفكر ولاقى ذلك الفكر قبولاً واسعاً في المجتمع، فإن قادة هذا المجتمع سيكون لديهم إمكانية كبيرة في توجيه وحشد طاقات الشعب تجاه الأهداف المرجوة.

أما الشعور الوطني أو القومي فهو يمثل الانتماء الراسخ للوطن وشعور وإدراك الأفراد لوحدتهم، وكذلك تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة والإيمان الذي لا يتزعزع في القيم الثقافية والدينية والسياسية والتاريخية للأمة.

8)                 القدرة العسكرية:

تعد القوة العسكرية عاملاً رئيسياً في تقدير القوة الفعالة للأمة وهناك عوامل عديدة تحد القوة العسكرية، وهي حجم المؤسسة العسكرية ومدى توفر الأسلحة والمعدات الحديثة وقدراتها. وكذلك كيفية توضيع القوة البشرية، والعقيدة التي تملى الأسلوب الذي سيتم بموجبه استخدام القوات المسلحة لتحقيق الأهداف الوطنية.

يوجد هناك مظهرين للقدرة العسكرية وهما القوة العسكرية الفعالة والقدرة العسكرية الكامنة، فالقدرة الكامنة تشمل كافة الموارد البشرية والمادية التي تستطيع الدولة تعبئتها لأغراض المجود العسكري. ويمكن تقدير القوة الفعالة بأنها مقدار الموارد التي تستطيع الدولة تحويلها فوراً إلى قوة عسكرية. كذلك فانه يوجد ارتباط ما بين المفاجأة وإمكانيات الدولة في حشد قوة عسكرية فعالة وبسرعة، حيث تستطيع أمة صغيرة نسبياً تمتلك قدرة عسكرية فعالة أن تحقق المفاجأة وتهزم أمة تمتلك قدرة عسكرية كامنة كبيرة ولكنها لا تمتلك قدرة عسكرية فعالة راهنة، ومن المعروف ان عامل الوقت دائماً يعمل لمصلحة الأمة التي تمتلك قوة كامنة كبيرة، إذا ما استطاعت امتصاص الضربة الأولى. 

2.                نظرية لتوزين القوة الوطنية:

أ – المقدمة:

إن العوامل الاقتصادية والجغرافية والبشرية والسياسية والاجتماعية والإنتاجية والعسكرية تشكل في مجموعها الأساس لتوزين القوة الوطنية لأية أمة، يوجد لبعض عناصر القوة الوطنية أبعاداً ملموسة يمكن توزينها وقياسها، في حين أن بعضها الآخر يصعب قياسه كوحدة منفصلة، لكن تظهر نتائجه في عوامل أخرى. فالتقدم العلمي تظهر نتائجه في المحصلة النهائية لقياس نوعية القوى البشرية والقدرة العسكرية والاقتصادية للدولة، وينطبق ذلك أيضاً على البناء السياسي والاجتماعي والذي يظهر أثرهما لدى قياس الهدف الإستراتيجي والإدارة الوطنية.

ان أية إستراتيجية سليمة تتطلب تقييماً موضوعياً ودقيقاً لعناصر القوة الوطنية محلياً وإقليمياً ودولياً. وهذه عادة ما تشمل القدرة النووية كقوة رادعة إذا توفرت للدولة، وكذل عناصر القوة الأخرى والتي لها أثر حاسم في هذا التقدير. ان القدرة الاقتصادية وتوفر الموارد الحيوية والتماسك والترابط المنطقي في تكوين الهدف الإستراتيجي ودرجة الإجماع عليه، والذي يعبر عنه بالإدارة الوطنية سوف تؤثر بشكل ملموس على الأسلوب الذي يمكن أن تستخدم فيه القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية.

إن المحصلة العامة للقوة الوطنية تتألف من كافة نقاط الضعف والقوة للإستراتيجية العسكرية والاقتصادية والسياسية والتي يمكن في النهاية ترجمتها وبشكل مباشر بواسطة القدرة العسكرية وموقع الدولة وطبيعة الحدود والسكان والموارد والاقتصاد والتقدم التقني والتماسك الاجتماعي ودرجة استقرار البناء السياسي وتطور عملية صنع القرار الإستراتيجي والروح الوطنية. ولتسهيل مهمة وصف عناصر القوة الوطنية في تركيبها المختلفة فقد استنبطت معادلة لتوزين وتقدير بعض هذه العوامل وبشكل حسابي ملموس. ان هذه المعادلة لا تعد وسيلة سحرية، ولكنها تقدم نظرية مختصرة ودليلاً مفيداً للوصول إلى تقدير معقول لهذه القوة بدل الاعتماد على الآراء والأحكام الشخصية التي تتفاوت تبعاً للفروق الفردية بين الأشخاص وقدراتهم على الحكم السليم والتقدير الذكي وخبراتهم وتجاربهم السابقة وفيما يلي هذه المعادلة:

ق م = (  ك ح + ق أ + ق ع ) × (هـ +أ )

حيث الرموز تعني ما يلي :

ق م = القدرة المقدرة.

ك ح = الكتلة الحرجة ( السكان + الرقعة الجغرافية).

ق أ= القدرة الاقتصادية.

هـ = الهدف الإستراتيجي.

أ = الإرادة السياسية. 

ب- الكتلة الحرجة (ك ح):

ان العامل الأولى في هذه المعادلة هو الكتلة الحرجة وهو الوزن الذي يعطي للسكان والرفعة الجغرافية للدولة.

أ) السكان:

يشمل عنصر السكان لدى توزين الكتلة الحرجة على العدد الكلي للسكان بما في ذلك العدد الذي يمكن توظيفه لدعم الاقتصاد والإنتاج والمجهود الحربي، وكذلك نوعية القوى البشرية ومدى التقدم العلمي والتقني للدولة. لأن السكان في نهاية الأمر سيقع عليهم مسؤولية استغلال الموارد الاقتصادية ودعم خطط التنمية وتطوير البناء السياسي والاجتماعي، والذي يشكل في مجموعة ثقافة الأمة . ان معنوية ونوعية وكفاءة الإنسان ذات أهمية تفوق الموارد المادية، أن حجم السكان يعد عاملاً رئيسياً في تقدير فيما إذا كانت دولة ما تكون كتلة حرجة في مفهوم القوة الوطنية أم لا.

ب- الرقعة الجغرافية:

 تعد الرقعة الجغرافية عنصراً مهماً في توزين الكتلة الحرجة، فتوزيع الأرض بين الأمم غير متساوٍ شأنه شأن التوزيع السكاني، كما أن أهمية الموقع الجغرافي تتفاوت تبعاً لموقع الدولة بالنسبة للدول الأخرى، وبشكل عام فان مساحة الكرة الأرضية يبلغ (197.5) مليون ميل مربع منها (140) مليون ميل مربع مغطى بالمياه وحوالي 5.5 مليون ميل مربع في القطبين الشمالي والجنوبي بهذا يتبقى ما مجموعه (52) مليون ميل مربع قابل للاستيطان البشري. وتشمل الرقعة الجغرافية عادة الموقع بالنسبة للدول الأخرى والمساحة والحدود ووجود ممرات مائية دولية فيها، أو وجود منافذ لها على بحر أو أكثر ومدى وفرة الموارد الإستراتيجية فيها كالبترول والحديد واليورانيوم وطبيعة المناخ ودرجة قابلية الأرض للإنتاج الزراعي والحيواني.

ج- القدرة الاقتصادية (ق أ ):

أثناء صياغة المعادلة لتوزين القوة الوطنية فإنه من الواضح أن الحسابات المعتمدة على السكان والرقعة الجغرافية لن تكون كافية وعلى ذلك يجب إضافة القدرة الاقتصادية للدولة. لتطوير المعادلة لتعكس أثر القدرة الاقتصادية وتصبح كما يلي:

 ق م = (ك ح + ق أ- ......)

يعد تاريخ وتراث وثقافة الأمة وإنجازاتها السابقة والمتوقعة والثروة الروحية والمادية لها عاملاً أساسياً في توزين القدرة الاقتصادية. فالاقتصاد هو الأساس الذي بموجبه يتم تلبية حاجات الشعب من السلع والخدمات وترتكز عليها أيضاً قدرات الدولة العسكرية وإمكاناتها في صناعة الأسلحة وتزويد البشرية المؤهلة وتقديم الدعم الإداري والفني الذي تحتاجه الجيوش الحديثة.

ان مهمة قياس القدرة الاقتصادية ليست بالأمر السهل، لأن القدرة الاقتصادية متعددة الأبعاد والجوانب، فالناتج الاقتصادي والثروة الملازمين لتوفر الموارد وفعالية النشاطات الاقتصادية يعد مهماً في فترات الصراع أو التهديد بالحرب، لأنها تمثل قدرة فورية، وعلى المدى البعيد فان القدرة الاقتصادية الكامنة والتي تعتبر ملازمة لقدرات الاحتياط وتعبئة المجهود الحربي تعد على جانب كبير من الأهمية لضرورتها لدعم القدرة العسكرية في حالة صراع طويل الأمد.

ان الطريقة الشاملة والمباشرة لتوزين القدرة الاقتصادية للدولة هي معرفة القيمة الكلية للسلع والخدمات التي تنتجها الدولة ويتم تسويقها في العام. وهذا ما يطلق على الناتج القومي العام. والذي في حالة ربطه مع المظاهر الاقتصادية الأخرى كالموارد الطبيعية والتقدم التقني والتجارة الدولية يعد مهماً في توزين القدرة الاقتصادية.

يعد الناتج القومي العام هام جداً في التوازين، إلا انه قد يخفي بعض الملامح الاقتصادية الخاصة والتي لها أثر مادي على توزين القوة الوطنية، لذلك فقد تم اختيار خمسة عناصر اقتصادية حيوية لاستخدامها لأغراض التوزين وهي الطاقة والقدرة الصناعية وإنتاج الغذاء والتجارة الدولية والمعادن الحيوية. ان توفر أو عدم توفر هذه العناصر يكسب أو يحرم الدولة وزناً في التقدير، وبذلك فإنها قد تعد نقطة قوة إيجابية أو نقطة ضعف سلبية لدى توزيع القدرة الاقتصادية.

1) الطاقة.

تعد الطاقة واحدة من العناصر الأساسية في تقدير القوة الاقتصادية وبشكل خاص في الدول الصناعية أو الدول التي تسيطر على موارد الطاقة. هناك علاقة وثيقة ما بين مستوى استهلاك الطاقة ومستوى الإنتاج القومي العام للدولة. فالاكتفاء الذاتي أو عدمه من الطاقة يمكن أن يؤثر على القدرة الاقتصادية والعسكرية الراهنة والمحتملة، فالدولة التي تستورد مقادير كبيرة من الطاقة لن يكون لها قاعدة اقتصادية راسخة مقارنة مع الدول الأخرى التي تنتج احتياجاتها من الطاقة، كذلك فإن الدول التي سيكون لها فائضاً من الطاقة القابلة للتصدير سيكون لها ميزة على الدول الأخرى، والعناصر الأساسية للطاقة هي البترول والفحم والغاز والطاقة النووية.

2)     القدرة الصناعية:

يوجد علاقة وثيقة ما بين القدرة الاقتصادية والقدرة الصناعية للدولة ، لأن القدرة الصناعية تمكن الدولة من تحويل المواد الأساسية اللازمة في الصناعات الثقيلة كصناعة الصلب والمواد اللازمة في البناء كالاسمنت، وكذلك الألمنيوم، وهذه المواد تعد مرتكزات مهمة لصناعة حديثة متطورة.

3)     الغذاء:

ان القدرة الزراعية والحيوانية الراهنة والمحتملة للدولة على جانب كبير من الأهمية في توزين القدرة الاقتصادية والأمن الغذائي، فالدول التي تستورد كميات كبيرة الغذاء ستنفق كميات كبيرة من احتياطي عملتها الصعبة لتلبية ذلك بدلاً من استخدام الغذاء من قبل الدول الأخرى كوسيلة ضغط سياسي على الدولة.

4)     التجارة الدولية.

يعد الميزان التجاري للصادرات معياراً أساسياً في قياس القدرة الاقتصادية للدولة، فالدولة التي يتراكم لديها فائض كبير في ميزانها التجاري ستسجل نقاط قوة لصالحها لدى توزين القدرة الاقتصادية، في حين ان العجز في هذا الميزان سيؤثر سلبياً على توزين هذه القدرات.

5)     المعادن الحيوية.

ان المعادن الحيوية ليست منتشرة بالدرجة الكافية لتلبية احتياجات التقنية الصناعية المتقدمة، لذلك فانها تعد حيوية لأهميتها في الصناعات وهذه المعادن قد تشمل الحديد والنحاس والبوكسايت (الألمنيوم) والكروم واليورانيوم، وما ينطبق على الطاقة ينطبق على هذه المعادن من حيث القدرة على التصدير فالقدرة التصديرية تعطي وزناً إضافياً للقدرة الاقتصادية بينما يعد الاستيراد نقطة ضعف سلبية فيها.

د‌-      القدرة العسكرية (ق ع):

لقد ذكرت للآن عاملين من عوامل توزين القدرة وهماً الكتلة الحرجة والقدرة الاقتصادية والآن سأستعرض العامل الثالث في هذه المعادلة وهو القدرة العسكرية، وعلى هذا ستصبح المعادلة كما يلي:

ق م = ( ك ح + ق أ + ق ع ) ....

تعد القدرة العسكرية في العادة الملاذ الأخير في النزاعات الدولية، وكما قال المنظر الاستراتيجي فون كلاوزفتر " ان الحرب ليست إلا استمراراً للسياسة ولكن بوسائل أخرى. وعادة لا تلجأ الدول للتهديد بالقوة إلا إذا استنفذت الوسائل السياسة والدبلوماسية أو إذا ما شعرت بأن مصالحها الحيوية تتعرض للخطر، وكلما اقتربت الدول من الخيار العسكري فأنه يصبح من الضروري لها ان تعبئ قدراتها العسكرية وترفع من جاهزيتها القتالية لمواجهة الموقف.

لدى توزين القدرة العسكرية فان التقدير ينصب على العوامل الرئيسية التي تتشكل منها القدرة العسكرية، وهي نوعية القوة البشرية والمعدات والمهارات والتدريب وكفاءة القيادات وتماسك إستراتيجية العمليات ومدى قابلية الحركة والمرونة وفعالية الأسلحة ومدى قدرة البنية التحتية على خدمة الإسناد الإداري للجهد العسكري. 

هـ - الهدف الإستراتيجي والإدارة السياسة الوطنية:

  ان القسم الاخير في هذه المعادلة هو الهدف الإستراتيجي والإدارة الوطنية، وحتى تتكامل المعادلة فيجب ان تعكس أثر الإستراتيجية الوطنية والإدارة فيها لتصبح كما يلي :

ق م = ( ك ح + ق أ + ق ع ) × ( هـ + أ )

وحتى يتم استخراج المحصلة العامة للقدرة فتجمع كافة الأوزان المقدرة لكل من الكتلة الحرجة والقدرة الاقتصادية والقدرة العسكرية ويضرب هذا المجموع بحاصل جمع الهدف الإستراتيجي مع الإدارة الوطنية. وعلى سبيل المثال لو قدرت الكتلة الحرجة للدولة ما بأنها تعادل (30) وحدة والقدرة الاقتصادية (20) وحدة والقوة العسكرية (30) وحدة ومعامل الارتباط للهدف الإستراتيجي هو (0.7) وتصميم الإرادة الوطنية (0.8) فتصبح المعادلة كما يلي:

 ق م = ( 30+20+30) × ( 0.7 + 0.8)

ق م = 80 × 1.5 = 120 وحدة ( القوة المقدرة للدولة) .

تشمل الإستراتيجية الوطنية أسلوب صنع القرار وتحديد الأهداف التي يتطلب تحقيقها لتعزيز وحماية المصالح الوطنية. أما الإرادة الوطنية فهي درجة العزم والتصميم التي يتحلى بها المواطنين لدعم قرارات الحكومة. ان الإرادة الوطنية هي الأساس الذي تبني عليه الإستراتيجية ودرجة التماسك والانضباط السياسي سينعكس أيضاً في التقييم لدى توزين الإستراتيجية الوطنية والإرادة.

ان معامل الارتباط الأعلى الذي حدد للهدف الإستراتيجي هو واحد (1)، حيث يتم التوزين للهدف بإعطائه وزناً من ( صفر إلى 1) كما ان نسبة (0.5) تعد المعدل المتوسط وهذا ينطبق أيضاً على الإرادة الوطنية والتي حددت أوزانها من ( صفر إلى واحد ) أيضاً.

يعتمد وزن معامل الارتباط الذي يوضع لهذين العاملين وإلى حد كبير على قدرات المحلل الشخصية المعتمدة على الخبرة الطويلة والبحث الواسع والدقيق في كافة الشؤون الاجتماعية والثقافة والاقتصادية للدول الأخرى.

وأخيراً يجب الإشارة ان الأوزان التي توضع عادة لكافة القدرات التي تشكل القدرة لدولة ما ليست ثابتة بل هي متغيرة باستمرار صعوداً وهبوطاً تبعاً للمتغيرات التي تحدث في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والسكانية، فلذلك على الباحث أن يعمل باستمرار على متابعة هذه المتغيرات عن كثب وتقصي مدى تأثيرها على القوة الوطنية صعوداً وهبوطاً.

والشكل (1) أدناه يبين القوة المقدرة لعدد من الدول وقبل انهيار الاتحاد السوفيتي.

 

 


القوة المقدرة لعدد من الدول وقبل انهيار الاتحاد السوفيتي

الدولة

الكتلة الحرجة ( ك ح)

القدرة الاقتصادية ( ق أ)

القدرة العسكرة ( ق ع)

 

الهدف الإستراتيجية والإدارة الوطنية

المجوع العام

السكان

الرقعة الجغرافية

المجموع

الناتج القومي العام -البترول – فحم- الغاز- طاقة نووية – حديد – نحاس- يواريوم – كروم – المنوم – اسمنت – الغذاء التجارة الدولية

العدد – النوعية- فعالية – الأسلحة – الإدارة – الكفاءة التنظيمية

الإستراتيجية

الإدارة

المجموع

العدد م

الوزن

م م 2

وزن

الولايات المتحدة

219

50

3.6

50

100

146

188

0.3

0.4

0.7

304

الاتحاد السوفيتي

262

50

8.5

50

100

85

197

0.7

0.5

1.2

458

اليابان

115

29

0.143

15

44

28

5

0.6

0.8

1.4

108

ألمانيا

77

19

0.596

15

34

40

18

0.7

0.8

1.5

133

بريطانيا

56

14

0.594

29

31

18

0.5

0.5

1

68

 

الصين الشيوعية

1014

25

3.7

50

75

22

41

0.4

0.2

0.6

83

مصر

40

10

0.386

15

25

-

-

0.6

0.6

1.2

46

المغربي

19

5

0.158

5

10

-

-

0.5

0.5

1

10

الجزائر

18

5

0.950

12

17

3

-

0.5

0.5

1

20

السودان

18

5

0967

12

18

-

-

0.4

0.3

0.7

13

سوريا

-

-

0.572

5

5

-

10

0.5

0.5

1

15

السعودية

-

-

0.900

12

12

18

-

0.6

0.7

1.3

39

ليبيا

-

-

0.679

10

10

5

-

0.6

0.6

1.2

18

الكويت

-

-

-

-

-

6

-

0.5

0.3

0.8

5

الإمارات العربية

-

-

-

-

-

4

-

0.3

0.2

0.5

2

إسرائيل

-

-

-

-

-

1

22

0.9

0.8

1.07

39

المصدر: World Power Trende And U.S foreign Policy the 1980,s


الفصل الثالث

 

المصادر

 

1.     Continents in Motion – Walter Sullivan- sammary in the new york magazine January 1975.

2.     Freedom at issue, Published by Freedom hause January February 1975 special issue No.44.

3.     National Basic intelligence Fact book Washington D.C Superintendent of Documents jan. 1979.

4.     Dr luttwak, Strategic Power. Military Capabilities and international studies. Georgetown university 1976.

5.     R.S Cline. World Power and U. S Foreign policy For the 1980,s.

الفصل الرابع

التفاوت الطبقي وعدم التوازن الاجتماعي

والاقتصادي وأثره على الاستقرار

1.   المقدمة.

2.   عدم المساواة وأثرها على الاستقرار.

3.   الحركية الاجتماعية والاستقرار السياسي.

4.   الحركية الاجتماعية وأثرها على الالتزام الحزبي.

5.   أبعاد الحركية الاجتماعية للأسفل.

6.   النظام الطبقي والتحصيل العلمي.

7.   الحركية الاجتماعية ونظام الجدارة.

8.   الإذعان والقبول (القدرية) وعلاقته بالتوقعات.

9.   النظام التعليمي وأثره على مستوى التوقعات.

10.       أثر العامل الديني والتطرف السياسي على الاستقرار (دراسة حالات).

11.       العلاقة ما بين الحرمان والإيمان بالحظ والمصادفة.

12.       الخلاصة.

 

التفاوت الطبقي وعدم التوازن الاجتماعي والاقتصادي وأثره على الاستقرار

1.                 المقدمة.

أ- ان التفاوت والتباين بين بني البشر في الإمكانات والتي يعبر عنها بالقدرات المادية والمعنوية هي صفة ملازمة للطبيعة البشرية، فالقاعدة الأساسية ان البشر ليسوا سواء، وانما كل فرد فريد في حد ذاته، كما أنه في جانب آخر توجد صفات وميزات كثيرة تربط بني البشر وتميزهم عن الكائنات الأخرى، ومنها التقويم. والقدرة على التفكير والتعبير باستخدام الرموز، والنزعة الاجتماعية، والرغبة في التملك والحاجة للتقدير وتحقيق الذات والبحث عن الأمن والأمان والنزعة للتدين.

ب – ان هذا التماثل والتباين في القدرات المادية والمعنوية أثر إلى حد كبير على الموارد والمكتسبات التي كانت تتحقق للأفراد او الجماعات تبعاً لهذه القدرات المتباينة، وعلى هذا فقط اختلفت كمية الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية والنفوذ التي يحصل عليها الفرد أو تتحقق للجماعات، وحيث ان هذه الامتيازات والمكتسبات تعطي الأفراد أو الجماعات ما تعارف عليه بمفهوم القدرة، والتي كان توافرها عاملاً أساسياً في رفع منزلة فرد ما أو جماعة أخرى فيه. لذلك فهناك ارتباط وثيق ما بين الامتيازات وما يترتب عليها من مكاسب مادية ومعنوية يستحوذ عليها الفرد أو الجماعة، وبين ما يؤتى من بسطه في القوة والقدرة. فالقدرة يمكن ان تعد من نتائج هذه الامتيازات، كما ان الامتيازات عادة ما تنمو وتزدهر مع نمو القدرة، وعلى هذا فان موضوعي القدرة والامتيازات هما وجهان لعملة واحدة وكل واحد منهما يؤثر على الآخر.

ج- ان القدرة هي قوة نسبية مرتبطة بالوضع الطبقي الاجتماعي والقدرة الاقتصادية، وليست مطلقة، كما انها متغيرة وليست ثابتة، فهي تتغير في العادة طبقاً لتغير العوامل المسببة لها في المجتمع، كما انها تختلف من مجتمع لآخر وحسب ظروف ذلك المجتمع وأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وخلفيته التاريخية وتقاليده ومعتقداته الدينية، كما أنها أيضاً تتغير في المجتمعات من حقبة لأخرى ومن مرحلة اجتماعية لأخرى، كذلك فان النظام الاجتماعي في معظم المجتمعات ليس نظاماً جامداً لا يتغير، لأن القواعد والأنظمة التي تحكم توزيع الثروة والامتيازات كانت تتغير مع تغير المجتمعات، ان هذا التغير أو التطور كان يؤدي إلى تداول القدرة وامتيازاتها بين الأفراد والجماعات، أن هذا التغير أو التطور كان يؤدي إلى تداول القدرة وامتيازاتها بين الأفراد والجماعات، وعلى هذا فان الحدودٍ ما بين الطبقات الاجتماعية والتي تبنى عليها الامتيازات والقدرة ليست حدوداً ثابتة ولكنها تتغير تبعاً للمتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية الداخلية منها والخارجية.

د- ان قواعد توزيع القدرة والامتيازات المترتبة عليها ستبقى متفاوتة بسبب التباين ما بين الأفراد والمنظمات في القدرات المادية والمعنوية، وبالتالي فان الأفراد أو الجماعات الذين يستحوذون على امتيازات أكبر سيكون لهم اليد الطولى في الهيمنة على الآخرين، وبالتالي حيازة القدرة والتي تمكنهم من وضع الأسس والمعايير الخاصة في توزيع الامتيازات المادية (الثروة) وتقنينها لإعطائها صفة الشرعية قدر الإمكان والعمل بكافة الوسائل القهرية أو الاقناعية لحمل الجماعات الأخرى على الإذعان والقبول بهذه المعايير والأسس ، والتي تشمل عادة مزيجاً من العوامل والآليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والتي تهدف في محصلتها العامة الحفاظ على الاستقرار، فعلى سبيل المثال فان النظام الطبقي في الهند غلف بهالة دينية مقدسة لا تتيح للفرد حتى مجرد التفكير في تغيير منزلته الاجتماعية، وبهذا فقط استخدمت التعاليم الدينية الهندوسية كعامل أساسي في تثبيت النظام الطبقي في المجتمع، وذلك من خلال تقبل الفرد للمعيشة في الطبقة التي يولد فيها، وإذا ما خالف هذه التعاليم فإنه يعاقب في تخفيض طبقته الاجتماعية بعد موته، وإذا ما عمل بهذه التعاليم فإنه يكافأ برفعة إلى طبقة أعلى منزلة بعد مماته، لذلك يحيى الهندوسي المتدين راضياً عن وضعه ومذعناً له، على أمل تغيير وضعه الطبقي بعد موته وبذلك استعيض عن الحركة الطبقية في الدنيا بمفهوم الحركية الطبقية بعد الممات.

هـ - لقد نادت الأديان السماوية بالمساواة بين بني البشر، وقد تبعها بذلك معظم الدساتير الوضعية الحديثة، ولم تعترف بالطبقية على أساس التشريف والتكريم أي بمعنى أن تتميز طبقة اجتماعية عن أخرى بكونها أكرم أو أشرف لحيازتها لامتيازات وقدرات معينة، كما ان الأديان أيضاً لم تنف التفاضل بين البشر ولكن ضمن المعايير التي وضعتها الشريعة، وهي ان الأعلى منزلة هو الأكثر تقوى وصلاحاً، كذلك فقد اعترفت الأديان السماوية وفي مقدمتها الدين الإسلامي بوجود التفاوت الاقتصادي بين البشر، حيث ان أرزاق البشر مقدرة بشكل غير متساوي وذلك بهدف تسخير قدرات وإمكانات البشر لخدمة بعضهم بعضاً لاستمرار الحياة، إلا ان هذا التفاوت الاقتصادي لا يترتب عليه أية صفة تشريفية أو تكريميه.

2.                 عدم المساواة وأثرها على الاستقرار:

أ – ان عدم المساواة في توزيع الامتيازات والمكاسب والتي يعبر عنها بالثروة تعد مصدراً محتملاً لعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي في أي مجتمع، وذلك لأن الطبقات الاجتماعية العليا المستأثرة على الامتيازات اقل عدداً بشكل عام من الطبقات الاجتماعية الدنيا الأقل نصيباً. لذلك فإن الطبقات العليا تواجه مشاكل عصيبة في إدامة الضبط الاجتماعي على الطبقات الدنيا، وفي هذا السياق يمكن ان نناقش عدداً من الآليات الاجتماعية والتي تعمل على تهدئة نظام الطبقات وتساعد في الحفاظ على نظام عدم المساواة سليماً، لقد عملت بعض المجتمعات على حل هذه المشكلة بطرق شبه بدائية ومباشرة من خلال استخدام وسائل الإكراه، ولكن ذلك لم يمنع أيضاً من بذل المحاولات لكسب عقول وأفئدة الشعب، لذلك فان أحد الأهداف الأساسية لأي طبقة مهيمنة هو جعل القواعد والأسس التي تحكم توزيع الامتيازات تبدوا شرعية قدر الإمكان في نظر المجتمع وكلما كانت درجة تحقيق ذلك كبير كلما ازدادت احتمالية الاستقرار وقلت الحاجة إلى استخدام الوسائل القسرية.

ب- ان الوسائل التي تحقق القبول الطوعي أو بالإكراه موجودة في نظام الضبط الاجتماعي في كل مجتمع، إلا أن التوازن الحقيقي ما بين هذين العنصرين يختلف من مجتمع لآخر، وعلى ذلك يجدر الإشارة إلى أنه حتى في المجتمعات التي تتمتع ببحبوحة من النعمة، فان للدولة وظائف مهمة في تحقيق الإكراه والسيطرة بالإضافة إلى تحقيق الرفاه، ففي داخل القفاز المخملي لأية دولة يوجد قبضة حديدية، وعلى ذلك يجب الاعتراف بوجود كل من القفاز والقبضة كوسيلة لفهم تعقيدات المجتمعات الحديثة بالصورة الصحيحة.

ج- ان استخدام وسائل الإكراه المادي ليس دائماً ضرورياً لضبط أفراد الطبقات الدنيا، بل يوجد هناك العديد من الآليات الاجتماعية الأقل عنفاً والتي غالباً ما توضع بشكل مقصود من قبل الطبقات المهيمنة، والتي تعد بمثابة صمامات الأمان في النظام الطبقي، وان احدى هذه الصمامات الهامة والتي لها العديد من التطبيقات والممارسات السياسية وهي الحركية الاجتماعية.

3.                 الحركية الاجتماعية والاستقرار السياسي:

أ- تمارس كافة المجتمعات قدراً معيناً من التبادل الاجتماعي بين طبقات المجتمع من جيل لآخر، كما ان درجة الانفتاح والسيولة في النظام الطبقي تختلف من مجتمع لآخر وحتى ضمن اطار المجتمع الواحد مع مرور الزمن، وتشير بعض الدراسات عن المجتمعات الغربية، ان حوالي ربع الذين يولدون في الطبقة العاملة اليدوية ينتقلون إلى صفوف الطبقة الوسطى. وعلى أية حال، ومهما  كان الشكل السياسي للمجتمع فإنه يبدو انه هناك فرصاً لعدد غير قليل من الطبقة الدنيا في الحصول على مراكز واعدة، وهذا قد يعزى في قسم منه اتساع نطاق الوظائف الإدارية (ذوي القبة البيضاء) في القطاع العام، وعدم قدرة الطبقة الوسطى على تغذية نفسها من خلال تقديم العدد الكافي من الأفراد للمراكز الجديدة، لأن المراكز الإدارية عادة ما تكون أوسع من عدد أفراد الموهوبين من الطبقة الدنيا، وعملية الاختيار هذه تعد ضرورية عندما تتطلب المراكز الجديدة قدرات ومواهب معينة، ان وضع أنظمة محددة للاختيار على أساس الموهبة والجدارة تقف حائلاً أمام أبناء الطبقة المهيمنة لتقلد المناصب ذات الامتيازات كحق مكتسب لهم، فعندما تصبح معايير التقييم المعتمد على الجدارة مقننة، فان ذوي الحظوة بالولادة سيجدون أنفسهم يتنافسون مع الأفراد الطموحين والموهوبين من الطبقات الاجتماعية الأخرى.

ب – ان التطبيقات العملية للحركية صعوداً تبدو واضحة بما فيه الكفاية، فهذه الحركية تقدم طريقاً للهرب لأعداد كبيرة من الموهوبين والطموحين من الطبقات الدنيا وبالتالي تعمل على تخفيف التوترات الناتجة عن عدم المساواة. ان الصعود إلى الطبقة الوسطى يمثل حلاً شخصياً لمشاكل ذوي المنزلة الاجتماعية المنخفضة وهي بنفس القدر ينزع أيضاً إلى أضعاف الجهود الجماعية لتحسين ظروف الطبقة الدنيا بعامة.

  لقد تم الإيحاء دوماً بأن الحركية صعوداً تعمل على تقويض القاعدة السياسية للطبقة الدنيا وبشكل جدي من خلال عمليات التسرب للمواهب والقدرات من هذه الطبقة إلى الطبقات الأعلى، ان هذا النزف المستمر للمواهب في الطبقة الدنيا يمكن أن يكون سبباً للضعف السياسي لهذه الطبقة ولكن ليس إلى درجة كبيرة.

4.                 الحركية الاجتماعية والالتزام الحزبي:

أ -  ان عملية الاختيار في المسار التعليمي أو في المسار الوظيفي ليست بأي حال من الأحوال فعالة بدرجة كافية لدعم الحركية الاجتماعية وكذلك قطف المواهب المتوفرة. وعلى ذلك، وفي ظل غياب نظام فعال للاختيار على أساس الجدارة والمؤهلات فان عدداً من الأفراد الموهوبين لن يتمكنوا من الانتقال إلى الطبقة الوسطى، وفي مثل هذه الحالة فأنه قد يتشكل انطباع وهمي بأنه يوجد نقص واضح في القادة المحتملين، كما ان أنواع القدرات التي يمكن ان تقاس باختبارات الذكاء والجدارة لاختبار المتقدمين للوظائف المهنية أو الفنية تختلف عن أنواع القدرات والمؤهلات المطلوبة للقادة السياسيين. وفي حالة إذا ما كانت المواهب والقدرات المطلوبة متماثلة في الحالتين فان نزف المواهب سيكون خطيراُ، ومع ذلك فانه يجب النظر بحذر لدى تقدير النتائج السياسية للحركة للأعلى وأثرها على تغيير الأفكار والمفاهيم للأفراد الصاعدين. ان الدراسات حول المجتمعات الغربية تؤيد الفكرة القائلة بأن الحركية صعوداً تؤثر بدرجة ما على الولاءات السياسية وتحرفها باتجاه اليمين، وهذا قد يعزى إلى إعادة التكيف العامة للفرد لقيم الطبقة التي استقر فيها، وبالطبع فان درجة تكيف الفرد لها علاقة بالمسافة الاجتماعية التي ارتحلها. ان الصعود الاجتماعي على سبيل المثال لطبقة أعلى قد يستدعي فحصاً دقيقاً وشاملاً للهوية الاجتماعية للفرد. ومرة أخرى فان قدراً معيناً من الحذر يصبح مطلوباً لدى تقدير النتائج السياسية للحركية صعوداً على نظرة أولئك الأفراد الذي يصعدون لطبقة أعلى، وتشير الدلائل إلى ان الميل العام بالنسبة للحركة صعوداً هو حرف الولاء السياسي من اتجاه اليسار إلى أتاجه اليمين ولكن لا يعرف الكثير للآن عن دواعي هذه العملية من الزاوية الشخصية، ولكن من المنطقي الافتراض ان تكون هذه جزءاً من عملية التكيف الشخصي لقيم الطبقة التي انتهى إليها. ان تغيير النظرة السياسية من اتجاه إلى تجاه آخر يمكن فهمه كمرحلة أولى في إعادة تعريف الذات والتي تتبع الصعود الاجتماعي والتي يمكن ان تكون بحق شرطاً أساسياً للتكيف الناجح أو الحفاظ على وضع طبقي جديد. وبالطبع فانه يمكن ان نتوقع ان درجة التكيف العام مرتبطة بمقدار المسافة الاجتماعية المرتحلة. وفي المقارنة ما بين الصعود الاجتماعي والتجنيد للمراكز الإدارية فانه يتوقع ان الصعود الاجتماعي قد يستدعي تدقيقاً مستمراً للهوية الاجتماعية والسياسية بشكل أكبر من التجنيد لهذه المراكز. كذلك فان الدلائل تشير إلى ان الدعم لاتجاهات اليمين تصبح أكثر وضوحاً كلما ارتفعنا في الهرم الوظيفي، كما ان الالتزام بالولاءات السياسية للطبقة العاملة التقليدية يحتمل ان يصبح أكثر صعوبة مع كل خطوة يخطوها للأعلى(1) وهذا قد يكون صحيحاً بالنسبة لوظائف الطبقة الوسطى المرتكزة في عالم المال والأعمال حيث تكون الولاءات للقيم السياسية بالنسبة لليمين قوية نوعاً ما. وفي المجتمعات التي يوجد فيها معدلات عالية من النخبة أو مدى بعيد من الحركية للأعلى، يمكن ان يوجد فيها معدلات عالية من النخبة أو مدى بعيد من الحركية لأعلى، يكمن ان نتوقع تآكلاً كبيراً في التطرف السياسي، وعلى أية حال فان معظم الحركية الاجتماعية ذات طبيعة قصيرة نسبياً وهذه لا تحتاج بالضرورة إلى تغييرات في الهوية السياسية.

ب- ان أبناء العمال المهنيين الذين يجتازون حدود طبقتهم يميلون إلى تقلد مناصب إدارية متواضعة (وظائف القبة البيضاء) مثل الكتبة ورجال المبيعات ومعلمي المدارس وغيرهم، ان النمط المعتاد للحركة القصيرة المدى لا يتوقع ان تؤدي إلى تآكل خطير في قيم الطبقة العاملة وولاءاتها السياسية. لقد دلت الدراسات على ان الدعم المتدنية، وبخاصة من مستخدمي القطاع العام وهو القطاع من الطبقة الوسطى الذي يقع تحت نفوذ نقابات العمال، ان العديد من المستخدمين في الوظائف الإدارية الدنيا هم أصلاً من الطبقة العاملة وعلى هذا فمن المنطق الافتراض ان العضو الجيد قد يحمل معه إلى طبقته الجديدة قيماً سياسية معينة من تلك التي كان يحملها في طبقته السابقة.

ج- ان التغيير في سلوك الناخب والدعم الحزبي يمكن أن يكون مؤشراً مقبولاً على التكيف باتجاه موقف جديد في الحياة، ولكنه يبدو انه موقفاً ليس بالضرورة ان يصاحبه تخلياً كاملاً عن المعتقدات السياسية التي شكلها أثناء تواجده في الطبقة السابقة. وإذا ما كان الصاعدون من أنصار اليمين مختلفين في نظرتهم السياسية عن أنصار اليمين المولودين في الطبقة الوسطى، والدلائل تشير إلى صحة هذا القول، عندها علينا أن نعامل فرضية تلطيف التطرف الناشئة عن الصعود الاجتماعي ببعض الحذر، وحيث ان الحركية للأعلى يمكن ان تتسبب بانحراف نحو اليمين في الهوية السياسية والحزبية فان احد نتائج هذا يحتمل ان تكون تغيراً في الأسس المعيارية لدعم الانحراف نحو اليمين. وهذه العملية يمكن ان تكون عاملاً من عوامل عديدة مرتبطة بقبول الأحزاب ذات الطابع المحافظ بسياسات مختلفة ذات صبغة عامة ولها علاقة بتحسين أحوال المجتمع.

ولكن وعلى الرغم من ان هذه السياسات غالباً ما تلقى دعماً قوياً من أحزاب الطبقة العاملة فانها أيضاً تستحوذ على قدر من القبول من قبل مجموعات الموظفين الإداريين (ذوي القبة البيضاء) في المراتب الدنيا. ومن المنطقي ان نتكهن ان الحركية للأعلى يمكن ان تكون أكثر شيوعاً بين هؤلاء الموظفين الإداريين مهما كانت ارتباطاتهم الحزبية السياسية السابقة. وهكذا، ومقابل عملية إضفاء البورجوازية السياسية، والتي أكد عليها مراراً، فيجب ان ننتبه إلى الميل الملحوظ المعادل في الاتجاه المضاد، وأعني بذلك، ما يمكن ان نطلق عليه إضفاء الصبغة البروليتارية (العمالية) لقطعات محددة من الطبقة الوسطى وينبغي علينا ان نعامل بحذر فكرة ان الحركة للأعلى هي ببساطة عملية قولبة سياسية من خلال ضغوطات النظام الطبقي، ان هذا النظام بحد ذاته، وكذلك خاصيته السياسية يمكن بدوره ان يعدل من قبل أولئك الذي يعبرون من طبقة إلى طبقة أخرى. وبنفس الوقت، فان هذا ليس لإنكار صلاحية النظرة العامة القائلة بان فرص الصعود الاجتماعي تلطف بعض التوترات الكامنة في النظام الطبقي، وبالتالي تخدم كآلية في تهدئة واستقرار النظام السياسي.

5.     أبعاد الحركية الاجتماعية للأسفل:

أ‌-        لدى مناقشة هذا الموضوع يمكن ان يتبادر إلى ذهن القارئ السؤال التالي إذا ما كانت الحركية صعوداً عد صمام أمان سياسي فماذا تكون الحركية نزولاً؟ ان العديد من المجتمعات وبخاصة الصناعية منها أظهرت أنها تتمتع بمعدلات لا بأس من الحركية للأسفل(2) وعلى سبيل المثال، فان أكثر من (40%) من الذين يولدون في الطبقة غير المهنية (الوسطى) في بريطانيا يمكن توقع سقوطهم إلى الطبقة العاملة المهنية، وهذا ينطبق على معظم المجتمعات الغربية والمجتمعات الأخرى ذات الظروف المماثلة أو التي تسير وفق الأسلوب الغربي في الاجتماع والسياسة، وفي هذا المجال، يمكننا ان نرجح ان الهبوط الاجتماعي الواسع النطاق بعد مصدراً محتملاً لعدم الاستقرار السياسي، ان أولئك المولودين في الطبقة الوسطى والذين تعموا في الأمان والامتيازات المختلفة فيها يمكن ان يتوقع منهم ان يشعروا بقليل من المودة تجاه النظام الاجتماعي الذي أسقطهم إلى مستوى أدنى أشد قسوة، وبالتأكيد فان العديد من المؤشرات تفيد ان أولئك الذين انحدروا في السلم الاجتماعي هم نوعاً ما أكثر تذمراً حول نصيبهم من الامتيازات من أولئك الذين لم تتأثر مراكزهم. ولكن كشيء عام فان التعبير عن الاستياء والسخط لا يأخذ شكلاً سياسياً علنياً وظاهراً، ولو على الأقل فيما يتعلق بمشاعر العداء أو الرفض للنظام الاجتماعي. وأما فيما يتعلق بالولاءات السياسية والحزبية، فان الدراسات والمؤشرات تشير إلى ان المتحركين للأسفل لا تتغير في معظم الأحيان ولاءاتهم السياسية للتوافق مع ولاءات الطبقة التي استقروا فيها. لقد وجد ولنسكي (WOLENSKY) ان الأفراد المنحدرين للأسفل في الولايات المتحدة على سبيل المثال كانوا في الغالب يظنون أنفسهم طبقة وسطى أو طبقة عليا، لقد وجد ولنسكي ان 81% من العمال اليدوين كانوا ينظرون لأنفسهم كطبقة دنيا أو طبقة عاملة وذلك مقابل 46% من العمال اليدويين المنحدرين من طبقة أعلى(3) وكذلك فان ليبست LIPSET وجوردن GORDON في دراستهما حول العمال في سان فرانسيسكو وجدا اختلافات مماثلة في مواقف المنحدرين والمقيمين في طبقة ما. لقد كان المنحدرون أكثر مقاومة لطلبات اتحادات التجار من العمال المقيمين أصلاً في تلك الطبقة، وكانوا كذلك أكثر تفاؤلاً حول فرصهم في الصعود الاجتماعي وكذلك فان الدراسات حول العمال البريطانيين إشارات أيضاً إلى ان العمال كانوا أكثر ميلاً لاعتبار أنفسهم طبقة وسطى إذا كان آباؤهم في مراكز وظيفية إدارية (وظائف القبة البيضاء)، من أولئك الذين كان آباؤهم يشغلون مراكز حرفية (4) وهكذا فإذا ما كانت الحركية للأعلى يصاحبها دوماً انحراف في التوجهات السياسية نحو اليمين فانه لا يزال يعرف إلا القليل عن قدر الانحراف والتغيير في الاتجاه المضاد بين المتحركين للأسفل.

وبالطبع فانه ليس أمراً مفاجئاً أن يكون الذين انحدرت منزلتهم وإلى حد ما أكثر معارضة للتخلي عن هويتهم السياسية السابقة من الصاعدين للأعلى.

ب‌-         يصاحب في العادة عمليات التجنيد وإملاء المراكز في الطبقة الوسطى إعادة تعريف للذات وبنظرة أكثر تفضيلاً ورضا، وحسب ما تحكم فيه المعايير السائدة للقيم المعنوية والاجتماعية، وأما الانحدار الاجتماعي من جانب آخر، فانه يؤدي عادة إلى مواجهة أكثر ضرراً ما بين الذات والحقيقة الاجتماعية، وهذه المواجهة ما يعمل الأفراد على تجنيها أو على الأقل تخفيضها قدر الإمكان، وذلك من خلال الاعتقاد بأن الهبوط الاجتماعي ليس إلا مسألة مؤقتة، وأن منزلة الشخص الاجتماعية السابقة سيتم استعادتها عاجلاً أم آجلاً، وحتى من خلال نجاح أبنائه. ان قطع الروابط المعنوية والرمزية مع ممثلي الطبقة الوسطى من السياسيين يمكن ان يفهم على أنه علامة على القبول بالمنزلة المتدنية كقدر دائم بدلاً من ان تكون مرحلة مؤقتة. ومرة أخرى فان النظر للمجتمع على أنه بنية مفتوحة للفرص، يتم فيه مكافأة الجهد والقدرة كما ينبغي لها، يمكن ان تكون ضارة بنفس الدرجة أيضاً، لأن الاعتقاد بمثل هذا النظام يخصب الآمال في استعادة الوضع الاجتماعي في النهاية، مما يرفع من مستوى التوقعات، وبالتالي زيادة الإحباط في حالة عدم تحقيق هذه التوقعات، أنه من بين المنحدرين اجتماعياً يمكن ان نتوقع ان تكون حالة القلق والإكراه على أشدها، كما ستكون مقاومة الاندماج في حياة الطبقة العاملة ومؤسساتها شديدة. وبعيداً عن الإعجاب التي تفيد بأن المتحركين للأسفل غالباً ما يكونون أكثر ميلاً نحو اليمين من الطبقة  الوسطى بعامة. وهكذا فان المعدلات العالية من الحركية للأسفل قد لا تشكل تهديداً للنظام الاجتماعي كما كان يتوقع، وذلك يعزى في قسم منه إلى ان الذين تكيفوا مع قيم الطبقة الوسطى كانت منطلقاتهم وميولهم شخصية أكثر منها ميولاً عامة. لذلك فان ردود فعلهم للحركة نزولاً كانت تأخذ شكل المناداة بتغيير نظام الامتيازات من خلال العمل الجماعي.

وأخيراً إذا ما رافق الحركة الجماعية للأسفل طرح أفكار ذات توجهات عامة قوية، فان موقفاً أكثر تفجيراً يمكن أن ينتج عن هذا الوضع.

ج – وهناك سبب آخر لا يقل أهمية عن سابقة يفسر كيفية احتواء الحركة الواسعة النطاق للأسفل بسهولة نسبية بواسطة النظام السياسي وهو ان الحركية للأعلى مثلها مثل الحركية للأسفل تحدث ضمن مسافة اجتماعية ضيقة نسبياً. كما ان المنحدرين للأسفل وعلى الرغم من انهم غالباً ما يعانون من بعض القلق والانزعاج الاجتماعي، إلا انه من ناحية أخرى فان الانخفاض الحقيقي من الناحية المادية والاجتماعية لمعظمهم قد لا يكون خطيراً، كما ان الانتقال من الطبقة الوسطى الدنيا إلى الطبقة العاملة المتواضعة لا تعد خطوة كبيرة على الإطلاق بالمعايير الاجتماعية والاقتصادية، كذلك لا يمكن القول بأنه ستكون فجوة ثقافية واسعة ما بين الصفوف الدنيا من الطبقة الوسطى والصفوف العليا من الطبقة العاملة، كما ان أنماط الحياة الأسرية والنشاطات الترفيهية والنفقات الاستهلاكية ومستوى التعليم وأنماط الحديث وغيرها ليست بائنه بشكل واضح على الإطلاق بين المجموعتين، وبلا شك فان هذا أيضاً مرتبطاً جزئياً بعملية الحركة للأعلى والتي أشرت لها سابقاً والتي ينتج عنها دمج عناصر معينة من ثقافة الطبقة العاملة بثقافة الطبقة غير المهنية. وفي الحقيقة فإنه في المجتمعات ذات المعدلات العالية نسبياً من الحركية الاجتماعية للأعلى والأسفل فانه غالباً ما يكون لقسم كبير من العائلات أفراد على الحدود الفاصلة بين الطبقات في كل من وظائف القبة البيضاء (الإدارية) ووظائف القبة الزرقاء (الحرفية)، وهذا يعزى في جزء منه إلى الممارسات الاجتماعية والتي تذبذبها النسبي يعد مؤشراً مفيداً على التماثل والانسجام الثقافي، والتي تشمل الزواج المتبادل عبر خطوط الطبقات الاجتماعية، فهناك قدراً كبيراً من التبادلية الاجتماعية بين الطبقات من خلال الزواج، ومن المفيد الإشارة هنا انه يوجد ميلاً خفيفاً للنساء للزواج صعوداً وللرجال هبوطاً، وعلى أية حال يجدر الإشارة ثانية بأن معظم التبادل يحدث على الحدود الفاصلة بين الطبقات وليس من الشائع ان يشمل اتحاد ودمج عائلات يفصل بينها فجوة اجتماعية واسعة. وعلى هذا يمكن ان نجمل هذه الملاحظات بالاستنتاج بأنه يوجد ما يمكن ان يسمى بمنطقة ثقافية واجتماعية محايدة وعازلة (Buffer Zone) ما بين  الطبقة الوسطى وطبقة العمال وان معظم الحركية هي من وإلى هذه الطبقة العازلة، وهذا يعد من الأسباب الهامة التي تفسر أسباب عدم حدوث إشكالات تكيف ذات صبغة حادة بسبب الحركية.

د – إن أنماط السلوك والرموز والخصائص الاجتماعية للطبقة العاملة المتواضعة يمكن ان لا تكون غربية بالنسبة للفرد العادي في الطبقة الوسطى الدنيا وبخاصة إذا كان له أقارب أو إذا كانت جذوره العائلية تضرب إلى الطبقة العاملة، وعلى ذلك فان قدراً مما قد يعد حركية اجتماعية هو ببساطة تذبذب هامشي للأفراد من نفس الأسر من جيل للجيل الذي يليه. وإذا ما تمكن المتحركين للأسفل من استعادة الأرض التي فقدوها بواسطة الجيل التالي من خلال نجاح أبنائهم، فعندها فإن انحدارهم الاجتماعي يمكن ان يحس به بدرجة أقل. 

6.                 النظام الطبقي والتحصيل العلمي:

لقد أظهرت العديد من الدراسات التي أجريت على بعض المجتمعات الغربية، بأن أداء أبناء الطبقة العاملة الذين كان أحد والديهم من الطبقة الوسطى أصلاً في الدارسة كان أفضل من أطفال الطبقة العاملة اليدوية والذين لم يكن لديهم أصول تضرب في الطبقة الوسطى. كما ان النساء اللواتي تحركن للأسفل من خلال الزواج برجال من الطبقة العاملة لعبن دوراً هاماً ومميزاً في تقديم أطفالهن. لقد أظهرت الدارسة التي أجرتها اليزابث كوهنن (Elizabeth Cohen) على أطفال المدارس العليا من الطبقة العاملة الأمريكية ان (80%) منهم كانت أمهاتهم ذات خلفية عائلية تضرب في الطبقة الوسطى، مقابل (42%) من أولئك الذين كانت أمهاتهم من الطبقة العاملة أصلاً. وإذا ما أخذنا بالاعتبار الصلة الوثيقة ما بين مستوى التحصيل العلمي وبين التحصيل الوظيفي فانه يمكننا اعتبار ذلك مؤشراً على احتمالية أكبر للحركة صعوداً لأبناء الطبقة العاملة الذين كانت حركة أمهاتهم للأسفل. وان أكثر الأدلة المباشرة على ذلك هو ما ورد في الدراسات التي أظهرت ان أبناء الطبقة العاملة والذين صعدوا إلى وظائف غير مهنية بواسطة التحصيل العلمي، كان لهم أباء إما من الطبقة الوسطى أو من الذين بسبب أو لآخر كان لهم اتصال هامشي مع الطبقة العاملة وهذه الأسرة هي التي أطلق عليها جاكسون ومارسدن (Jackson and Marseden) بالطبقة الوسطى المغمورة)(5). وكما ذكرت فان هذه الإمكانية للأسر المتحركة للأسفل للصعود ثانية في الجيل الثاني، والتي لا تعتمد على التبادل ما بين الطبقات ولكنها تساعد على تخفيف وتلطيف بعض التوترات الناتجة عن الهبوط الاجتماعي. وإذا لم تتضمن الحركة الواسعة النطاق للأسفل على عمليات من هذا النوع، فان إمكانية حدوث مضاعفات سياسية واجتماعية خطيرة تصبح أكثر احتمالاً. ان أفراد الطبقة الوسطى وذريتم الذين هبطوا إلى الطبقة العاملة اليدوية يمكن ان يعانوا من صدمة اجتماعية بدرجة أكبر من الأفراد الذين يشغلون الوظائف الإدارية الدنيا وينحدرون للأسفل. ان الهبوط الاجتماعي البعيد المدى غالباً ما يحدث في المجتمعات الصناعية ولكن على نطاق معتدل نسبياً. وبالنسبة لغالبية الهابطين للأسفل فإن عائلات الطبقة الوسطى قد تكون قادرة على ضمان توفير نوعاً ما من المكانة الوظيفية لأبنائها، وهذا قد تحققه من خلال توفير مستوى جيد من التعليم والبيئة المنزلية المريحة التي تساعد على النجاح وكذلك من خلال نقل الملكية الخاصة. أما بالنسبة للذين ينحدرون من الطبقة العليا إلى الطبقة الدنيا فان المعلومات حول العدد القليل منهم لا تزال قليلة ومن الجدير بالذكر ان بعض الذين يقومون بهذه الرحلة الاجتماعية الطويلة للأسفل يبدوا انهم خسائر اجتماعية بصورة أو بأخرى. وقد يشمل هؤلاء ذوي الأمراض العقلية أو المدنين على المخدرات أو الكحول أو أولئك الذين يعانون من أنواع مختلفة من الإعاقات الشخصية التي تمنعهم من الحصول على وظيفة في الطبقة الوسطى.

7.                 الحركية الاجتماعية ونظام الجدارة:

أ- ان مبادئ نظام الجدارة بدون ريب لا تتيح لبعض الأبناء غير الموهوبين مما آباؤهم في مراكز جيدة ان يحصلوا على مراكز وظائفية معتبرة، وسيجدون أنفسهم في وظائف يدوية ذات امتيازات وطبيعة. وإذا ما أخذنا بالاعتبار الامتيازات الثقافية والتعليمية والبيئية المريحة التي يتمتع بها أبناء الطبقة العليا أو الوسطى، فانه يمكن ان نتوقع انه حتى الأبناء الأكثر غباء سيحصلون على مظهراً كافياً من التعليم ولو كان في حقيقته خداعاً، هذا بالإضافة إلى المهارات الاجتماعية الهامة التي تؤهلهم لبعض أنواع الوظائف المكتبية. وفي هذا المجال يجدر الإشارة إلى انه عادة ما تظهر بعض الصعوبات لدى تقنين الجدارة والأهلية ووضعها كمعيار وحيد لتوضيع الأفراد في المراكز المختلفة في هيكل الامتيازات. وكما ذكرت سابقاً فان التوترات حول التجنيد للمراكز المرغوبة لا يحتمل أن تكون حادة إذا كانت هذه المراكز وفيرة وكافية لاستيعاب الأفراد الموهوبين من الطبقة الدنيا بدون إلحاق تهديد خطير لفرص أبناء الطبقة الوسطى المولودين فيها. ولكن يمكن الافتراض ان التوترات ستزداد اذا كان عدد المراكز المستهدفة أقل وبدرجة كبيرة من عدد الأفراد الذين يرغبون الدخول لسوق العمل في الطبقة الوسطى.

وإذا ما كانت الجدارة هي المعيار الوحيد في الاختيار في المسار التعليمي أو المسار الوظيفي. فان هذا سيؤثر بدرجة ما على مركز الطبقة المهيمنة وامتيازاتها، لان أطفالهم سيواجهون منافسة شديدة من قبل أطفال أكثر موهبة من الطبقة الدنيا، وهكذا فان نظام الجدارة سيقلل من قدرة الطبقة المهيمنة في استبدال نفسها من مصادرها، وهكذا كلما حاولت المجتمعات الصناعية تحسين الكفاءة بواسطة الاستخدام الرشيد للمواهب فان توترات معينة مترسخة في صلب النظام الطبقي تبدأ في الظهور. إن الضغوطات لاستخدام المواهب بفعالية من خلال تطبيق نظام الامتيازات على أساس الجدارة تواجه عادة بضغوطات موضعه للاستمرارية الاجتماعية في المراكز الطبقي للآباء والأبناء، وعليه يمكن ان يكون من الخطأ الافتراض بأن التوجه نحو الكفاءة سيرى في وقت قريب النصر الكامل من خلال الاحتكام لمبادئ الجدارة. لأن هذا التصور يفترض أيضاً ان الطبقة المهيمنة لها سيطرة قليلة على مجريات الأحداث وهذا غير صحيح أيضاً. لأن الامتيازات تسير جنباً إلى جنب مع القدرة والنفوذ وعليه فمن الأرجح ان يقوم الأفراد المستحوذين على الامتيازات في الطبقة المهيمنة بإحباط أي توجه من هذا القبيل، وذلك من خلال تغيير معايير التعيين والاختيار بطريقة مفيدة لهم ولأبنائهم من بعدهم، وان احد الوسائل لعمل هذا هو جعل تقييم الشخصية جزءاً مهماً في عملية الاختيار، لأن السمات الشخصية والتي تكون في محصلتها شخصية الفرد ليست خاضعة للمقاييس الموضوعية كما ان تقييم هذه السمات يمكن ان يجري أيضاً من قبل من يمسكون المراكز ذات الامتيازات. ان الإصرار على الصفات الشخصية أو على المعايير غير الموضوعية وعدم الاحتكام للجدارة، تعد وسيلة من وسائل الضبط التي تستخدمها الفئة المهيمنة لتحديد الوصول للمراكز الهامة.

ب – ان الصراع ما بين الإصرار على الاستخدام الأكثر عقلانية للمواهب وما بين الضغوطات الموضعة في الموروث الطبقي لا يزال موجوداً في كافة المجتمعات الصناعية ولكن هذا الصراع لن يصل إلى نقطة حرجة إذا ظلت المراكز الوظيفية المنشودة أكبر من عدد المتقدمين لها، ولكن في الواقع فان الطلب على المهارات الأساسية للطبقة الوسطى تتزايد باستمرار وتقترب من النقطة الحرجة. أما في الدول الأخرى الأقل تطوراً فانه يوجد موقف مغير تماماً وهوان الطلب على الوظائف يفوق العرض، وذلك بسبب المعدل العالمي للخريجين الجامعيين العاطلين عن العمل. وفي هذا المجال فانه من المناسب ان نتساءل في أية نقطة من نمو المجتمعات المتقدمة ستتوقف الطبقة الوسطى عن التوسع على حساب قوة العمل المنتجة. وعلى سبيل الافتراض، فانه يوجد نقطة ما يجب ان تتوقف عندها القاعدة الإنتاجية عن الانكماش لمصلحة الطبقة الوسطى إذا ما أرادت الاستمرار في دعم القطاع الوظيفي، وبالطبع يمكن ان تتحول هذه القضية إلى قضية تقنية متقدمة تستخدم قوة عمل صغيرة قادرة على تلبية الحاجات والمتطلبات الإنتاجية للمجتمع، ولكن إذا ما وصلنا إلى هذه المرحلة فان التقسيم التقليدي للمجتمع إلى ذوي القبات الزرقاء (العمال) وذوي القبعات البيضاء (الموظفين الإداريين) يحتمل ان تقل أهميته لأن الإنتاج الآلي يتطلب نوعاً من المهارات الإشرافية المرتبطة بالمراكز غير المهنية وفي مثل هذه الحالة علينا ان نراجع معاييرنا للحركية الاجتماعية والعموميات السياسية المعتمدة على التقسيمات التقليدية للطبقات.

ان الحركية الاجتماعية للأعلى تؤثر على نصيب القلة من الطبقة الدنيا فقط لأن معظم الذين يولدون في هذه الطبقة سيبقون فيها، كما أن أطفالهم سيسيرون على آثارهم، وعلى ذلك فانه بين هذا القطاع من الشعب يمكن ان نتوقع ان يكون الالتزام المعنوي للنظام الاجتماعي والسياسي في غاية الضعف، وفي حالة عدم تلطيف أعباء المنزلة الاجتماعية الدنيا بواسطة بعث الأمل في التطوير الفردي، فان تحويل نحو التوجهات العامة لإيجاد الحلول للمشاكل الشخصية يصبح البديل الأكثر استحساناً. ان الحركات السياسية ذات الصبغة الراديكالية التي تهدف إلى تفكيك أو تغيير نظام عدم المساواة استحكمت بقوة في أوساط المحرومين في معظم المجتمعات الرأسمالية، وأخيراً وعلى الرغم من ان الحركات الاشتراكية استمدت معظم قوتها من الطبقات الاجتماعية الدنيا وبخاصة في أوساط قوى العمل الصناعية، فان التحول إلى التطرف ليس بالضرورة رد فعل طبيعي للحرمان بأي حال من الأحوال حيث يوجد العديد من البدائل الأخرى المتاحة ومعظمها لا يشكل تحدياً للنظام السياسي وفيما يلي سأستعرض بإيجاز بعضاً من هذه البدائل.

8.                 الإذعان والقبول (القدرية) وعلاقته بالتوقعات:

ان أحد ردود الفعل الشائعة لحالة الحرمان للأفراد هو الإذعان والقبول، أو الأشياء والتذمر وحسب ظروف المجتمع وثقافته ومعتقداته، ففي المجتمعات التقليدية المحافظة على سبيل المثال، غالباً ما عبر ذوي المنزلة الاجتماعية المتدنية عن مشاعرهم من خلال مفهوم القدرية وبشكل أكبر من إظهار الاستياء الفعال أما في المجتمعات الصناعية الحديثة فقد كانت الطبقة الدنيا أقل رغبة إلى حد ما للقبول بوضعهم على أساس انه قدر لا مفر منه، وكذلك أقل ميلاً لاعتبار هذا الوضع عادلاً وشرعياً.

وعلى الرغم من ظهور الحركات والقيم السياسية التي تحدث أسس عدم المساواة، فان إستراتيجيات التكيف والقبول لذوي المنزلة الدنيا بقيت علامة مميزة لحياة الطبقة الدنيا. ان أولئك الذين يدركون أنهم يشغلون مركزاً متواضعاً في هرم الامتيازات غالباً ما كانوا يميلون إلى تكييف توقعاتهم في الحياة إلى مستوى معتدل نسبياً أقل مما ينبغي له ان يكون، لأن الأفراد لا يميلون لمقارنة نصيبهم مع نصيب الآخرين الأكثر حظوة منهم ولكنهم غالباً ما يقارنون نصيبهم مع نصيب أولئك الذين يعانون من ظروف مماثلة لظروفهم.

ويبدو انه يوجد نقص ملحوظ في إدراك مدى عدم المساواة بالنسبة للفئات ذوي المنزلة المتدنية. ان دراسة رونسيمان Runciman حول مواقف الأفراد تجاه موضوع عدم المساواة في بريطانيا أظهرت ان عدداً كبيراً من الأفراد في الفئات المتدنية الدخل ظنوا انه لا يوجد آخرين أفضل منهم. وهذا ليس بالضرورة ناتجاً عن جهلهم لحقيقة ان أفراد الطبقة الوسطى مثل الأطباء والمحامين وأساتذة الجامعات ومدراء الشركات يكسبون أكثر منهم، بل لأن مجموعات الوظائف الإدارية (القبة البيضاء) نائية اجتماعياً بحيث لا يمكن تقديمها كنقطة ملائمة للمقارنة مع العمال اليدويين، ان حقيقة ان مجموعات وظائف القبة البيضاء المستأثرين على الامتيازات هم خارج مجال الرؤيا الاجتماعية بالنسبة لمعظم العمال اليدويين، يعني ان هؤلاء لا يشعرون انهم محرومين بالضرورة مقارنة مع المستأثرين على الامتيازات. وعلى الرغم من التفاوت الواضح في الوضع المادي فانه يجدر الإشارة أيضاً إلى ان العمال الذين كانوا يدركون بان الآخرين أيسر حالاً منهم كانوا بشكل عام ينزعون لعدم إدراك هذا التمييز بالمفهوم الطبقي،وبدلاً من ذلك كانوا يردون ذلك إلى مسائل لا علاقة لها بالخواص الطبقية مثل الادعاء بأن حالة اليسر التي يتمتعون بها تعود إلى انهم يعملون ليل نهار أو لعدم وجود أطفال لهم، وهكذا يبدو انه يوجد ميل قليل للاعتراف بوجود الفجوة المادية المنظمة والواسعة الناتجة عن التفاوت الطبقي في المجتمع. ان الظروف الموضوعية لعدم المساواة هي في الحقيقة أكبر مما يمكن التنبؤ به بواسطة التقييمات غير الموضوعية للمواقف، وفي حالة وجود تقييماً أكثر واقعية وإدراكاً أوسع للتوزيع الطبقي للامتيازات فان معدل الاستياء بين الطبقات الدنيا سيزداد بدرجة كبيرة. يحاول الراديكاليون السياسيون إظهار ذلك من خلال ابراز مدى عدم المساواة المادية وردها إلى النظام الطبقي. وهم يحاولون وحسب أقوال رونسيمان توسيع مجموعة المرجع للعمال اليدويين لتشمل المجموعات الأكثر حظوة وبالتالي زيادة شعور هؤلاء العمال بالحرمان النسبي. وينبغي عند هذه النقطة القول ان فكرة مجموعة المرجع هي مفيدة تماماً في بلورة مشكلة ردود فعل الطبقة الوسطى تجاه حقائق عدم المساواة. ولكنها مع ذلك لا تقدم لنا مشكلة، ان المشكلة هي لتحديد فيما إذا كان اختيار مجموعات مرجع ذات مدى قريب للمحرومين نسبياً هي سبباً لتوقعاتهم المعتدلة، ام هو ببساطة نتيجة لهذه التوقعات. ويمكننا القول أيضاً بأن اختيار مجموعة المرجع لأغراض المقارنة معها يتأثر وإلى حد كبير بالمستوى السابق لتوقعات الفرد، لأن أولئك الذي توقعاتهم وإنجازاتهم ذات مستوى معتدل يمكن ان لا يلجئوا لمقارنة نصيبهم مع نصيب الأكثر حظوة منهم، لأن مثل هذه المقارنات يمكن ان تسبب لهم الإزعاج. وبعبارة أخرى يمكن الادعاء بأن عدم قدرة الأقل حظوة على رؤية الأكثر حظوة لأغراض المقارنة قد تكون إستراتيجية وقائية تم تطويرها من قبل أولئك الذين أذعنوا لحياة ذات امتيازات وضيعة. وهذا يبدو أنه أكثر إقناعاً من ذلك التوجه الذي يزعم من ان اختيار مجموعة المرجع لأغراض المقارنةيؤدي بحد ذاته إلى التسبب في حدوث توترات اجتماعية. ومن الجدير بالذكر انه توجد العديد من الطرق التي تشجع الأفراد على تكييف توقعاتهم لتنسجم مع مركزهم الطبقي ومنها دور النظام التعليمي والي يعد مهماً جداً في هذا المجال.

9.                 النظام التعليمي وأثره على مستوى التوقعات:

أ -  ان تعليم الصغار في معظم أقطار العالم بما في ذلك الدول المتقدمة محكوماً بمبادئ الانتقائية وبشكل عام فان القلة يتم اختيارها للتعليم المكثف في مدارس ذات نوعية عالية سواء أكانت هذه المدارس خاصة أم امة، بينما الأكثرية يتم تدريبهم على مهارات عملية معينة أو معرفة أولية في مدارس أو مؤسسات أقل منزلة مثل المدارس المهنية وما يعادلها. وهذه المدارس مهمتها اعداد الصغر للدخول في أسواق العمل المختلفة، ففي حين ان النوع الأول وهو التعليم المكثف يقود إلى مراكز وظيفية مرغوبة وإلى الجامعات فان النوع الثاني من المدارس وهي المدارس المهنية تقود إلى وظائف عادية وغالباً ما تكون ذات صفة يدوية. ما هو مهم بالنسبة لهذه المناقشة هو ان كلاً من هذين النوعين من المدارس لا تهدف لتعليم الصغار واعدادهم للمراكز المستقبلية فحسب، بل أيضاً ليغرس فيهم مستويات مناسبة من الطموحات والتوقعات. وحتى الآن وبالنسبة للمدارس المهنية وما يعادلها فان أحد نتائجها الاجتماعية هو تخفيض مستوى الذين يعبرونها للتوافق مع الفرص المتاحة لهم في سوق العمل. ان الدراسات حول الطموحات الوظيفية لدى أطفال المدارس في بريطانيا مثلاً، دلت على ان أولئك الملتحقين بالمدارس المتميزة غالباً ما كانت نسبة تفضيلهم للوظيفة الإدارية عالية نسبياً.

وعلى أية حال فانه من الجدير بالذكر أن مستوى الطموحات للطلاب الذين اختيروا للتعليم المهني لاحقاً انخفضت لدرجة كبيرة. وذلك لان محيط وتدريب هذه المدارس يبدو انه يغرس في الأطفال بصورة مباشرة أو غير مباشرة الإحساس بأنهم كتب عليهم ان يكونوا في مراكز أقل جاذبية في نظر المجتمع. كما ان الآمال الشبابية العالية التي حملها هؤلاء الطلاب في صباهم تخبو لدى التحاقهم بالمدارس المهنية، كما ان الطلاب وبسبب هذه الظروف فانهم وقبل ان يصلوا إلى السن الذين يتركون فيه المدرسة فإن معظمهم يبدأ في عمل اختيارات وظيفية واقعية بدلاً من الطموحات البراقة التي حملوها في خيالهم. لقد كانت التجارب والخبرات للذين التحقوا بالمدارس الأكاديمية العامة أو الخاصة والتجارب والخبرات للطلاب الذين التحقوا بالمدارس المهنية مختلفة إلى درجة كبيرة أيضاً، فأطفال المدارس الأكاديمية حملوا آمالاً عريضة حول المستقبل وكانوا أكثر تفاؤلا حول فرصهم في النجاح، وفي الحقيقة فانه يوجد بعض الأدلة التي تشير إلى ان الاختيار للتعليم الأكاديمي يعمل على توسيع الطموحات المستقبلية، وهذا على الأرجح قد يكون صحيحاً بالنسبة لأطفال الطبقة العاملة اليدوية الذين يلتحقون بالمدارس الأكاديمية.

ب- ان هذه الاختلافات في التوقعات تتوافق بالطبع مع الاختلافات في الفرص الحقيقية المتاحة لكلا النوعين في سوق العمل. وهكذا فقد زعم أحياناً ان نظام المدارس المهنية يقوم بوظيفة إنسانية ومفيدة في الاعداد النفسي لأفراد المستقبل من الطبقة الدنيا بالنسبة للحقائق المؤلمة للعالم الذي ينتظرهم خارج أسوار المدرسة وعلى أية حال فان هذه العملية قد يكون لها تطبيقات سياسية من حيث انها تشجع أفراد الطبقة الدنيا على التعايش مع وضعهم المتدني، وكلما كان النظام التعليمي أكثر نجاحاً في تحقيق هذا كلما أصبحت مهمة المجموعات الراديكالية في تشجيع المحرومين على رفض وضعهم المتدني أكثر صعوبة. وبناء على هذا فإنه ينبغي علينا ان ننظر إلى النظام التعليمي للإجابة على جزء من مشكلة التوقعات.

ان الدلائل تشير إلى انه ومنذ عمر مبكر نسبياً، يعلم أفراد الطبقة الدنيا لتضييق آفاقهم الاجتماعية، وهكذا فان اختيار مجموعة المرجع المناسبة لأغراض المقارنة يمكن ان تتبع عندما يصبح الأطفال يافعين، وفي هذا الوقت سيكون الأطفال قد تلقوا تدريباً لا بأس به في فن التغاضي عن رؤية الأكثر حظوة لأغراض المقارنة مع أنفسهم.

وبالطبع يمكن ان يكون تبسيطاً كبيراً لمسألة مقعدة، الزعم بان التعليم لأفراد المستقبل في الطبقة الدنيا قد صمم بطريقة صريحة لتشجيع مواقف الخضوع والإذعان. ان التكييف الاجتماعي الرسمي بواسطة المدارس يمكن ان لا يكون بأي حال من الأحوال كافياً لتحقيق القبول الطوعي للمنزلة الدنيا وما يترتب عليها من امتيازات قليلة. وعلى ضوء ما سنناقشه لاحقاً فانه لا يزال يوجد قدراً كبيراً من التوتر الاجتماعي في النقطة التي يتقلد فيها المجتهدون الجدد من الطبقة الدنيا لوظائفهم، كذلك فانه يمكن ان يكون مبالغاً فيه الزعم بأن النظام التعليمي المعتمد على مبادئ الانتقائية العالية يقدم تدريباً رسمياً مصمماً بطريقة واعية لتقديم مستوى سياسي مرغوب فيه ومحدد من التوقعات. كذلك فانه وعلى أي مستوى، من المستبعد ان يظهر شيئاً من هذا القبيل في المناهج الدراسية المقررة في المدارس وبصورة مباشرة.

ان معظم التدريب والتثقيف الاجتماعي ذو الصلة بهذا الموضوع يمكن ان يحقن بالأطفال بطريقة غير رسمية أو منتظمة. كما انه يجب علينا ان لا نغفل أمراً هاماً وهو ان الصغار عادة ما يكونون واعون جيداً للمنزلة الاجتماعية للأنواع المختلفة من المدارس وصلتها بالنظام الوظيفي أو التعليم الجامعي، ان حقيقة ان يختار شخص ما لنوع معين من المدارس دون سواه يعد بحد ذاته عاملاً قوياً في إحباط أو توسيع دائرة الطموحات المستقبلية، وهذا يعني ان وجود نظاماً تعليمياً انتقائياً له روابط وثيقة وواضحة بالنظام الطبقي والوظيفي هو بحد ذاته كافياً لتعزيز نوع ما من التكيف التوقعي للأدوار والامتيازات المستقبلية للفرد.

وبالطبع فانه ليس لكل المجتمعات الصناعية أنظمة تعليمية مصممة بشكل أو بآخر لإعداد القطاعات المختلفة للمراكز المختلفة في هرم الامتيازات.

ج- على الرغم من انه من المنطقي الادعاء ان المواجهة مع حقائق عدم المساواة هي عادة ما تكون أكثر إزعاجاً بالنسبة لمخرجات أنظمة التعليم غير الانتقائية فاننا لا نستطيع التنبؤ بتطبيقاته السياسية، فحتى عندما يتم اعداد الصغار للمكانة الدنيا فانه عادة ما تكون ردود الفعل ذات الطابع غير السياسي أكثر شيوعاً من التفسيرات المنصبة على المركز الاجتماعي، وعلى أية حال فان جهات عديدة غير النظام التعليمي مسؤولة عن رفع أو خفض الآفاق الاجتماعية للشباب ومنها تأثيرات الأسرة والمجتمع، ففي المجتمعات التي تحاول قطف المواهب من الطبقة الدنيا وخاصة من خلال النظام التعليمي، فان الأسرة والمجتمع عادة ما تلعب دوراً غير بناء نوعاً ما، وبالتحديد يد فان آباء الطبقة العاملة عادة لا يشجعون الطموحات البعيدة بين ذراريهم في المدرسة أو في نطاق العمل. وعلى العكس من المدارس غير الانتقائية فانهم لا يشجعون صغارهم على ترسيخ طموحات يمكن ان تتحول لاحقاً إلى آمال زائفة حول فرص وامتيازات المستقبل. كذلك فانه يوجد معين لا ينضب من التجربة الاجتماعية في الطبقة الدنيا والتي تستخلص عادة من الخبرة الشخصية وتعزز دوماً من خلال إدراك ان غالبية المولودين في الطبقة الدنيا سيبقون فيها، فالتقدم الاجتماعي لدى هؤلاء قد لا يكون طموحاً اجتماعياً واقعياً على الأغلب كما ان الصغار لم يتدربوا على الحرص عليه في أسرهم. وهذا يعني ان نظام القيم للمحرومين ينزع إلى تثبيط أو منع الحركة للأعلى للعديد من الذين يمتلكون مؤهلات النجاح في وظائف القبة البيضاء (الإدارية).

د-  ان أحد العيوب الرئيسية للنظام الطبقي ان المظلة الواقية التي تضعها الطبقة الدنيا لنفسها تصبح غطاء لكافة أفراد المجتمع بما في ذلك الآخرين الذين لا حاجة لهم بها. كما ان أفراد الطبقة العاملة لا يمتلكون وسائل معتمدة لإظهار الطموحين جداً ومن ثم تكييفهم بشكل مغير بهدف إعدادهم للمراكز التي تتناسب مع قدراتهم، ان تخفيض الطموحات للتوافق مع خبرات الشباب حول بنية الامتيازات تشكل جزءاً من التطبيع الاجتماعي الذي يعطي لكل فرد، فالطموح لا يزدهر بسهولة في جو ملئ بالتحذيرات ضد الخطر الذي قد ينتج عن الطموحات الكبيرة، ولهذا، فان جهود المدارس لإقناع الأطفال الموهوبين من الطبقة الوسطى حول الفرص المتاحة لهم يتم تحييدها باستمرار من خلال الدلائل المثبطة التي تطرح من قبل الأقارب والأصدقاء. وحتى الآن ومع التأثيرات الناتجة عن الجهود التي تبذلها المدارس لدى أطفال الطبقة العاملة الموهوبين، فإن نظرة الطبقة العاملة للفرص المحدودة تصبح عملية تنبؤ تهدف إلى إرضاء الذات. وهذا يعني ان الاعتقاد بالنظام الطبقي كنظام مغلق هو أحد العوامل التي تجعله كذلك. ومن الجدير بالذكر ان هذا الاعتقاد متجذراً التقييم الواقعي للموقف وحسب تأثيراته على غالبية أفراد الطبقة العاملة والذين يمثل لهم نظاماً طبقياً مغلقاً. ولكن إذا ما كان نظام القيم وبخاصة لدى الطبقة العاملة يميل إلى طمس الموهوبين وغير الموهوبين على السواء، فكيف يكممننا ان نفسر حقيقة الحركية للأعلى؟

ان عملية الغربلة وقطف المواهب ناجحة جزئياً على الأقل للآن، كما أن الإجابة على هذا السؤال قد وردت إلى حد ما سابقاً عندما تكلمت عن الطبقة الوسطي المغمورة. لقد بينت في حينه ان الأطفال الطبقة العاملة الناجحين غالباً ما يأتون من أسر لم تدمج في حياة وصلب مجتمع الطبقة الوسطى المغمورة، ولقد بينت في حينه أن أطفال الطبقة العاملة، والتي غالباً ما تتمسك بخط حياة الطبقة الوسطى. ان الأطفال من هذا النوع من الخلفية الاجتماعية قد لا يتعرضون كلية إلى القيم المثبطة للإنجاز في قطاع الطبقة الدنيا، كما ان تعريفات أسرهم للحقيقة الاجتماعية الموضعة من آباءهم يمكن ان لا تتصادم مع تعريفات المدرسة لها وفي ظل غياب الاتجاهات السلبية والمواقف المعيقة للنجاح وتحقيق الفرص فإن النظام التعليمي يصبح أكثر تحرراً في قطف المواهب لمصلحة الحركية الاجتماعية للأعلى. وإذا ما بادر المجتمع لشحذ الأفراد وتشجيعهم للتمسك بقيم الإنجاز والنجاح، فان استغلال المواهب يمكن ان يزداد، ولكن على حساب خلق احباطات خطيرة بين المتفوقين، ففي الولايات المتحدة والتي ذهبت شوطاً أبعد من أي مجتمع آخر في ترسيخ تقاليد الإنجاز، نجد ان توترات اجتماعية حادة تحدث في المستويات الدنيا من هيكل الامتيازات. وهذا وضاح جلياً في النسبة العالية جداً من الحوادث والظواهر الاجتماعية السلبية، والتي تشمل، القتل والانتحار، والأمراض العقلية، والإدمان على المخدرات والكحول، وانحراف الأحداث، وسرقات الصغار، والجريمة المنظمة.

لقد حدثت معظم هذه الظواهر بنسبة عالية بين المحرومين، وهذه بلا شك تعكس التوترات الخطيرة الوثيقة الصلة بالمكانة الاجتماعية الدنيا في مجتمع يركز بدرجة كبيرة على تكريس الإنجاز والكسب المادي.

وعلى ضوء هذه المناقشة فيمكن لنا ان نتوقع ان تكون هذه التوترات حادة بشكل واضح ما بين المجندين الشباب للمراكز الدنيا، لأن الشباب يعدون الأكثر تعرضاً لمفاهيم وقيم الإنجاز. وفي أي مجتمع طبقي فانه عادة ما يوجد توتر ملحوظ في النقطة التي يكون فيها المجندين الجدد من الطبقة الدنيا قيد الاعداد لملاءمتهم للمراكز المأمولة لهم. وكما أسلفت فان سلاسة هذا الطريق ستعتمد وإلى درجة كبيرة على الأعداد الأسري والتعليمي والاجتماعي المسبق الذي تلقاه الشباب. ولكن وحتى في دول مثل بريطانيا والتي يتم فيها تخفيض توقعات شباب الطبقة الدنيا بشكل منظم فان اندماجهم في النظام الاجتماعي لا يزال يمثل مشكلة مستعصية. وان أكثر المؤشرات الواضحة الدالة على ذلك هي زيادة انحراف الإحداث، وجرائم الصغار، والتخريب المتعمد الموجه ضد الممتلكات العامة، وأنواع معينة من العنف بين المراهقين الذكور في مجتمعات الطبقة العاملة في المدن. وهذا النوع من النشاطات يحدث بالضبط في تلك المرحلة من دورة الحياة والتي تكون عندها حقائق عدم المساواة في أشدها. وأعني بذلك في نقطة الدخول إلى سوق العمل اليدوي.

ان معدلات الانحراف قاربت ان تصل إلى ذروتها وبخاصة في السنة الأخيرة من الحياة المدرسية في بريطانيا. فعندما رفع سن ترك المدرسة من (14) إلى (15) سنة فان سن الذروة للانحراف تغير أيضاً. ومن صحيح القول ان الظواهر الاجتماعية السلبية والتي عبر عنها بمستوى الانحراف هي مخرجات عوامل اجتماعية معقدة، وتشمل البيت والتجربة الأسرية، وتأثيرات المجتمع والرفاق وطبيعة تركيب الشخصية وغيرها. ولكن إذا ما سلمنا بصلة هذه العوامل ببعضها بعضاً فانه يجب علينا ان لا نتجاهل النقطة الجوهرية وهي ان جزءاً من أولئك الذين يرتكبون أفعال الجنوح هم من الوسط الاجتماعي والذي يحتل مركزاً حساساً وعالياً في النظام الطبقي. وربما يكون من الأمور الرائعة والاستثنائية إذا ما قبل أولئك الأفراد الذين يختارون بشكل دائم لحياة متواضعة ذات امتيازات قليلة مراكزهم برضى كامل. وهذا يمكن أن يكون دلالة على نظام فائق الكفاءة للتطبيع الاجتماعي المسبق. والتي معظم المجتمعات الصناعية غير قادرة على إيجاده، وذلك بسبب الحاجة إلى تمجيد فضائل الإنجاز. وبهذا العمل فانها أنتجت نظاماً طبقياً تعد المكانة الدنيا عبارة عن عقوبة أو تجربة قاسية بشكل خاص. ونظاماً يحاول العديد من الناس تخفيه وتلطيفه بوسائل غير شرعية أو من خلال الهجوم الرمزي على النظام الاجتماعي.

د- وعلى الرغم، من ان عددا ًمن النشاطات التي وصفت على انها منحرفة أو جنحوية فانها يمكن ان ينظر لها على انها ردود فعل لضغوط المكانة الدنيا، وهي عبارة عن ردود فعل لا تتضمن تحدياً حقيقياً لهيكل الامتيازات في المجتمع. وعلى الرغم انه من المنطقي تفسير اعتداءات المراهقين والعنف وما شابه كنوع من الغضب على النظام الاجتماعي فانه من جانب آخر نوع من السلوك غير العقلاني لأنه لا يوجد له أي تأثير مباشر على الظروف التي أنتجته أصلاً. ولذلك فانه يخدم في تعزيز وليس تفويض الأسس السياسية لعدم المساواة. وبالطبع فانه يوجد طرق عديدة للاستجابة وتكيف مع احباطات  المكانة الدنيا والتي لا تعد انحرافاً بالمفهوم الاجتماعي أو السياسي.

وان أحد هذه الطرق التي يشار لها باستمرار هو القبول بالتعريف الديني للحقيقة، والآن سأتطرق بإيجاز إلى العلاقة ما بين الذين وشعور عدم المساواة وأهميته في النظام الاجتماعي.

10.            أثر العامل الديني والتطرف السياسي على الاستقرار (دراسة حالات):

أ – تلعب المؤسسات الدينية الرسمية في معظم المجتمعات الطبقية دوراً مهماً في توطيد الاستقرار، لأن المعتقدات الدينية لها أهمية خاصة بين الطبقات الاجتماعي الدنيا، كونها غالباً ما تقدم للمحرومين نظاماً للقيم بديلاً لنظام القيم الموجود في الحياة، وهذا النظام يتم فيه عادة إلغاء أو عكس الأولويات الدنيوية. وبمعنى آخر، فان المؤسسات الدينية غالباً ما تلعب دوراً مشابهاً لذلك الدور الذي تلعبه الحركات الثورية من خلال محاولتها إيجاد نوع من التوازن ما بين الظروف المعنوية والمادية للحياة ولكن بأسلوب مختلف، فالحركات الثورية أو الراديكالية تعمل على رفع توقعات الطبقة الدنيا ومن ثم تكييف وتعديل النظام المادي طبقاً لهذه التوقعات. وفي هذا الإطار فإن المؤسسات الدينية الرسمية غالباً ما تنتهج نوعاً مشابهاً لهذا التقرب ولكن من خلال العمل على تخفيض الرغبات المادية والاجتماعية للطبقات الدنيا لتتوافق مع الهيكل العام للامتيازات السائدة. ان دور الأجهزة الدينية في ترويض الأفراد للقبول بنصيبهم من خلال التحويل الرمزي للعالم كان حاسماً وبصفة خاصة في المجتمعات التقليدية المحافظة، وفي ظل غياب قوة الدولة المركزية وضعف وسائل الضبط والإكراه المادي للقبول بنظام الامتيازات أو تخلي رجال الدين عن دورهم في ترويض الأفراد للقبول بنصيبهم أو سيرهم باتجاهات معاكسة لرفض الواقع فإن العديد من الأنظمة السياسية ستواجه مأزقاً خطيراً في الضبط الاجتماعي. ان سيادة معتقد واحد في مجتمع من المجتمعات يساعد على التقليل من حدة الفروق الطبقية مهما كانت نظرة الأفراد نحو الحياة،كما انه قد يصبح وسلة متقدمة للضبط الاجتماعي وحتى الآن فان استغلال النوازع الدينية في هذا السياق تعد بشكل عام مطلباً لأولئك الذين يدعمون الترتيبات الراهنة للامتيازات والقدرة ويحرصون في الإبقاء عليها. وفي الإطار السياسي، فان التطبيقات السياسية للدين وحتى في المجتمعات الغربية التي تفصل ما بين الدين والسياسة هي حقاً هائلة، وبخاصة عندما يتضمن الإيمان بأن المعاناة الدنيوية وقسوة العيش ليس إلا فترة مؤقتة قبل الانتقال إلى النعيم المقيم في الآخرة.

ب – ان العلاقة ما بين الدين وعدم المساواة في المجتمعات الصناعية معقدة جداً وذلك بسبب تزايد المعتقدات، وما رافقها من علمنة للأجواء الدينية السابقة. ان توسيع دائرة التوقعات إلى حياة أخرى لأغراض الضبط الاجتماعي فقط، لا يمكن إنجازها بسهولة في مجتمعات يزداد فيها التمسك بالتفسيرات العلمية والعقلية للحقيقة، وكما هو الحال بالنسبة للمجتمعات الغريبة. كما يلاحظ ان الصلة بالأجهزة الدينية الرسمية هي أقوى بين أعضاء الطبقة المهيمنة منها بين أعضاء الطبقات الأخرى. في حين ان ارتباط الطبقات الأخرى بالدين يتم غالباً خلال وسائل وتنظيمات تختلف بشكل كبير في مفاهيمها عن المؤسسات والتنظيمات الدينية للطبقة المهيمنة. ويبدوا أنه في إطار نظام طبقي يردفه وضع شرعي تقليدي تصبح الاهتمامات الدنيوية للأفراد مقموعة بشدة بحيث لا يمكن ترويضها اعتماداً على الأسس الدينية فقط. ولهذا السبب فاننا نجد ان الطبقية في نظام الحياة في المجتمعات الغربية غالباً ما تنعكس ولو بشكل غير كامل في مستويات النظام الديني. وعلى هذا وعندما يكون أفراد الطبقة الدنيا متمسكين بتعاليم دينية مختلفة عن تلك التي تلتزم بها الطبقة المهيمنة، فانهم سيكونون غير خاضعين لنفس النوع من الضوابط الأخلاقية والقيمة.

ج- ان الدراسات التي أجريت في بعض الدول الأوروبية أفادت ان الطوائف الدنية المعتمدة على الطبقات الدنيا غالباً ما كانت غير منسجمة مع المؤسسة الدينية المهيمنة وفي بعض الأحيان معادية للنظام الاجتماعي ككل، ولم تكنن هذه الطوائف الدينية المعتمدة على الطبقات الدنيا توافق بالضرورة على القواعد التي تحكم عدم المساواة الموضعة من المؤسسة الدينية المهيمنة. علماً أنه كان يزعم باستمرار أن هذه المؤسسة تفعل ذلك بطريقة غير مباشرة وذلك من خلال توجيه طاقات المحرومين نسبياً إلى نشاطات لا يمكنها أحداث أية تغييرات في بنية الامتيازات لمصلحة الطبقة الدنيا.

والخلاصة ان المعتقدات والممارسات الدينية في كثير من الأحيان تمكن المحرومين من التكيف النفسي مع الصعوبات الاجتماعية التي تواجههم، وهذا قد يساعد على إجراء عمليات معالجة وإصلاح سريع للضحايا والضحايا المحتملين للنظام الطبقي، ولكن لا يفعل شيئاً لتغيير النظام نفسه.

ان هذا الدور للمؤسسات الدينية الرسمية في تشجيع التحويل الرمزي للحياة الدنيا بدلاً من التحويل المادي لها، هو ما يركز عليه الذين يفسرون الدين كوزن مضاد للراديكالية السياسية. وعلى سبيل المثال فان عدداً من المؤرخين وعلماء الاجتماع قد فسروا الاستقرار السياسي النسبي للمجتمع البريطاني في القرن التاسع عشر اعتماداً على هذه الاسس، فقد ادعى كل من هاليفي Halevy وهوبزبون Hodsbawn  وتومبسون Tompson ان أحد الاسباب الهامة لغياب الانتفاضات الثورية في بريطانيا مقارنة مع الأمم الأوروبية الأخرى هو انتشار الديانة البروتوستنتيه ذات الصبغة التحررية وبخاصة الكنيسة الميثودية ( المنهجية) بين الطبقة العاملة الإنجليزية.

كذلك فقد ادعوا بأنه لولا ذلك لكان من الممكن ان يستجيب العمال بطريقة أكثر راديكالية للصعوبات الشخصية والاجتماعية الناتجة عن التحديث الصناعي السريع، وفي الحقيقة، فيما إذا كانت الكنيسة المنهجية في بريطانيا قد لعبت دوراً سياسياً مهدئاً والذي غالباً ما نسب لها، لا يزال مسألة جدلية بين المؤرخين . كما ان المشاكل العامة للعلاقة السببية بين الدين والتطرف أو عدمه هي مشاكل لا زالت مثار اهتمام لعلماء الاجتماع.

د- ان معظم الدراسات حول موضوع الدين في المجتمعات الغربية يبدو أنها تؤيد فرضية مقاومة الدين للاتجاه الثوري. ان دراسة رايد نفلت حول الشيوعية في السويد هي قضية في صميم هذا الموضوع. فتفسيره لنظرية الجذب المعاكس بين الدين والتطرف السياسي والذي اعتمد على مقارنة مقاطعتين متجاورتين في شمال السويد كانتا تواجهان صعوبات اقتصادية ومادية متشابهة. لقد وجد رايد نفلت Rydenfelt  ان إحدى هاتين المقاطعتين قدمت دعماً قوياً للحزب الشيوعي في حين انه في المقاطعة الأخرى لم يكن للصوت الشيوعي أي وجود ذا قيمة(6). لقد كان لهذه المقاطعة توجهاً تقليدياً قوياً نحو الاحياء الديني ويعود هذا التوجه إلى القرن التاسع عشر، لقد أدعى رايد نفولت أن سبب عزل العمال عن الشعارات الشيوعية كان ظهور الطوائف الدينية الأصولية، إذ كان كل من الاتجاه الديني والشيوعيون يتنافسون على نفس الأشخاص لذلك فان العمال الذين التحقوا بحركة الاحياء الديني فقدوا من حركة العمال، وهذا ما جعل العمال والاشتراكيون ينظرون إلى جماعة الاحياء الديني كرجعين وأعداء، كذلك فقد عزى روبرت بلونر Rodert Blauner  فشل منظمات العمال الراديكالية في الانتشار بين العمال البيض في جنوب الولايات المتحدة أيضاً إلى أثر الدين كعامل جذب مضاد. لقد كانت فترة التصنيع السريع في جنوب الولايات المتحدة هي الفترة التي ازدهرت فيها الطوائف البروتستنتية وبشكل واسع، وكرد فعل للقلق والاضطرابات الاجتماعية والتي عادة ما ترافق عمليات التحول السريع من الحياة الريفية إلى الحياة الصناعية. لقد ادعى بلونر ان السرعة التي تحول فيها العمال إلى الحلول الدينية لمشاكلهم قد قوضت وبدرجة خطيرة أسس وتنظيم ونشاطات اتحاد التجارة. لقد وجد أيضاً ان من الصعوبة المبالغة جداً في دور الدين كآلية ساعدن قوى العمل للتكيف مع ظروف حياتهم المتغيرة، وبالتالي عملت على إعاقة تطور الحركات المتطرفة. ومن الجدير بالذكر انه ليس المؤرخين وعلماء الاجتماعي فقط الذين أثاروا مسألة التنافس ما بين المؤسسات والجماعات الدينية وبين الحركات السياسية لكسب عقول وقلوب الطبقة الدنيا، لقد ناقش ريتشارد نيبور Richaed Niebuhr  قضية مماثلة وقد توصل في تقييمه، انه حينما يكون الدين والسياسات المتطرفة في تناقض فان السياسات المتطرفة غالباً ما يكون حظها أوفر في النجاح بين الطبقة الدنيا، لأن الحلول التي يطرحها هؤلاء أكثر ملائمة للمحرومين مادياً(7) وهكذا بدلاً من ان يكون الدين ذا أثر معاكس للروح الثورية فان التدين بحد ذاته تم إضعافه من خلال قوة الجذب الكبيرة لمنظمات صممت أصلاً للمطالبة بتحسين الظروف الراهنة والمستقبلية للأفراد. أن النتائج التجريبية للعلاقة ما بين التطرف والدين قد عززت وجهة نظر نيبور. لقد أكدت المسوحات التي أجريت في كل من بريطانيا وفرنسا وهولندا الإدعاء بأن أفراد الطبقة العاملة هم أقل ميلاً للتدين أو ممارسة الشعائر الدينية من أفراد الطبقة المهيمنة. وان مساندي وأنصار الأحزاب الاشتراكية كانوا أقل ميلاً للتدين من أنصار اتجاه اليمين أو الوسط(8)، وعلى النقيض من فرضية الاتجاه المضاد للثورة فان هذا يدعي بأن شظف العيش والظروف السيئة هي التي تساعد على ترسيخ الحركات المتطرفة بين الطبقة الدنيا وتقلل من قوة الجذب للخيارات الدينية المطروحة. كما انه يجدر الإشارة إلى ان الحركات الدينية تكون أكثر حظاً في النجاح في المواقف التي تكون المنظمات العمالية المتطرفة لم تترسخ قواعدها بعد، ولكن هذا ليس إلا مجرد تكهن ويحتاج للمزيد من البحث والدراسة. وفي الحقيقة، فانه لا زلنا نعرف إلا القليل نسبياً عن الظروف العامة التي تشجع مجموعات الطبقة الدنيا لتبني الخيارات الدينية أو الخيارات السياسية المتطرفة، وعلى فرض أن كلا الخيارين متوفراً وله مطلق الحرية في العمل. فانه يمكن الافتراض ولو فيه بعض التسرع، بأن أولئك الذين جذبوا نحو الحركات الدينية فقد فقدوا من الحركات السياسية المتطرفة، كما يمكن اعتبار ان هذين النشاطين كبدائل تؤثر في بعضها بعضاً. ان العديد من أفراد الطبقة الدنيا الذين انجذبوا نحو التدين كانوا يبحثون عن الخلاص والفرج الاقتصادي والمادي. ان الطمأنينة الروحية والدعم النفسي هي مطلب للجميع إلا ان ذوي الأمراض المزمنة، وذوي الإعاقات وكبار السن الذين يعانون من العزلة، وكذلك الأفراد الذين يعانون من أشكال مختلفة من عدم الاستقرار النفسي أو العاطفي أشد حاجة له. وبالنسبة لأفراد الطبقات الدنيا المحرومين نفسياً وليس مادياً فإن التوجه نحو التدين يكون قوياً بدرجة مميزة وخاصة بالنسبة لعدد من المفاهيم والمعتقدات التي تدمج الشفاء بالإيمان والتي تقدم متنفساً للتغير عن العواطف المكبوتة.

ان النشاطات السياسية من الصعوبة بمكان ان تقدم كبدائل عملية لأفراد الطبقة الدنيا الذين يقعون تحت هذا التصنيف. ان الجماعات الدينية التي تظهر وتنتشر بحرية بين الجماعات المحرومة غالباً ما تجذب أولئك الأشخاص الذين لا ينخرطون في العمل السياسي. ومرة أخرى فان النظرة للدين والتدين على أنه انما يكون دعامة لعدم المساواة والاتجاه السياسي المحافظ لا يمكن ان يعكس بدقة نشاطات جميع التوجهات أو المؤسسات الدينية في كافة المجتمعات ففي الكثير من الحالات فقد كونت المؤسسات الدينية ورموزها وقادتها رأس الحربة لحركات هدفت لتحسين ظروف حياة الطبقات الدنيا، كما ان المؤسسات الدينية كانت في معظم الأحيان تمثل بؤرة تنظيمية لحملة الحقوق المدنية. وقد يعزى هذا الأمر جزئياً إلى انه إذا لم يكن من السهل إنشاء المنظمات السياسية في الظروف القمعية فإن المؤسسات الدينية تصبح نقاط استقطاب طبيعية للنضال ضد عدم المساواة. ان الدلائل هنا تشير إلى ان الاتجاهات الدينية يمكن ان تنحى نحو التطرف السياسي في ظروف معينة وبخاصة عندما لا يكون هناك أية متنفسات سياسية رسمية أخرى للتعبير عن المظالم المادية.

هـ- ان حقيقة ان الدين والتطرف السياسي ليس بالضرورة ان ينظر لهما على انهما متناقضان، وقد جل عليه ميل العديد من العمال في بعض الدول الكاثوليكية مثل إيطاليا لمناصرة الحزب الشيوعي من ناحية والتمسك بممارسة الشعائر الدينية من ناحية أخرى. ومن الجدير بالذكر ان الاتجاه الديني مفتوح للتفسيرات المتطرفة سياسياً من قبل مجموعات الطبقة الدنيا في السلم الاجتماعي، وحتى في المجتمعات التي تهيمن عليها المؤسسات الدينية الرسمية، فان الضوابط القيمة التي تضعها الطبقة المهيمنة لضبط الطبقة الدنيا، يمكن وإلى حد ما تقييدها من خلال التغييرات المنتظمة في تفسير وتأويل التعاليم الدينية.

ومرة أخرى فان دعم العمال الكاثوليك للشيوعية يوحي إلى قدرة الفرد على تجزئة معتقداته، أو اعتناق معتقدات قد تكون متضاربة، بحيث ان ما يمكن ان يبدو منطقياً، أو مغيراً للمنطق في النظرية والفكر، قد لا يفسر أو يطبق على حقيقته في معظم الأحيان.

11.            العلاقة ما بين الحرمان والإيمان بالحظ والمصادفة:

أ- وفي هذا المجال، قد يكون من المناسب القول انه في المجتمعات الصناعية الحديثة فان الأشكال الأخرى للنشاطات العلمانية لا تقل أهمية عن البدائل الدينية بالنسبة للتطرف السياسي، فالمراهنات على سبيل المثال تقدم أحد تلك الأشكال من التخفيف وشعور الفرج، وتكمن الأهمية الاجتماعية للمراهنات في الأمل الذي يبدوا انها تبثه في المحرومين نسبياً من خلال إمكانية أحداث تحسين سريع وفوري في حظهم.

ولقد وجدت الدراسات التي أجريت في بريطانيا، ان الجزء الذي يخصص من الدخل للمراهنات واليانصيب يزداد مع كل خطوة نخطوها للأسفل في هرم الامتيازات. وعلى هذا فانه ضمن القطاعات الأكثر فقراً من السكان نجد ان الجزء الأكبر من الانفاق يخصص لهذه الغابات. وهذا يوحي بأن المراهنات لها أهمية خاصة لأولئك الذين لديهم حظاً أقل في الحصول على أشباع مادي من خلال جهودهم الوظيفية. ان المحاولات الدائمة لعكس النصيب الاقتصادي من خلال عملية الحظ يمكن ان تفهم على انها مؤشراً لتخفيف أثر الحرمان النسبي، وكما وصفها تالكوت بارسونز Talcott Parsons تقوم المراهنات بوظيفة هامة لقطاعات عديدة من السكان شبيهة جداً بوظائف السحر، وفي مجال تهدئة التوترات المتعلقة بالظروف الاقتصادية فانها قد تعد آلية للتعبير وكذلك لتخفيف التوتر، وإذا ما تم غلق هذا المتنفس كلية فانه يمكن ان يتحول إلى قنوات غير وظائفية وضارة (9).

وبدون شك فان احد القنوات غير الوظائفية والضارة التي كانت في ذهن بارسونز هي شكل من أشكال المعارضة للنظام السياسي والاجتماعي. ان الأفراد الذين يعتقدون اعتقاداً تاماً وحازماً باحتمالية تغيير التوزيع المادي من خلال الصدفة والحظ، يمكن ان يكونوا أقل ميلاً للضغط لأحداث تغييرات في القوانين التي تحكم التوزيع المادي للثروة، وفي هذا المجال فان المعتقدات الدنيوية التي تصب في هذا الاتجاه ذات أثر مضاد للتغيير. ان المدى الذي تعيق فيه تفسيرات المحيط الخارجي المعتمدة على الصدفة والحظ التوجهات الاجتماعية المتطرفة لا زالت أيضاً مسألة قابلة للنقاش ولم تبحث بشكل منظم. وكل ما تستطيع قوله في هذا المجال، انه يبدوا وجود تعارض فكري ومنطقي بين النظرتين، ومرة أخرى علينا ان نتذكر بأن الفرد لديه القدرة على حمل قيم ومعتقدات متضاربة بشكل واضح إلى تلك الدرجة التي قد تكون مفاجئة لأولئك الذين يحملونها.

ب- ان تفسير الحقيقة الاجتماعية بلغة الصدفة أو التدخل الخفي للقدر أمراً شائعاً بين المجموعات والأفراد الذين لا يكون لهم الا سيطرة قليلة أو لا سيطرة على محيطهم الخارجي. ولمزيد من التوضيح فان الطبقة الدنيا هي على الأرجح في موضع المتلقي لقرارات الآخرين وليس في موضع اتخاذ القرارات، وهذا مما يزيد من شعور أفرادها الأقل فاعلية في محيطهم هم الأكثر عرضة للنظر للمحيط الاجتماعي بأنه محكوم بقوى خفية خارجية عن نطاق سيطرتهم. هذا بالنسبة للطبقة الدنيا، أما بالنسبة للطبقات الأخرى الأكثر حظوة والذين لديهم سيطرة أكبر على محيطهم الاجتماعي فان الاعتقاد بالحظ والصدفة والمفاهيم المرتبطة بهما أقل شيوعاً. وأخيراً فان المجتمعات التي يوجد فيها فوارق طبقية كبيرة والتي تعد فيها عدم المساواة غير مقبولة اجتماعياً أو دينياً أو أخلاقياً للجميع، فان العلاقة ما بين نظام القيم والأنظمة المادية لا تزال مشكلة مستعصية.

12.            الخلاصة:

أ – ان الفوارق الطبقية الحادة تعد مظهراً لعدم التوازن الاجتماعي ومصدراً محتملاً لعدم الاستقرار في المجتمع. ان تدني مستوى المعيشة بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة أو بسبب سوء توزيع الثروة والامتيازات تؤدي إلى هبوط أعداد كبيرة من الطبقة الوسطى والتي تضم القوى العاملة الماهرة ومعظم القوى العاملة في المراتب الإدارية المتوسطة في أجهزة الدولة المختلفة والتي يعتمد عليها أمن الدولة الداخلي والخارجي، إلى الطبقة الدنيا. مما ينتج عنه اختلال البناء الاجتماعي ويساعد في ظهور بؤر التوتر وعدم الاستقرار في المجتمع.

ب- ان عملية التوازن الاجتماعي تؤسس عادة على عمليتين اجتماعيتين مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً ببعضهما بعضاً وهما كيفية الاختيار للمراكز المختلفة في النظام الاجتماعي وأسلوب توضيع الامتيازات المتعلقة بهذه المراكز. ان عدم المساواة في توزيع الامتيازات والمكاسب أو الاختيار السيء للمراكز المختلفة في النظام الاجتماعي يعد دوماً مصدراً محتملاً لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

ج- يواجه الجهاز الحاكم عادة مشكلة خطيرة في السيطرة  الاجتماعية على الطبقات الدنيا إذا اختلت الموازين، لقد لجأت المجتمعات لحل هذه المشكلة بطرق مختلفة فمنها من لجأ إلى الطريقة المباشرة والمتمثلة باستخدام القمع والإكراه للمحافظة على توزيع الامتيازات، بينما لجأ البعض الآخر إلى كسب عقول وعواطف الشعب، لذلك فان أحد الأهداف الهامة لأية طبقة مهيمنة هي جعل القواعد التي تحكم توزيع هذه الامتيازات تبدو شرعية في نظرة عامة الشعب بما في ذلك الذين يحصلون على مكاسب قليلة. وكلما كان النظام السياسي والاجتماعي أكثر استقراراً كلما قلت الحاجة إلى اللجوء لوسائل الإكراه.

د- كذلك يوجد بعض الآليات الاجتماعية التي تسمح بقدر من التبادل بين الطبقات، وان ذلك يعتمد على درجة السيولة والانفتاح في النظام الطبقي. ان المرونة الاجتماعية للأعلى توفر طريقاً للهرب لاعداد لا بأس بها من ذوي القدرات والطموح والذكاء من الطبقة الدنيا، وبالتالي تعمل على تلطيف بعض التوترات الناتجة عن عدم المساواة.

 

الفصل الرابع

المراجع والهوامش

1.     Jihn Bonham, The Middle Class Vote, London- 1954/

2.     S.M Miller, " Comparative Social Mobility" Current Sociology No 1-1960.

3.     Harold. I, Wilensky And Hugh Edwards, The Skidders, "American Sociology Review (24) , April 1959.

4.     W. G. Runciman, "Relative Deprivation And Social Justice," London, 1966.

5.       Brian Jackson And Dannis Marseden," Education And The Working Class London, 1962.

6.     W. Phillips Davison, " Areview of Sven Rydenfelts Communism in Swedon, " Public opinion quarterly 18- Winter 1964-5. 

7.     H. Richard Niebuhr, " The Social Sources of Denominationalism New York -1929.

8.     Charles. Y. Glick And Rodney Stark. " Religion And Sociaty in Tension, " Rand Macnally. 1965.

9.     Talcot Parsons, " The Social System, " London= 1951.

 


الفصل الخامس

العوامل المؤثرة على تعثر التجارب القومية

وهشاشة النظم السياسية العربية

1.   المقدمة.

2.   البعد التاريخي.

3.   الاسقاطات التاريخية والاجتماعية وأثرهاعلى الأزمة السياسية العربية المعاصرة.

4. البعد الجغرافي (الصحراء) والبعد الاجتماعي (القبيلة) وأثرهما في منظومة القيم والعقل السياسي العربي.

5.   البعد الاقتصادي وأثره على الفكر السياسي العربي.

6.   ظهور البورجوازية الصغيرة ودورها السياسي في المجتمعات العربية.

7.   عوامل تعزيز الظواهر الانقسامية والولاءات الضيقة في المجتمعات العربية.

8.   الاستنتاجات.


العوامل المؤثرة على تعثر التجارب القومية وهشاشة النظم السياسية العربية

1.                                         المقدمة.

أ – في البداية يجدر الإشارة إلى ندرة المصادر العربية المتوفرة والتي درست المواضيع المتعلقة بأمراض وآفات المجتمع العربي والتي أعاقت التيارات القومية أو ساعدت على إخفاقها، علماً أن المصادر التي تطرقت لهذه المواضيع كانت في معظمها متحيزة وذات صبغة دعائية تجميلية وعملت على التعميم على هذه الأمراض أو إنكار وجودها ورما يعزى ذلك إلى الخطر المفروض على الحديث أو الكتابة حول مسائل مثل الطائفية أو الإقليمية أو العشائرية بذرائع عديدة منها الحفاظ على وجه المجتمع العربي النقي من هذه الشوائب أو إخفاء المرض عن المريض للحفاظ على معنوياته وتماسه، الأمر الذي ترك الباب مفتوحاً للباحثين الأجانب للأفراد في بحث ودراسة هذه الظواهر وتحليلها لمعرفة مدى قدرتها على التأثير في الساحة السياسية والفكرية العربية وذلك لاستخدامها لخدمة أغراضهم عند الحاجة. ان الحظر في البحث في هذه الظواهر المرضية في المجتمع العربي كان ملموساً بدرجة كبيرة في أوساط التيارات القومية والتي يفترض بها ان تكون أكثر دراية ومعرفة بالمجتمعات العربية التي تعمل بها، كما ان النخب القومية كانت تضم في جنباتها أعداداً من المثقفين والباحثين والذين كان يتوجب عليهم أن يعرفوا الثغرات والأمراض في مجتمعاتهم، وأن التعميم عليها وتجاهلها سيؤدي حتماً إلى استفحال أمرها لأحقاً بحيث لابد وأن تنفجر على شكل حروب أهلية أو حركات انفصالية أو حكم من خلال القاعدة الضيقة أو من خلال الولاء الطائفي أو الإقليمي أو العشائري. ان العديد من الدراسات التي قامت بها بعض الأنظمة أو الأحزاب القومية حول أمراض وآفات المجتمع العربي قد بقيت أيضاً طي الكتمان لم يطلع عليها سوى قلة من السياسيين أو المهتمين، وهؤلاء أغلقوا عليها في الأدراج أو حبسوها في الملفات المصنفة ولم يفعلوا شيئاً تجاهها، أو لم يكونوا قادرين على فعل شيء لمعالجة الأوضاع كون هذه الآفات كانت قد استحكمت واستوطنت في ثنايا المجتمع والفعاليات السياسية والحزبية وأجهزة الدولة المختلفة.

وفي هذا المجال، فان محمد جابر الأنصاري يتساءل في كتابة التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام عن أسباب عدم حدوث أي تحسن ول نسبي في المسلكية السياسية أو في مستوى الأداء السياسي والإداري والإنساني والحضاري للحكم الوطني الشعبي على مستوى الالتزام بأمانة الحكم والحق العام أو في نوعية التعامل مع المواطنين ديمقراطياً رغم التغييرات والانقلابات التي اجتاحت المنطقة العربية وسقوط العديد من الأنظمة وظهور جديدة وخروج الأجنبي، الأمر الذي أدى إلى وصول مواطنين من مختلف الفئات والطبقات والتشكيلات الاجتماعية الشعبية وكذلك عن أسباب اخفاق الإيديولوجيات والحلول والتجارب السياسية والأحزاب التي تسلمت الحكم والتي لم تحقق أي هدف قومي يذكر، هذا علاوة على فشلها في التفاهم فيما بينها وداخل الاتجاه الواحد على قاسم سياسي مشترك.

ويضيف الأنصاري في معرض حديثه عن هذه التجارب والممارسات أنه من باب الأمانة مع النفس أن نعترف بحجم الإحباط المتمثل في ظاهرة  تصارح العديد من المواطنين العرب فيما بينهم همساً ثم علناً بأن فترة الحكم الأجنبي أو التقليدي كانت أفضل بالمقارنة مع ما وصولا إليه بعد تجاربهم الوطنية والثورية خلال العقود الماضية، وهذا المفاضلة لا تقتصر على البعد السياسي فقط أي نوعية الحكم ولكن أيضاً تشمل البعد الإداري والتنظيمي المتمثل في كيفية إدارة الموارد والمؤسسات والمصالح العامة والمعاهد والبلديات وغيرها (1) وبعد هذه المناقشة يصل الأنصاري إلى أن القصور العربي الأساسي يتمثل وبشكل أساسي في نوعية وآليات السلوك الجمعي والتعاطي الجمعي العربي مع الموروث التاريخي والذي كان له تأثيراً كبيراً على نوعية التركيبة الاجتماعية العربية ونسيجها وإفرازاتها وترسباتها السائدة والمؤثرة ومنذ قرون وهذه التركيبة الاجتماعية المترسخة في الواقع نشأت من أبعاد جغرافية واجتماعية وتاريخية متشابكة ومعقدة وخاصة بالمنطقة العربية، ولها دور ضاغط على مستوى الفرد والمجتمع والأمة. وعليه تشخيص وتحليل هذه التركيبة الاجتماعية العربية ومعرفة جذورها وكيفية نشؤها والعوامل المؤثرة فيها بعمق لنتمكن من معالجتها بأسلوب علمي صحيح وهذا يفرض ان يبدأ علماء الاجتماع السياسي العربي بصياغة علم اجتماع سياسي عرب جديد، وأن ينطلقوا بأسلوب بحثي علمي منظم من حيث انتهى ابن خلدون مع الأخذ بالاعتبار، المتغيرات والتطورات المتسارعة التي تمر بها الأمة العربية في أواخر القرن العشرين وهذا يفرض فتح الملف التاريخي السياسي والاجتماعي العربي برمته ووضع كافة المعطيات تحت مجهر البحث والتشخيص العلمي أياً كانت طبيقة هذه المعطيات والنتائج المترتبة عليها.

2.                                         البعد التاريخي:

أ – بينما كانت العقيدة الإسلامية تنتشر والحضارة الإسلامية تزدهر والفتوحات تتلاحق والمعجزة التاريخية العربية تتحقق فانه على المسار السياسي كان هناك صراع داخلي انتحاري بين الفرق المتعارضة وداخل السلطة السياسية القائمة، كما حدث لقريش أولاً ومن ثم داخل الأسرة الأموية ذاتها وبين العباسيين والعلويين. فالأسرة الأموية تعاملت بالعنف الدموي مع المعارضة، وما ان جاءت الأسرة العباسية إلى السلطة حتى اتبعت هي أيضاً العنف الدموي مع الأمويين ، وما أن ينقضي وقت غير طويل حتى ينفجر الصراع الطويل داخل البيت العباسي نفسه، وما بين الأخوة الأمين والمأمون في مسلسل الصراع الطويل على السلطة. الأمر الذي أدى لاحقاً إلى استعانة المعتصم بالجند الأتراك لتعزيز مركزه ولكن ما ان مضى وقت قصير حتى بدأ هؤلاء الجند يتحكمون في الخلفاء ويمسكون بمقاليد القوة والسلطة، وبعد ذلك جاءت موجات من الغزوات التركية ذات الأصل الرعوي من أواسط آسيا وسيطرت على مراكز الحضارة العربية في دمشق والقاهرة وبغداد والذي استمر وحتى مطلع القرن العشرين. ان فترة عدم الاستقرار السياسي والصراع وهلامية الدولة في المنطقة العربية قد استمر لأكثر من ألف عام، وهذه الفترة كان لها تأثيراً كبيراً على نظرة العرب للدولة والحكومات وأمور السياسة بعامة، وحول هذا الموضوع فان المفكر العربي محمد جاب الأنصاري قد وصل إلى نتيجة مفادها ان تاريخ العرب والإسلام كان عبارة عن تسابق خطر ومدمر بين بناء حضاري وصراع انتحاري في السياسة والسلطة والدولة وأن من معجزات التاريخ في رصيد الإسلام والعرب كما يقول الأنصاري هو بقاء واستمرار كل هذا البناء والكيان الحضاري على قاعدة هذا الصراع السياسي الانتحاري (2).

ب – على الرغم من أن الحضارة العربية الإسلامية كانت تمثل وحدة عضوية واحدة فانها في المجال السياسي تجزأت إلى كيانات سياسية في وقت مبكر نسبياً ومن هنا فقد نشأ تناقض وازدواجية في الانتماء والولاء ما بين الانتماء العقيدي الشمولي الثقافي والحضاري الإسلامي، وما بين الانتماء والولاء السياسي الجزئي للكيان السياسي المحدد.

ومن هنا كانت بداية الازدواجية في الهوية العربية والنسيج الاجتماعي العربي بين انتماء لعقيدة وثقافة وحضارة وانتماء اجتماعي محدود لقبيلة أو طائفة أو منطقة معينة وانتماء لكيان سياسي قائم، وكنا يقول برهان غليون وهذا الولاء المتداخل والمتناقض تطور خلال مراحل تاريخية متعاقبة ولا يزال موجوداً للآن (3).

ان هذه الازدواجية وهذا التداخل قد صبغ الشخصية العربية حيث شكلها ضمن مزيج عجيب من القيم الروحية والعقيدة في الجانب الديني ومن القيم الثقافية والأدبية في الجانب العروبي ومن القبلية أو الطائفية الإقليمية في الجانب الاجتماعي والعصبية السياسية.

وأما في مال الفكر السياسي العربي فأن هذا الفكر ومنذ القدم لم يتمكن من بناء نظرية سياسية متكاملة وانما كان في معظمه تنظيراً أو تبريراً أو رفضاً سلبياً للأنظمة السياسية القائمة وبذلك فان الفكر السياسي العربي كان وصفياً أكثر منه فكراً تأسيسياً وتنظيمياً.

وفي هذا المجال فان الأنصاري يقول انه في مبادئ الإسلام السياسية مثل الشورى والبيعة وأهل الحل والعقد فان الفقه الإسلامي لم يكن في مستوى أو غنى فقه العبادات أو المعاملات رغم كون السياسية من أخر المعاملات في الحياة الأمة (4) وقد يعزى ذلك إلى القطيعة السياسية ما بين الفقهاء والمفكرين وما بين السياسيين، وكذلك عزوف واعتزال المفكرين عن الخوض في هذا المضمار الذي كان يضعهم في مواجهة مع الحكام المستبدين والذي كانوا يضطهدون المفكرين ويضعونهم في السجون أو يتم تصفيتهم.

وعلى ذلك فان مفاهيم الشورى وغيرها لم تؤطر على شكل مؤسسات سياسية مستقرة، وفيما عدا مؤسسة الخلافة وما تفرغ عنها من دواوين ذات طابع إداري تنفيذي فان الحياة السياسية للعرب والمسلمين في نطاق الدولة لم تشهد قيام أو الشرعية، وكان التعامل معها يأخذ طابع العنف والملاحقة والتصفية. وعليه فان وجود المعارضة في السياق السياسي العربي الإسلامي لم يكتسب اية صفة شرعية، وكان الميل دائماً باتجاه تصفية أي طرف معارض. ومن هذا فإن الباحث لا يلمس وكما يقول وحتى ما بين الأطراف المتقاربة أو حتى داخل الأسرة الحاكمة وكما ظهر داخل قريش أو داخل المؤسسة الأموية، وبقي صلاح الحاكم في الواقع أمراً مرهوناً بضميره ومرتبطاً بمدى استعداده الذاتي وغير مرتبطاً بأي تنظيم يمارس مهام الرقابة والمتابعة (5).

ج – ان المشكل السياسي الأول الذي ظهر ومنذ بداية نشوء السلطة السياسية في الإسلام وبعد وفاة النبي صلى الله وعليه وسلم، قد نتج عن السؤال الأول الذي طرح وهو من يحكم؟

بمعنى أية قبيلة أو عشيرة يحق لها ممارسة الإمارة ولم يظهر السؤال الأكثر أهمية وهو كيف نحكم؟ حيث نتج عن هذا التصور سلسلة من النزاع الدموي والتصفيات والفتن والحروب الأهلية بين المتنافسين على الحكم، وهذه غذتها دوماً الطبيعة الصراعية للعلاقات ما بين القبائل والطوائف والفرق في المجتمع العربي والتي جعلت هاجس الخوف من الفتنة يتقدم دوماً على فرص التسامح مع المعارضة والتي كانت بدورها أيضاً ميالة إلى التطرف والعنف، لا بل قد تكون سبقت السلطة في استخدام العنف في اغتيالها الخليفة عثمان بن عفان والأمام علي بن أبي طالب، الأمر الذي قد يكون حداً بالأمويين الذين استوعبوا الدرس كما يبدوا فبادروا إلى الفتك بالمعارضة أولاً، وهكذا انطلق تيار العنف والعنف السياسي المضاد من عقاله في علاقة السلطة مع المعارضة وضمن سياق التاريخ العربي الإسلامي ومنذ القدم. وهكذا، وبسبب هذه العوامل والظروف، فإن الخيار في وقاع الحياة السياسية العربية الإسلامية هو بين القبول بالاستبداد أو التعرض للفتنة وليس بين المفاضلة ما بين الاستبداد والحرية. ان هذا الاضطراب الذي شمل الحياة السياسية في الدول العربية الإسلامية ومنذ نشأتها يجب ان يرد في النهاية إلى خلفيته التاريخية والاجتماعية كما يقول الأنصاري، ولا يقتصر على الجدل الكلامي النظري بين دعاة الدولة ومعارضيها في الإسلام، وأن أساس المشكلة ليس في أن الإسلام لم يدع إلى إقامة دولة، فالإسلام دين ودولة وطبيعة تعاليمه وشريعته تستدعي وجود دولة ولكن المشكلة الأساسية تكمن في الواقع التاريخي حيث كان يتوجب على العرب المسلمين أن يقيموا دولتهم من نقطة الصفر حيث لم يكن المنطقة التي ظهر فيها وانطلق منها وجود لدولة أو نواة لدولة أو حتى حكومة(6).

وفي هذا المجال، فإن الدكتور جواد علي يقول لم يكن في مكة حكومة مركزية بالمعنى المعروف من الحكومة، فلم يكن فيها ملك ولا رئيس واحد يحكمها ولا حاكم مدني عام أو حاكم عسكري، ولم يتحدث أهل الأخبار عن وجود مدير عام فيها واجبه ضبط الأمن أو مدير له سجن يزج فيه بالخارجين على الأنظمة والقوانين، أو ما شابه ذلك من وظائف نجدها في الحكومات (7).

لقد كان هناك مجموعة من العوامل التاريخية ذات الأثر السلبي المعيق في تطور الدولية والحياة السياسية العربية الإسلامية والتي يمكن تلخيصها بما يلي:

1.                      انطلاق الدولة الإسلامية من واقع الدولة وواقع القبيلة والعشائرية المتعددة والمتنافسة والتي كانت حديثة العهد بالدين وبالوحدة السياسية ووجود الدولة.

2.                      لقد كانت الدولة العربية الإسلامية وعلى الرغم مما استندت عليه من مبادئ عامة في الإسلام ذات الطابع تجريبي في تطورها العملي، وقد ظهر ذلك في اختلاف طريقة اختيار الخلفاء الراشدين الأربعة وفي تحول الشورى إلى حرب أهلية وتحول الخلافة إلى الحكم الوراثي في فترة قصيرة.

3.                      قيام مجموعات عسكرية تمكنت من مسك زمام القوة والسلطة وجعلت من مركز الخلافة أمراً رمزياً فقط، وقد يكون هذه التوجه وهو انتقال العمل السياسي والحكم من الجانب المدني إلى الجانب العسكري.من أهم العوامل التي أضرت بالتطور السياسي العربي قديماً وحديثاً.

4.                      عدم استقرار التشكيلات السياسية على نمط تنظيمي واحد. إن هذه التجربة التاريخية السياسية غير المستقرة وما واكبها من عوامل معيقة والتي أثرت على تطور الفكر السياسي غير المستقرة وما واكبها من عوامل معيقة والتي أثرت على تطور الفكر السياسي العربي قديماً، كانت الإرث الذي انطلقت منه التجربة السياسية العربية الحديثة سواء على صعيد الدولة أو الأحزاب أو المعارضة أو نمط الحكم، وهذا إرث سياسي مثقل بالأعباء والإشكالات، وبخاصة أن العرب لم يرثوا عنصر المجد السياسي العربي وانما ورثوا نتاج قرون طويلة من الحكم السلطوي المملوكي والتركي ذو الأصل الرعوي.

3.                                         الإسقاطات التاريخية والاجتماعية وأثرها على الأزمة السياسية العربية المعاصرة:

لقد كان البعد السياسي هو الحلقة الأضعف في منظومة الحضارة العربية الإسلامية الغنية بعطائها الروحي والعلمي والإنساني، ففي الجانب السياسي سواء في المجال الفكري أو الممارسة العملية فقد عجز العرب عن تقديم وصفة سياسية مقبول ومتفق عليها، كما انه كانت هناك قطيعة ما بين الأمة ومفكريها وما بين رجال السياسية والسلطة والحكم، ولقد شعر المفكرون العرب والمسلمين بالأثر السلبي للممارسات السياسية. الأمر الذي جعل عالماً إسلامياً كبيراً مثل الغزالي يوصي ولده المريد بأن لا يخالط الأمراء والسلاطين وأن لا يراهم، لأن رؤيتهم ومجالستهم ومخالطتهم آفة عظيمة. وهذا يدل على عمق القطيعة والعزلة والاغتراب وعدم الثقة ما بين المفكرين ورجال السلطة والسياسة، وكذلك فان شيخ الإسلام ابن تيمية قد وصل إلى نتيجة غربية أيضاً ولها علاقة وثيقة بالسياسة حين يقول " أن النصر يكون للدولة الكافرة إذا كانت عادلة ولا يكون للدولة المؤمنة إذا كانت ظالمة. ومقابل هذه النظرة السلبية للسياسية والسياسيين من قبل بعض علماء السنة، فان قوى المعارضة الرئيسية في تاريخ الإسلام ممثلة بالحركات الشيعية كان لها وجهة نظر أخرى للحكم والسياسة عندما جعلت الإمامة ومضمونها السياسي فوق مستوى البشر، وفي هذه يقول الشيخ محمد يعقوب الكليني شيخ فقهاء الأمامية، ان الإمامة أجل قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا أماماً باختيارهم. " وهنا نلاحظ عملية فصل ما بين السياسة والواقع حيث تصبح السياسة شأناً من شؤون الوحي والغيب وترتبط بالعصمة والوصاية والإلهام الإلهي. وعندما أصبح الأمل في أصلاح الواقع السياسي تضاءل عصراً بعد عصر ومحاولة بعد أخرى ودولة بعد دولة فان معظم المسلمين من مختلف الفرق قد فوضوا أمرهم إلى الله كما يقول الأنصاري في كتابه تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية وأخذوا ينتظرون بطريقة أو بأخرى ظهور المهدي المنتظر الذي سيأتي ليملأ الأرض عدلاً بعد ان ملئت جوراً، وقد امتد هذا الانتظار التاريخي حتى قبل أنه لن يتحقق إلا في آخر الزمان (8).

وكما هو الحال بالنسبة للبعد السياسي العربي الإسلامي القديم فان الحياة السياسية العربية الراهنة تعاني من أزمة مزمنة ممتدة من الماضي إلى الحاضر ولا شك انها ستبقى تلقي بظلالها على المستقبل ولفترة طويلة، وهذه الأزمة الراهنة ليست مقتصرة على أنظمة أو حركات سياسية أو أحزاب أو أيديولوجيات معينة والدليل على ذلك التغيير المستمر في النظم السياسية والأيديولوجيات واستمرار النكبات العامة وحالة التراجع والانقسام، وهذا يعني أن تفسير الأزمة السياسية العربية بردها إلى وجود أنظمة حاكمة معينة هو تفسير سطحي ولا يصل إلى الأسباب الحقيقية والكامنة لهذه الأزمة المزمنة والمترسخة في صلب التركيبة الاجتماعية وآلياتها المسؤولة عن إفراز تلك الأنظمة المختلفة في أشكالها والمتشابهة في جوهرها، كذلك فان الباحث يلاحظ أيضاً مفارقة هامة وهي أن مستوى الأداء السياسي والتشريعي والتنفيذي والإنتاجي لكافة الفعاليات الرسمية والشعبية والتي تسلمت السلطة والإدارة على مختلف الصعيد بعد زوال الحكم الأجنبي كانت دون المستوى المطلوب وطنياً وقومياً وحضارياً ان لم يكن أسوأ مما سبقه فيما يتعلق بمدى الالتزام بأمانة الحكم والحفاظ على الحق والمال العام أو في نوعية التعامل مع الموطنين ديمقراطياً وإنسانياً.

ان الباحث في شؤون المجتمع العربي يجد أن هناك أزمة سياسية عامة تشمل المجتمع العربي  بكافة أطرافه الرسمية والشعبية، فالسلطة الحاكمة في أزمة والمعارضة في أزمة والدولة في أزمة والحكومة في أزمة وكذلك الحركات الشعبية والأحزاب في أزمة سواء على صعيد الوعي السياسي أو الأداء السياسي، ومن الجدير بالذكر أن كافة الاتجاهات السياسية سواء القومية منها أو القطرية التقليدية أو التقدمية بخاصة قد تجاهلت أو جهلت العوامل المؤثرة والمحركة في المجتمع العربي وتراكماتها التاريخية باعتبارها من بقايا عصور الانحطاط ومخلفات الاستعمار، وعلى نفس المنوال فان العديد من الحركات الدينية تتجاهلها اليوم باعتبارها من رواسب الجاهلية القديمة والحديثة ولم تأخذها بالاعتبار إلا بعض الأنظمة التقليدية والحركات التي أدركت أهمية هذه البنى المتوارثة فوظفتها التوظيف السياسي والديني الملائم، فاستطاعت بذلك البقاء في سدة الحكم فترة أطول من تلك الأنظمة التي تجاهلتها، كما ان الباحث يلاحظ مؤخراً أن بعض النظم التي تصف نفسها بالتقدمية وتتبنى الخطاب القومي شعراً لها أصبحت تستند على عصبياتها لتعزيز دعائم سلطتها.

4.                                         البعد الجغرافي (الصحراء) والبعد الاجتماعي (القبيلة) وأثرهما في منظومة القيم والعقل السياسي العربي:

ان دراسات الدكتور محمد جابر الأنصاري حول المجتمع العربي تعد مراجع فريدة في عمقها وشموليتها وغوصها إلى جوهر القضايا الأساسية العربية من حيث تحديد جذورها وأسلوب تشكلها ونتائجها، لذلك لا غنى للباحث العربي من الرجوع إلى ما كتبه هذا المفكر العربي والذي أغنى المكتبة العربية في الوقت الذي كانت فيه معظم الباحثين الأجانب، في حين أن الباحثين العرب كان يعزفون عن الخوض في هذه المسائل الشائكة والتي تحتاج إلى جهد وجرأة وصبر طويل وذلك لعوامل عديدة أهمها عدم رغبة الباحثين العرب من التوصل من خلال تحليلهم العلمي المدروس لظروف مجتمعاتهم السياسية والاجتماعية لحقائق تضعهم في صف المواجهة مع السياسة والأنظمة الحاكمة.

يقول الدكتور الأنصاري ان البداوة بنمطها الرعوي المترحل قد جاءت لتمثل أفضل اختراع وتكيف إنساني في البيئة الصحراوية، فان القبيلة بتماسكها القرابي انبثقت لتمثل إحدى وأفضل تنظيم مجتمعي وكياني وسياسي ممكن أمام معطيات الحياة اليدوية وضروراتها الحتمية (9).

لقد عملت طبيعة الحياة في الصحراء الدائمة التنقل والترحال طلباً للماء والكلأ على فك الارتباط الجغرافي بمنطقة معينة ومسكن محدد وكما هو الحال في الحياة الزراعية أو الصناعية حيث يلتصق فيها المزارع والصانع بأرض محددة، لذلك فان الجماعة البدوية وفي متاهة الصحراء الموحشة والقاحلة قد بدأت تبحث عن رحم طبيعي يحتوي تلك الجماعة غير رحم الأرض ومنها كانت القبيلة التي ترتبط أفرادها ببعضهم بعضاً بصلات الدم وذلك لتوفير الحماية لها من الأعداد أثناء حلها وترحالها، وعليه فان صلة الدم والنسب كانت بالنسبة للإنسان البدوي في الصحراء تمثل الرحم والانتماء والهوية والولاء، وهكذا فان حدود الوطن بمفهومه الحديث كان لدى الفرد البدوي هو حدود الجماعة وليس الأرض، ورمز الشرف الوطني هو شرف الجماعة الذي يجب الدفاع عنه وصونه، لذلك فانه كان من أول أولويات العربي التمسك الشديد بالشرف في مفهوم الدفاع عن العرض وليس الأرض، وبذلك فان العرض والذي يعد رمزاً لنقاء الدم في المفهوم البيولوجي أصبح ذا بعد اجتماعي قيمي وقد تماثلت طهارة العرض وعذريته وعفته في المفهوم القبلي مع شرف الوطن وأمنه وحريته بالمفهوم الحديث.

لذلك يقول الأنصاري أنه لم يكن ثمة بديل أمام تحديات الحياة في الصحراء القاسية غير هذه الاستجابة المتمثلة بالتنظيم القبلي بكل مراتبه وضوابطه وقيمه وأعرافه وما يتيحه من حماية وانتماء في بيئة الترحل الرعوية، ويرى الأنصاري أن هذه كانت ولا زالت تمثل المعضلة والمصيبة إلى يومنا هذا رغم انصرام قرون على استقرار معظم العرب وتحضرهم وعدم اضطرارهم للترحل، وعليه فان القبيلة كانت وما زالت عامل التأسيس والهدم في الوقت ذاته بالنسبة للدولة كما انها بذرة الحياة وجرثومية موتها في آن واحد، فعلى قاعدتها تتأسس، وتقوم معها، وبها تسقط، لذلك فان الأنصاري يرى أن الدولة العربية الحديثة ليس لها مع القبيلة سوى ثلاث خيارات (10).

أ – أما ان تقمع القبائل الدالة في تكوينها ولكن بقبيلة أو عشيرة قوية من بينها تتخذ شكل السلطة الرسمية فيها.

ب- وأما بصياغة مركب تحالف أو توافق سياسي فيما بينها بقيادة عشيرة منها أو أكثر.

ج- وأما بالعمل في المدى الطويل على تأسيس المجتمع المدني الحديث القادر على تذويب العصبيات القبلية وأشكالها الطائفية والمحلية ودمج الموطنين جميعاً في الكيان الحديث للدولة، والدولة العربية التي ستنجح في ذلك كما يرى الأنصاري ستكون دولة المستقبل العربي المعجزة ومفاجأة العروبة نفسها.

ان الإشكالية الأساسية التي نشأت مع المجتمع العربي كانت هيمنة القبلية بمفهومها السياسي على العديد من المجتمعات العربية والتي أوجدت فجوة ما بين المجتمع المدني والسلطة، فالسلطة قبلية رعوية المنشأ والجذور والمفاهيم، والمجتمع المدني الحضري يعتمد على الظروف الحضارية المستقرة والتي تعتمد على الإنتاج وما يتطلبه من استقرار وتعليم وتطوير موارد وافرة ومنتظمة. ان هذه الفجوة أدت إلى نشوء منظومة من القيم المتناقضة داخل المجتمع العربي المركب من معطيات البداوة والتي ترفض قيم الزراعة والصناعة ومعطيات الحضارة التي لا تقوم إلا بتوفر هذين العاملين الأساسيين، ومن الملاحظ أنه على الرغم من تراجع التأثير السياسي المباشر والظاهر للقيم القبلية الرعوية بحكم التطور الحضاري فان قيم العمل والإنتاج مهنياً وحرفياً لا زالت تعاني من أزمة مزمنة في جسم المجتمعات العربية.

ان جدلية البادية والحاضرة كما يرى الأنصاري هي الجدلية التي لها الأسبقية في تكوين المنطقة العربية السياسي والاجتماعي والحضاري على أية جدلية أخرى، ومنها تفرعت ظواهر وقوانين بالغة الأثر في صياغة ذلك التكوين من جانبه السياسي كما في جوانبه المختلفة (11) وحول نفس الموضوع فان برهان غليون يقول في مقال له في جريدة الخليج حول الدولة والطائفة ومسألة الأقليات في الوطن العربي: أن العالم العربي عاش منذ الفتح الإسلامي في إطار إمبراطورية أو سلطة كبرى كانت تضم شعوباً متعددة يربط بينها الولاء للإسلام أكثر من الولاء للدولة، وقد ورثت هذه السلطة عصبيات قبلية قوية ذات صلة وثيقة بطبيعة المجتمع الرعوي الصحراوي او الجبلي وحيث ان السلطة أو الإطار السياسي للجماعة الوطنية كانت تضم خليطاً كبيراً من الأجناس والشعوب فإنها لم تكن قادرة على تقديم أكثر من مشاركة وتماه رمزيين، في حين كان الانتماء إلى الجماعة المحلية أو العائلة أو الطائفة هو التعويض الرئيس عن سطحية التماهي مع الدولة (12).

كذلك فان محمد عابد الجابري يقول أيضاً في مقال له حول الفكر القومي العربي حاضر ومستقبل المنشور في مجلة المستقبل العربي أن التناقض الجوهري والفارق الأساسي في المجتمع العربي ليس هو ذلك الذي نجده بين الطبقات بل انه ذلك الذي يقوم بين المدينة والبادية والريف حيث يوجد عالمان مختلفان اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً (13).

5.                                                                 البعد الاقتصادي وأثره على الفكر السياسي العربي:

ان الانقالابات والثورات وما تبعها من عمليات تأميم ومصادرة للملكيات الخاصة في عقدي الخمسينات والستينات في العديد من الأقطار العربية أدت في محصلتها إلى تصفية البورجوازية الرأسمالية التي تتشكل، وإلى هرب رؤوس الأموال والأدمغة والعديد من الكفاءات إلى الخارج، وأما على الجانب الآخر من الصورة، فان الطبقة الدنيا لم تكن فعالة سياسياً بسبب عوامل التخلف والفقر وكذلك غياب النهج الديمقراطي والحريات الأساسية للمواطن. ان الفوارق والتغييرات التي رافقها حملة إعلامية واسعة في ذلك الوقت ما بين المجتمع الثوري ومجتمع ما قبل الثورة كانت سطحية وهامشية وتركز معظمها على القمة بهدف تغيير الفئة الحاكمة، وعليه فان الفوارق البنيوية ما بين الأنظمة الثورية والأنظمة المحافظة كانت طفيفة لم تصل إلى أساسات وقواعد البنيان الاجتماعي، حيث بقي المجتمع يتشكل من جماعات متمايزة اقتصادياً وسياسياً، وفي مقدمتها نخبة تمسك بمقاليد الحكم وتليها الطبقة ما دون الوسطى ثم الطبقة الدنيا والتي قوامها من جماهير تعاني من الاغتراب في الريف والمدينة وهذا ينطبق على الأنظمة الثورة والمحافظة سواء بسواء.

أن النمط الاشتراكي الذي طرحه النموذج الثوري ونموذج التحديث الرأسمالي الذي طرحه النموذج المحافظ، لم يستطيعا أن يستوعبا هذا التشكل الاجتماعي الهجين والذي بدأت تظهر بواد تصدعه الاقتصادي وانهياره الاجتماعي والسياسي ومنذ مطلع السبعينيات والثمانينيات. وفي هذا المجال فان سمير أمين يصف في كتابه الاقتصاد العربي اليوم، المعالم الرئيسية للتصدع الاقتصادي، والذي أدى إلى تذكير مفهوم الأمن الاقتصادي والغذائي ضمن العوامل التالية(14):

أ – ان البناء الاقتصادي العربي في معظم الأقطار العربية بغض النظر عن منهجيتها الاقتصادية السابقة ومنذ مطلع الثمانينيات أصبح اقتصاداً متجهاً للخارج بحيث أصبح الوطن العربي تابعاً اقتصادياً في النظام العالمي المعاصر، وعلى سبيل المثال فقد وصل اعتماد الوطن العربي على استيراد المواد الغذائية إلى 33% بينما كان معدله في دول العالم الثالث (10%) وفي حين كانت قيمة مستوردات الوطن العربي من المواد الغذائية عام 1970 وهو (2) مليار دولار أصبحت قيمتها عام 1980 (20) مليار دولار.

ب- لقد بقيت الصناعات الإنتاجية ضعيفة وعلى الرغم من توفر رؤوس أموال ضخمة لدى العديد من الأقطار العربية.

ج- لقد كان حظ الجماهير الفقيرة والتي تمثل الأكثرية أقل من (25%) من الاستهلاك الاجمالي كما ان الشرائح الفقيرة كانت استفادتها من التنمية محدودة جداً، كما أن خطط التنمية لم تنجح في توزيع الثروة والدخل في المجتمع.

د- عملت الثروة النفطية على زيادة وترسيخ النهج الاستهلاكي ورسخت قوى الزعامة القبلية.

6.                                                                 ظهور البرجوازية الصغيرة ودورها السياسي في المجتمعات العربية:

لقد تطورت البورجوازية الصغيرة في المجتمع العربي خلال العقود الخمسة الأخيرة بسبب التزايد المطرد للسكان والظروف الاقتصادية والتي نتج عنه حركة هجرة واسعة من الريف للمدينة وانتشار التعليم وتوسيع الجيوش العربية، والتي كانت معظم كوادر ضباطها الصغار من الطبقة الوسطى أو الدنيا. ان نجاح العسكر المتحالفين مع بعض الأحزاب والقوى السياسية المنتمية للطبقة البورجوازية الصغيرة بالاستيلاء على زمام السلطة في العديد من الأقطار العربية المهمة مثل مصر وسوريا والعراق والجزائر قد عزز من نفوذ هذه الطبقة الجديدة، والتي يرى معظم الباحثين أنها بقيت عاجزة عن تشكيل قوة اجتماعية فعالة على الرغم من وصولها لسدة الحكم، ففي حين أن هذه الطبقة هاجمت البورجوازية الرأسمالية متهمة إياها بالاستغلال والتبعية للاستعمار فانها فشلت في حشد وتفعيل قوى العمال والفلاحين لأحداث التحولات الاجتماعية التي كانت تنادي بها.

وحول البورجوازية الصغيرة وظروف نشأتها فان الدكتور هشام شرابي قد أورد في كتابه النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي ان هذه الطبقة التي تنشأ عادة في المدينة أو الريف. هي في الواقع طبقة هجينة ترتبط ثقافياً واجتماعياً بجذورها الفلاحية والبورجوازية الصغيرة فتشكل نمواً تاريخياً لظروف التبعية الداخلية والخارجية. فمن وجهة النظر الاقتصادية فان هذه الطبقة غير منتجة وهي ذات طابع رأسمالي استهلاكي وموقعها في السياق الإنتاجي موقع هامشي وعرضي وقيمها وعلاقاتها الاجتماعية هي علاقات تقليدية (15).

كذلك فان هشام شرابي يقول ان هذه البورجوازية الصغيرة التي تسلمت دفة الحكم توجهت في خطابها السياسي إلى الإعلان عن هدفها في إعادة تشكيل المجتمع بأكمله حيث تبنت هذه القيادات الاشتراكية والوحدة والحرية وإنهاء كافة أشكال التبعية.

ومن الجدير بالذكر أن المجتمع العربي قد شهد في عقدي الخمسينيات والستينيات منهجين معارضين للتغيير الاجتماعي والتنظيم السياسي، أحدهما ثوري والآخر محافظ، وكانت الغلبة للأول ولم يؤد فشل الثورة اجتماعياً واقتصادياً إلى انتصار النظرة الرأسمالية ونموذجها الإنمائي، إذا لم يوفق هذا أيضاً في التحديث الرأسمالي الأمر الذي أدى إلى تعميق التناقضات في المجتمع وتعجيل سياق الصراع الداخلي (16). ولقد لخص الدكتور هشام شرابي أسباب هذا الفشل في العوامل التالية (17):

أ – التشرذم الاجتماعي والاقتصادي للوطن العربي والفجوة الواسعة ما بين النظرية والتطبيق.

ب- خشية هذه الدول من تعرضها لتدخل عسكري مباشر من قبل الدول الغربية وإسرائيل ليس لها قبل على رده بسبب هشاشتها بفعل تفككها وتبعثرها.

ج- تبعثر معظم السكان وعزلتهم النسبية واغترابهم عن الدولة وعن أي شكل من أشكال الممارسة السياسية ولاسيما سكان الأرياف والبادية، الأمر الذي جعل سكان الأرياف يعيدون عن التعبئة السياسية.

د – تعثر المفاهيم الاشتراكية العربية وتخلفها نظرياً وسياسياً.

هـ- سوء استخدام الثروة النفطية والذي أدعى إلى تعزيز السيادة القطرية في وجه القومية العربية، وإثارة في تمزيق الوطن العربي اقتصادياً وسياسياً. كذلك فان الدكتور هشام شرابي يرى ان البورجوازية الصغيرة بدأت تنشطر منذ وصولها للسلطة في الخمسينيات حيث كان هناك انقسام على المستويين السياسي والاقتصادي، وقد ظهر ذلك في طبيعة تشكيل النخب السياسية والبيروقراطية والعسكرية والتجارية للطبقة الحاكمة، وبروز تشكيل آخر من موظفي الحكومة الصغار وأصحاب المتاجر والمعلمين والفلاحين والجنود وموظفي القطاع العام. ومع ازدياد هيمنة البورجوازية الصغيرة ازداد استئثار النخبة الحاكمة بالسلطة واتسعت في الوقت نفسه قاعدة المحرومين شعبياً لتشمل أجزاء كبيرة من الطبقة الوسطى، التي بدأت تنحدر إلى الطبقة الدنيا، وعليه فقد فشلت الثورة من القمة ليس فقط في بناء مجتمع جديد، وانما في توحيد الأمة العربية، وعملت على تفجير التناقضات الاجتماعية والعقائدية، وفي خضم هذا التخبط والتدهور الاقتصادي والاجتماعي والعسكري برزت الأصولية الإسلامية على أنها عقيدة تتشكل طبقة ملائمة لمجال عمل الأصولية الدينية حيث بدأت الطبقات الدنيا المحرومة تتراجع إلى أصولها الدينية وليس إلى العلمانية والثورة كما كان يرسم ويخطط لها (18).

7.                                                                 عوامل تعزيز الظواهر الانقسامية والولاءات الضيقة في العديد من المجتمعات العربية.

أ - من العوامل التي ساهمت في بروز وتعزيز الولاءات الضيقة في العديد من المجتمعات العربية مثل الطائفية والإقليمية والعشائرية وبخاصة في المشرق العربي ما يلي(19):

1)           ظهور الأديان السماوية الثلاث في هذه المنطقة، كما أن ظهور الفرق المختلفة ضمن هذه الديانات أدى إلى تنوع كبير من المعتقدات والنحل والفرق الدينية.

2)           تعرض المشرق العربي وبخاصة منطقة الهلال الخصيب للغزوات المتكررة من قبل أقوام مختلفة كما ان هذه المنطقة كانت مستقراً لهجرات قبلية كانت تأتي من الجزيرة العربية.

3)           ان الاختلافات الدينية والقبلية واللغوية قد تم الحفاظ عليها باستمرار وتعزيزها، كما أن الولاء الإقليمي قد تم تعزيزه في أماكن معينة بسبب العوامل الجغرافية العازلة مثل الجبال الصعبة المسالك النائية.

4)           لقد ساعد ضعف وسائل المواصلات والاتصالات في المناطق الوعرة على إضعاف السلطة المركزية كما ساعد على الحفاظ على الصفة المميزة والاستقلالية للجماعات القومية والطائفية، لذلك فان الجماعات والقبائل التي كانت لا ترغب الخضوع لسلطة الدولة المركزية كانت قادرة على الاحتماء بالمناطق الصعبة المسالك. لذلك فان سلطة الدولة المركزية في الماضي كانت تضعف كلما ابتعدنا عن الساحل باتجاه الجبال أو الصحراء بالداخل.

5)                               ان التنوع الديني والعرقي قد لاقى تشجيعاً بسبب التسامح الإسلامي النسبي بالنسبة للمسيحيين واليهود.

6)           لقد تم تعزيز مركز الأقليات الدينية خلال القرن التاسع عشر بسبب التدخل السياسي في الشؤون الداخلية للإمبراطورية العثمانية من قبل بريطانيا وفرنسا وروسيا، والتي كل منها نصبت نفسها حامية للأقليات الدينية. ان وضع الأقليات الدينية المحمية والذي تم تعزيزه. قد جلب السخط على الأقليات والذين نظر لهم على انهم خونة وأدوات في يد السياسة الأوربية وكنتيجة لذلك فان العلاقات ما بين الأقليات الدينية والأغلبية السنية قد تدهورت.

7)           لقد تم تشجيع الولاءات الطائفية من قبل قوى الاستعمار وبهدف منع أو قمع التوجهات القومية العربية، وفي المقابل فان الفصل والخصوصية والطموحات القومية للأقليات قد تم تشجيعها من خلال منح حالة من الاستقلالية للمناطق التي تشكل فيها الأقليات جماعة محلية مميزة.

8)           لقد شجع المستعمرون التجنيد العسكري من أوساط الأقليات في العديد من الأقطار العربية، وذلك ضمن سياسة فرق تسد.

ب-  هناك عدة من العوامل جعلت من الولاءات الضيقة قواعد ملحوظة للانقسام السياسي في العديد من المجتمعات العربية في فترة الاستقلال، وقد لخص Michael H. Van Dusen   هذه العوامل وكما يلي (20):

1)              ان تطور الوعي السياسي قد أكد باستمرار على الولاءات القومية والإقليمية وعلى حساب الولاء للدولة الوطنية فالحدود على سبيل المثال غير معترف بها أو مرفوضة وأن الهوية القومية كانت أكثر بروزاً وتأكيداً من الهوية القطرية على سبيل المثال. ومن ناحية أخرى فإن عدم وجود قاعدة لواء متوازن قد أدى إلى دفع الصراعات المحلية إلى الساحة السياسية، القومية وبالتالي فإن هذه الصراعات قد هيمنت على السياسات الوطنية للدول.

2)              على الرغم من أن برامج التنمية والتحديث قد قللت من الاكتفاء الذاتي للعديد من المراكز الإقليمية الذي كان سائداً في السابق فان المدينة الزراعية التقليدية بقيت مركزاً للولاءات الإقليمية المحلية كما ان هذه المدن كانت أيضاً مركزاً للنشاط السياسي في فترة الاستقلال وهذا يعني أن السياسات الوطنية غالباً ما كانت تحدد وترسم ضمن مفاهيم دون المضمون الوطني العام.

3)              ان عملية تسييس الشباب في بعض الأقطار العربية في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات على سبيل المثال قد تمت على مستوى المدارس الثانوية وقبل أن ينتقل هؤلاء الشباب إلى مناطق أو مجالات أخرى في البلاد، وهذا يعني أن ولاءاتهم السياسية والفكرية كانت تعكس الموقف السياسي المحلي في بيئتهم الزراعية المعينة، وقد نتج عن هذا الوضع أن معظم الأحزاب والنخب السياسية فانها كانت قادرة على التوسع والانتشار في مناطق معينة أو ضمن أوساط شعبية معينة في الوقت الذي كانت فيه مجهولة في مناطق أخرى.

ج- العوامل التي تعمل باتجاه أضعاف الولاءات الضيقة.

لقد ساعد انتشار الشعور القومي وعمليات التحديث الاجتماعي على أضعاف الروابط الطائفية والإقليمية والعشائرية وبشكل خاص بعد زوال الاستعمار. لقد عملت وسائل الاتصالات والمواصلات الحديثة على تحطيم حواجز العزلة للجماعات، كما أن عمليات التحديث والتصنيع قد ساعدت على توثيق عرى الاتصال ما بين الجماعات المختلفة وبشكل أكبر من ذي قبل، كذلك فان التوسع الكبير في التعليم والتحول من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي قد عمل على أضعاف الروابط العائلية.

8.                                                                 الاستنتاجات:

أ – يوجد لكل تجربة قومية عوامل وظروف خاصة تتعلق بظروف تلك التجربة الأخطار الداخلية والخارجية التي واجهتها وطبيعة الفكر والممارسات، والقوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفاعلة في تلك الساحة، والطبقات الاجتماعية التي كانت تستند عليها هذه التجربة السياسية، كذلك فان يوجد عوامل عامة قد تكون متشابهة في معظم الأقطار العربية، كذلك يوجد فوارق أيضاً بين هذه المجتمعات، وتعزى هذه الفوارق إلى التطور غير المتساوي والمتناسق بين المجتمعات وخضوعها لأنواع مختلفة من الاستعمار وأنماط الحكم والتحديات.

يرى العديد من المحللين السياسيين والمفكرين أن الحركة القومية العربية قد وقعت في أخطاء كبيرة من خلال محاولتها الوصول لأهدافها بسرعة من خلال مفهوم حرق المراحل والاستعجال للوصول إلى السلطة، وعندما وصلت إلى السلطة فانها أيضاً عملت على تسريع عملات التحديث والتغير الاجتماعي متجاهلة القوى الكابحة والموجودة في النظام الاجتماعي العربي المحافظ والتي لا تسمح بأن تسير عجلة التغيير بدرجة أسرع مما تتحمله الجماهير، حتى لا تحدث الفجوة ما بين قيادة التحديث والجماهير، وبالتالي تقبع القيادات في برج عاجي معزولة عن الجماهير، بحيث يؤدي ذلك الوضع إلى الاضطراب وعدم الاستقرار وانتكاس تجارب التحديث المتسرعة، كذلك فانه في الجانب السياسي فان ما يؤخذ على الحركات القومية العربية غياب الحريات وامتهان حقوق الأفراد والتي كانت في الأصل مبرراً لوجود هذه الحركة عندما كانت ترفع شعار الحرية والديمقراطية كوسيلة لتعبئة الجماهير ضد الاستعمار وأعوانه.

ب- يرى سمير أمين أن الظروف التي أدت إلى هزيمة التجارب القومية مرتبطة أصلاً بصعود الطبقة الوسطى المؤلفة من الوجهاء والمشايخ والتجار والحرفيين. ويشير أيضاً إلى ان الطبقة الحاكمة في مصر قد عملت على تغيير البناء الاجتماعي عن طريق الاستيلاء على الأرضي بمساعدة الدولة حيث تحولت من دولة بيروقراطية إلى طبقة من الملاكين، ولكن وعلى الرغم من أن هذه الطبقة الحاكمة في مصر تحولت إلى طبقة إقطاعية إلا انها لم تتبنى أنماط الإقطاع وتقاليده التي كانت سائدة في أوروبا (21).

ان قيادة الطبقة الوسطى للنضال القومي قد فرض توجهاتها وتقاليدها وأنماط سلوكها على الحركة القومية، وهذه الصيغة وحسب طبيعة تشكيلها لم تكن متجانسة وكانت أيضاً مصالحها متداخلة بطرق عديدة مع مصالح كبار الإقطاعيين المتحالفين مع الاحتكارات الأجنبية. ان التناقض ما بين مصالح هذه العناصر وبين تصدرها لقيادة العمل القومي قد ترك بصماته على مسيرة العمل القومي، وحيث ان هذه الطبقة كانت تمثل الوسط في النسق الاجتماعي فان مواقفها كانت عرضة للمراوحة ما بين الأعلى والأسفل في المنظومة الاجتماعية، كما انها كانت تغير في اتجاهاتها وحسب طبيعة علاقاتها، فاذا ما ارتبطت علاقاتها مع الطبقة البورجوازية العليا فان اتجاهاتها كانت تنحرف نحو اليمين، وإذا ما ارتبطت علاقاتها مع الطبقات الأدنى، فان اتجاهاتها كانت تنحرف على الأغلب نحو اليسار.

ان معظم المتغيرات السياسية التي حدثت في الوطن العربي وبخاصة في الخمسينيات والستينات كانت نتيجة لانقلابات عسكرية قادها صغار الضباط، حيث تمكن هؤلاء من الاستيلاء على السلطة في أكثر من قطر عربي ولقد كان هؤلاء الضباط ينحدرون من أوساط شعبية ريفية كما هو الحال في سوريا والعراق أو حضرية كما هو الحال في مصر والسودان. ان هذه الفئات الريفية وكما هو معروف في المجتمع العربي وبخاصة في المشرق العربي تخضع في بنيانها وعلاقاتها إلى شبكة واسعة من العلاقات القبلية أو الطائفية أو الإقليمية. وحيث ان هذه الطبقة قد تكونت في الريف أو المدينة فانها مرتبطة ثقافياً واجتماعياً بأصول ريفية ومدنية. كما أنها غير منتجة اقتصادياً أو ان تأثيرها في عملية الإنتاج تأثيراً هامشياً ويغلب عليها الصفة الاستهلاكية، وهذا قد يفسر جزئياً عدم استقرار توجهاتها الاجتماعية وازدواجية توجهاتها الفكرية.

وفي هذا المجال، فان Franz Fanon  يناقش طبيعة البورجوازية الصغيرة فيقول: " ان عناصر البورجوازية الصغيرة التي كانت تمثل الأساس لحشد الشعب حول هدف الاستقلال والحريات السياسية والديمقراطية. ستنظر بعد الاستقلال إلى إنجازات الشعب القائد الملهم ويكرر على سامعيه التزامه بقضايا الشرف والبطولة والدفاع عن حدود الوطن وحريته وكرامته، وسيذكر بماضيه وأدواره البطولية التاريخية، لكن الشعب الذي ناضل طويلاً وقدم التضحيات الكبيرة من أجل تحقيق آماله في الحرية والقضاء على التخلف، والذي صدمه القائد في انحرافاته، لن يستمر طويلاً في الإصغاء إلى معزوفة النصر وسيمل سماع قصص البطولة والتاريخ الحافل في الإنجازات التي حققها الزعيم البطل، وستبدأ ثقة الشعب بالقائد الملهم تتزعزع، وستضعف شعبيته تدريجياً وعندها سيبدأ يشعر بالعزلة، وسيعتبر القائد موقف الشعب نكراناً للجميل ويبدأ يشعر بالخوف والشك، وتبدأ الفجوة تتسع ما بين القائد والشعب وعندها سيبدأ القائد بالاستعانة بأفراد عشيرته وأقاربه لتعزيز سلطانه، وعندها يصبح الحزب الثوري الذي رفع شعارات التحرر والوحدة والتقدم بالأمس، هو القبيلة التي ينتمي لها الزعيم ويصبح أخوانه وأبناء عمومته هم معاونيه ووزرائه، وكلما ازداد التصاقاً بهذا السلوك كلما ازدادت عزلته عن الشعب وزادت خشيته من النقمة والثورة وغضب الجماهير (22).

د- التدخل الاجتماعي الاقتصادي مع العوامل الإقليمية والطائفية والعشائرية:

ان الصلة هذه الولاءات مع العوامل الطائفية والإقليمية والعشائرية والولاءات الاجتماعية والاقتصادية تلعب دوراً مهماً في الصراع السياسي على السلطة، وذلك عندما يعرف ان الأطراف المتنافسة تنتمي إلى جماعات مختلفة تقع ضمن هذه التصنيفات، كذلك فان عوامل أخرى مختلفة مثل الإيديولوجية والصراع ما بين الأجيال والطموحات الشخصية والانتهازية يمكن أن تلعب دوراً مشابهاً (23). 

ان التطرق إلى ذكر النزعات الطائفية أو الإقليمية والعشائرية في التحليل السياسي للعالم العربي غالباً ما يفسر من قل النخب القومية على أنه محاولة لإذكاء النزاع في المنطقة العربية وإعاقة تحول المجتمع العربي من مجتمع إقطاعي أو رأسمالي تلعب فيه الولاءات الضيقة إلى مجتمع عرب موحد يركز على الاهتمامات الاجتماعية والاقتصادية والهوية العربية، وعلى ذلك فقد نظر للطائفية والعشائرية والإقليمية على انها آفات اجتماعية خطيرة يجب مكافحتها بكافة الوسائل المتاحة من حيث انها تقوي الانقسامات الاجتماعية وتعيق الصراع الطبقي (24).

من المنطقي الافتراض ان الهوية القومية والولاءات الطبقية تتطور في المجتمع العربي وبذلك فانها تستبدل جزئياً وبالتدريج الولاءات الضيقة التقليدية، فقبل ظهور التوجيهات القومية العربية فانه كان من الشائع أن يفكر الفرد وفق مفاهيم التجمعات العشائرية أو الطائفية أو الإقليمية بطريقة أقوى من المفاهيم القومية أو الاجتماعية أو الاقتصادية. ومن الجدير بالذكر أن هذه الولاءات الضيقة في المجتمعات العربية يمكن أن تتدخل بسهولة مما يجعل أمر تحديد أي من هذه الولاءات يلعب الدور الاهم في موقف معين أكثر صعوبة. وفي حالة التداخل هذا فان إمكانية تفسير الولاءات العشائرية على انها طائفية أو إقليمية أو العكس تصبح محتملة، ان التداخل هذا يمكن أن يعزى إلى التركيز الإقليمي لجماعات دينية أو عشائرية معينة في مناطق جغرافية محددة لدرجة أن مجموعات عشائرية بجملتها قد تنتمي إلى جماعة دينية معينة، وفي الحقيقة فان العوامل العشائرية والطائفية أحياناً ما ترتبط ببعضها بعضاً بطريقة لا يمكن فصلها. كذلك فان الجماعات الطائفية والعشائرية والإقليمية يمكن بدورها ان تتدخل جزئياً مع الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، ففرد ما يمكن أن يكون عضواً في طبقة اجتماعية معينة أو جماعية دينية أو عشيرة وضمن منطقة جغرافية محددة.

ان الجماعية الدينية أو الطبقة الاجتماعية الاقتصادية تختلف عن بعضها بعضاً لدرجة كبيرة وذلك لأن الطبقة الاجتماعية يمكن أن ينظر لها كنظام طبقي أفقي ويخضع أعضاءها لخواص اجتماعية واقتصادية محددة، في حين ان الجماعة الطائفية تأخذ بعداً عمودياً حيث تشتمل على عدة طبقات اجتماعية وتتضمن في مفهوم معين انشطار عمودياً لعدد من الطبقات الاجتماعية المختلفة.

ومن جانب آخر فان نمو الوعي الطبقي الاجتماعي يمكن أن يعاق وبالتحديد من خلال تماسك الجماعة الدينية، لأن مثل هذه الجماعة غالباً ما تضمن طبقات اجتماعية واقتصادية مختلفة، كذلك فان الولاءات الطائفية يمكن أن يكون لها تأثير متراكم في إشعال الصراع الطبقي إذا ما تلازمت الطائفية مع التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، وفي مثل هذه الحالة فان الصراع الطبقي يمكن ان يدار مباشرة من خلال القنوات الطائفية، وهكذا فإن الولاءات الطائفية والإقليمية والعشائرية والاجتماعية والاقتصادية إذا ما تداخلت يمكن أن تكمل أو تعزز بعضها بعضاً.

 


الفص الخامس

الهوامش

1.                   الأنصاري، د. محمد جابر، التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 15.

2.                                                       الأنصاري، د. محمد جابر، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية، ص 23.

3.                   غليون، د. برهان، نظام الطائفة من الدولة إلى القبيلة، بيروت، المركز الثقافي العربي، عام 1990، ص 136.

4.                                                       الأنصاري، د. محمد جابر، مصدر سابق، ص 25.

5.                                                       الأنصاري، د. محمد جابر، مصدر سابق، ص 26.

6.                                                       الأنصاري، د. محمد جابر، مصدر سابق، ص 27.

7.                                                       على، جواد، تاريخ العرب قبل الإسلام، بيروت، دار الحداثة، عام 1983، ص 72.

8.                                                       الأنصاري، د. محمد جابر، مصدر سابق، ص 18.

9.                                                       الأنصاري، د.محمد جابر، التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام ، ص 75.

10.                                                   الأنصاري، د. محمد جابر، مصدر سابق، ص 85.

11.                                                   الأنصاري، د. محمد جابر، مصدر سابق، ص 85.

12.                                                   غليون، د. برهان، الدولة والطائفة ومسألة الأقليات في الوطن العربي، جريدة الخليج العدد (4040).

13.                 الجابري، د. محمد عابد، الفكر القومي العربي حاضر ومستقبل، المستقبل العربي العدد 197، ص 12.

14.                                                   أمين، د. سمير ، الاقتصاد العربي اليوم، المعالم الرئيسية للتصدع الاقتصاديز

15.                                                   شرابي، د. هشام، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي ط 2، ص 25.

16.                                                   نفس المصدر السابق ، ص 149.

17.                                                   نفس المصدر السابق ، ص 151.

18.                                                   نفس المصدر السابق ، ص 154.

19.                                                   A. H Hiurani- Minorities in the Arab World- London 1947- P 15.

20.                                                   Michael- H. Van Duesen- Political – Integration and Regionalism In Syria – The middle East Journal V 26-No 2-Sring 1972- P123.

21.                 أمين سمير ، التطور اللامتكافيء، دراسة في التشكيلات الاجتماعية والرأسمالية المحيطة، ترجمة برهان غليون، سلسلة السياسة والمجتمع، بيروت، الطليعة.

22.                                                   Franz- Fanon- The Wretched of The Earth – New York – Grove Press 1966-P198.  

23.                                                   Michael – Van Dusen- Intra And Intrer Generation Conflict in Syrain Army, Baltimore- Maryland- 1971.

24.                                                   المناضل، رقم 3- نيسان 1966، ص 13.

 

الفصل السادس

الوحدة الوطنية ومفهوم الأقليات

 

1.                                       المقدمة.

2.                                       مفهوم الأقلية.

الأقلية والبعد الاجتماعي.

ب) المعيار الكمي.

ج) معيار المشاعر المشتركة.

د) معيار المشاعر المشتركة.

هـ ) المعاير النفعي.

3.                                       الوحدة الوطنية ومفهوم الأقليات.

أ ) البعد الاثني (العرقي).

ب) البعد الثقافي.

ج) البعد السياسي.

د) البعد الجغرافي.

هـ) البعد التنموي.

4.                                       أسباب ظهور مشكلة الأقليات.

5.                                       عوامل تعزيز الوحدة الوطنية.

6.                                       حلول مقترحة لمعالجة مشاكل الأقليات.

الوحدة الوطنية ومفهوم الأقليات

1.                                                                 عام.

يوجد مشاكل عديدة في الوطن العربي ذات أبعاد سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو بشرية تحتاج إلى دراسات موضوعية لمعرفة أسبابها وكيفية نشؤها وتطورها للوصول إلى حلول عملية لها بما يخدم مصلحة الشعوب العربية لتحقيق مزيد من الأمن والاستقرار لها، فهناك مشاكل الفقر والبطالة وانتشار المرض والمراوحة بين الأصالة والمعاصرة وسوء توزيع الثروة وغياب الديمقراطية وانتهاك حقوق الإنسان واستفحال وجود الأجنبي وتزايد نفوذه وتراكم الديون.

ان هذه المشاكل ناتجة عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مر بها الوطن العربي ولم تعالج بالطرق السلمية، أن المشكلة الأكثر إقلاقاً في الوطن العربي حالياً انهيار الحركات القومية في مواقع عديدة هي مشكلة الأقليات التي أصبحت تتطور إلى قضايا صراع مستمر تستنزف طاقات العديد من الشعوب العربية وتهدد وحدتها وتعيق تقدمها، كما انها فتحت المجال واسعاً للاختراقات والتدخلات الخارجية في شؤون العديد من الدول العربية. ان مشكلة الأقليات لم تكن مشكلة ظاهرة بالحدة التي تراها الآن قبل هذا القرن في المنطقة العربية ولكن مع انهيار الدولة العثمانية ووقوع المنطقة تحت نير الاستعمار ومع بدء حصول الدولة العربية لاحقاً على استقلالاتها فقد بدأت تظهر قضايا الأقليات بشكل عنيف وعلى سطح الأحداث في أكثر من قطر عربي.

ان انطلاق الشعور القومي العربي في عقد الخمسينيات في العديد من الدول العربية والتركيز بشكل كبير على المفهوم القومي للأمة العربية دون وضع تصورات عملة ومتطورة تنسجم مع روح العصر للتعامل مع قضايا الأقليات، قد علم على تحريك المشاعر القومية لبعض الأقليات في المنطقة العربية وذلك بفعل تفاعل عوامل داخلية وخارجية، حيث بدأت هذه المشكلة تأخذ أبعاداً عنيفة في العديد من الأقطار العربية ومنها العراق والسودان ولبنان كما ان عدم ظهور هذه المشكلة في أقطار عربية أخرى لا يعني عدم وجودها وانما هي كامنة تنتظر الظرف والزمان الملائم للتفاعل.

إن هذا الموضوع الحساس لم يتناوله المفكرون القوميون العرب بجدية، ولم يدرس الدراسة العملية الموضوعية الشاملة من قبل الأنظمة القومية أو الأنظمة القطرية لمعرفة الأسباب الحقيقية لهذه الظواهر الخطيرة، وهل يعزى ظهورها إلى فشل القيادات السياسية العربية في وضع صيغة مقبول للوحدة الوطنية والاندماج الاجتماعي مع مراعاة الخصوصيات الثقافية للأقليات؟ أم ان ذلك ناتجاً عن فشل التوجهات الاقتصادية والاجتماعية وعدم بذل الجهود الكافية للاهتمام بالأقليات وتطوير أوضاعها؟ أم بسبب أهمال الأقليات وعدم اتاحة الفرصة لها للمشاركة في الحكم والسياسة؟ أم ان ذلك يعزى لتنامي مشاعر الأقليات التي بدأت تأخذ أبعاداً قومية أسوة بالأقليات الأخرى؟ أم بسبب التشجيع والدعم الخارجي؟ أم لهذه الأسباب مجتمعة؟

2.                                                                 مفهوم الأقلية:

ان موضوع الأقليات يجب أن يؤخذ على محمل الجد لما لذلك من علاقة وطيدة بمفهوم الوحدة الوطنية وأمن الدولة واستقرارها. ان تعريف الأقلية لم يتفق عليه علماء الاجتماع أو علماء الانثريولوجيا، فان باحثين آخرين نظروا له من زوايا أخرى ومنها معيار الأهمية أو التأثير أو معيار المصلحة المشتركة.

أ – الأقلية والبعد الاجتماعي.

ان الطبقة المتميزة عن سائر طبقات المجتمع تشكل أقلية بالمفهوم الاجتماعي بنفس الأسلوب الذي تشكل فيه جماعة قومية ذات ثقافة متميزة نسبياً أقلية بالمفهوم السياسي والثقافي(1).

ب – المعيار الكمي.

يحدد قاموس وبستر ان الأقلية هي الجماعة الأصغر عدداً في شعب يتكون من أكثر من مجموعتين عرقيتين وهي تختلف عن الجماعة الأكبر في سمة أو أكثر من السمات العرقية أو اللغوية أو الثقافية أو الدينية والتي ينتج عنها معاملة تفضيلية لصالح المجموعة الأكبر أو خضوع الجماعة الأقل لمعاملة تمييز ضدها.

ان حقيقة حجم الجماعة أو المعيار الكمي قد أخذت به أيضاً اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات ومنذ عام 1977، حيث اعتمدت هذه اللجنة على دراسة فرانسيكو كابور تورتي بعنوان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات عرقية أو دينية أو لغوية طبقاً للمادة (27) من اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية. ولقد فرانسيسكو الأقلية بأنها مجموعة أقل عدداً نسبة لباقي السكان في الدولة وتمتلك هذه المجموعة خصائص ثقافية طبيعية أو تاريخية أو دينية أو لغوية تختلف عن باقي السكان (2).

ج- معيار الأهمية.

إن الباحثين الذين يأخذون بمعيار الأهمية يرون أن المعيار الكمي هو معيار غير صادق في تحديد وضع الأقلية، وأن معيار التأثير والأهمية الذي تتمتع به الجماعة هو الذي يحدد وضعها. فالجماعة التي تتمتع بوضع اجتماعي واقتصادي وسياسي متميز لا تعد في سياق الأقلية وان كانت الأقل عدداً بالمفهوم الكمي، والعكس صحيح أيضاً فالأغلبية العددية المهمشه والمحرومة تعد وفق هذا المعيار أقلية.

وحول هذا الموضوع يقول المفكر بيتر ورسلي بأن الأقلية العرقية ليست كماً بل مفهوماً نوعياً سياسياً، في تعبير عن التدني والتفوق وليس انعكاساً لمفهوم العدد ويرى ورسلي ان التهميش الاقتصادي والاجتماعي قد سارا يداً بيد، إلا انه لا يمكن الافتراض بأن التهميش الاقتصادي يؤدي إلى التهميش الاجتماعي لأن التهميش الاقتصادي كان نتيجة للوضع الاجتماعي المتدني (3).

ومما لا ريب فيها أن الهامشية الاجتماعية والاقتصادية تقود عادة إلى الهامشية السياسية التي تعبر عن نفسها من خلال أحجام الأفراد عن المشاركة في الأحزاب أو صنع القرار.

لذلك يجب على الباحث عند دراسته لموضوع الأقليات ان لا يركز على الأهمية الديموغرافية بقدر التركيز على الوزن السياسي والاقتصادي والاجتماعي للأقلية(4).

وعلى ذلك فإن القاعدة التي ترى أن الأقلية هي الجماعة الأقل عدداً، وبالتالي فهي الأقل تأثيراً وأهمية، هي قاعدة غير مطلقة بالمفهوم الاجتماعي، حيث توجد أقليات عديدة  تتمتع بالسيطرة على السلطة السياسية وتستحوذ على نصيب كبير من الثروة الوطنية في الوقت نفسه الذي تكون فيه الأغلبية تعاني أوضاعاً متردية والأمثلة على ذلك كثيرة، وهذا الأمر يجعل بعض الباحثين يطلقون وصف الأقلية المهيمنة على هذه الأقليات لأنها تمسك المواقع الأمنية الحساسة والفاعلة في المجتمع. وهناك أسباب عديدة لتفسير هذه الظاهرة فقد تأتي هذه السيطرة بفصل امتلاك هذه الأقلية للقوة العسكرية أو المهارات الثقافية أو التنظيم الفعال أو بسبب عوامل خارجة مثل الاستعمار الذي مكن الأقلية من الهيمنة.

ويحدد ببتر ورسلي وعلى ضوء الدراسات التاريخية المقارنة مشاعر الأقلية في المجتمعات بما يلي: ان الانتماء إلى أقلية عرقية قد يحمل في طياته الخوف الدائم من الاستلاب وشعور المواطنة من الدرجة الثانية حيث يحكم على الفرد فيها اختيار مهين وليس عن طريق القوة أو القانون، ولكن لأنه لا يمتلك الحصيلة الثقافية المهيمنة أو الارتباطات الاجتماعية الضرورية.

د – معيار المشاعر المشتركة.

يؤكد بعض الباحثين على معيار آخر لتحديد مفهوم الأقلية وهو شعور الانتماء إلى الأقلية، حيث يظهر هذا الشعور عادة بشكل واضح في فترة الأزمات أو وجد تهديد للأقلية أو ضغوطات مباشرة عليها. ففي مثل هذه الحالات، تصبح الأقلية واعية تماماً للمقومات المشتركة بينها والتي تكفل لها التضامن الداخلي في وجه الأخطار(5) وإذا ما رافق هذه العوامل شعور من التعصب أو التمييز من قبل الأغلبية، الأمر الذي يؤدي إلى قيام الأقلية بتبني أنماط من السلوك بوعي أو بدون وعي وتعمل على تشكيل تكتل خارج عن السياق العام للمجتمع. وهذا المعيار أطلق عليه بعض الباحثين الشعور الفئوي والذي قد يظهر على شكل تكتل طائفي أو عرقي أو عشائري أو جغرافي.

هـ - المعيار النفعي.

وهنا الأقلية تمثل جماعية اجتماعية تسعى لتحقيق منافع مشتركة للفرد أو المجموعة وهذه المنفعة لها عدة أبعاد، منها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتهدف إلى تحقيق مكاسب أكبر في المجال الاقتصادي وسلطة أكبر في المجال السياسي ووزن أكبر في المجال الاجتماعي.

أنه وعلى الرغم من أهمية المعيار النفعي في تكوين الجماعات وخاصة الجماعات التي تتشكل طوعاً اعتماداً على مبادرة الفرد للانتماء لها، مثل الأحزاب والنقابات والنوادي الاجتماعية والثقافية والرياضية وغيرها، إلا انه في الواقع العملي، فان الفرد لا يختار ان يكون ضمن أقلية معينة وانما يجد نفسه موجوداً في أقلية دون أن يكون له دور في الاختيار.

إن معيار المنفعة على الرغم من أهميته في تفسير نشوء وتطور بعض الجماعات الأقلية. إلا انه فيه ثغرات عديدة ومنها ان تنظيم المجتمع على أسس إدارية بيروقراطية رشيدة وهيكلية سياسية ومهنية متطورة من الأحزاب والنقابات سوف يؤدي في محصلته إلى أضعاف أو إلغاء دور الجماعة العرقية في تحقيق مصلحة الفرد، إذ يمكن ان يحقق مصلحته من خلال وسائل وأساليب أخرى تكون مقبولة من سائر المجتمع دون الحاجة لدعم من جماعته الاثنية، وهكذا كلما تطور المجتمع وتعقدت مصالح الأفراد فيه، فانه لن يكون بالإمكان تحقيقها من خلال جماعته الاثنية أو من خلال القرابة أو المحسوبية، وإنما من خلال المؤسسات والمنظمات الوطنية التي يطورها المجتمع بفعل التقدم والحاجات المتزايدة للأفراد بفعل تزايد توقعات الأفراد المطلوبة إشباعها.

و- وعلى ذلك فانه لا يوجد تعريف جامع مانع لمفهوم الأقلية، لأن حصر مفهوم الأقلية أو ضبطه ضمن إطار واحد ليست مسألة سياسية أو اجتماعية فحسب وإنا مسألة قانونية. وعليه فان مصادر الأمم المتحدة لم تجمع على تعريف واحد للآن لمفهوم الأقلية حتى لا يؤدي التعريف المحدد الضيق إلى حرمان بعض الأقليات من الحماية التي وفرتها الأمم المتحدة من خلال حقوق الإنسان، وهي اللجنة الخاصة لمنع التمييز وحماية حقوق الأقليات. وفي الختام فان مفهوم الأقلية يجب أن يتوفر فيه العناصر التالية:

1)                                         يجب ان يكون عدد الأقلية مقبولا.

2)                                         ان تقوم بين هؤلاء روابط مشتركة مختلفة عن بقية السكان.

3)                                         ان يدرك أفراد هذه الجماعة طبيعة الروابط القائمة بينهم.

ز- حقوق الأقليات بموجب القانون الدولي.

جاء في المادة (27) من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية التي صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 وصودق عليها عام 1976 ما يلي: " ان حق الأشخاص الذين ينتمون إلى أقليات منحصرة بالتمتع بثقافتهم أو الإعلان من ديانتهم أو إتباع تعاليمها أو استعمال لغتهم.

3.                                                                 الوحدة الوطنية ومفهوم الأقليات:

لا يمكن تحديد مفهوم الوحدة الوطنية ما لم تحدد الأبعاد الأساسية التي يتركز عليها مفهوم الوحدة الوطنية وهي البعد الاثني والبعد الثقافي والبعد السياسي والبعد والجغرافي والبعد الوظيفي.

أ – البعد الاثني (العرقي).

يظهر البعد الاثني بشكل واضح في دول العالم الثالث ومنها الدول العربية ، وذلك لان الحدود السياسية التي وضعت من قبل قوى الاستعمار سابقاً عملت على فصل مناطق تسكنها أغلبية إلى دور مجاورة مثل عريستان والتي ألحقت بإيران ومنطقة الاسكندرون التي ألحقت بتركيا. وأما على الصعيد السياسي المحلي فان الحدود السياسية الجديدة ما بين الدول العربية قد عملت على شطر العشيرة أو الجماعية إلى شطرين في نظامين سياسيين مختلفين.

لقد كانت المشكلة الرئيسة للدول العربية التي تشكلت على أساس سياسي وليس على اساس قومي في أعقاب الحرب العالمة الأولى والثانية هي صعوبة تكوين شعور مشترك ما بين أفراد المجتمع أو الجماعة الوطنية يقنعهم بأنهم متميزون عن غيرهم من المجتمعات العربية المجاورة.

وهنا ظهرت عملية تجاذب للولاء بين ما هو قومي عامٍ ومأمولٍ وما هو قطري خاص وواقع. وان هذا الواقع لم يستطع أن يخلق واقعا ًقومياً عملياً يمكن أن ينتسب له المواطن العربي، كما أنه لم يقنع المواطن بأن الإقليم القطري هو وطنه الحقيقي وان هويته القطرية هي هويته الشخصية الدائمة.

ان متطلبات هذا العصر وبخاصة في نهاية القرن العشرين في تحقيق الرفاه وضمان الأمن وتحيق استقلال القرار السياسي، لا يمكن ان يتحقق في ظل الوحدات السياسية الصغيرة، وهناك أيضاً شكوك حول جدوى تحقيقها ضمن الدولة القومية فقط، وانما أصبحت متطلبات هذا العصر ومع ازدياد الاتصالات وثورة المعلومات وسرعة الحركة تقتضي تعاوناً بين العديد من القوميات ضمن تجمع أكبر. ان هذا التصور للتعاون المستقبلي قد تطور بشكل كبير ضمن دول أوروبا وأمريكا الشمالية ومع ظهور العديد من الأسواق المشتركة والمنظمات الاقتصادية الدولية. أما على صعيد الوطن العربي فان هذا التصور وللأسف غير متحقق وذلك لأن العديد من الدول العربية لم تتمكن للآن من تحقيق وحدتها الوطنية بشكل فعال وكما يظهر ذلك في لبنان والعراق واليمن والسودان وغيرها. ان الدول التي لم تتمكن للآن من بناء مقومات وحدتها الوطنية بشكل عملي وفعال لا تستطيع ان تنطلق لمستويات أعلى من التعاون والتنسيق والتكامل والاندماج.

ان الواقع السياسي والاجتماعي في العديد من الدول العربية لم يحقق الحد الأدنى من الانفاق على الأهداف الوطنية، كما انه لا توجد مؤسسات سياسية أو اجتماعية أو مهنية فعالة وهذه الأمور لا زالت تمثل عائقاً أما تحقيق الوحدة الوطنية والاندماج الاجتماعي وتساعد على بروز قضيا الأقليات,

ب – البعد الثقافي.

ان البعد الثقافي له دور كبير في تحديد هوية انه جماعة وطنية وفي هذا المجال لابد من إلقاء الضوء على مفهوم مصطلح الثقافة.

فالثقافة هي ظاهرة تاريخية وتطورها مشروط بتطور المجتمع وبفاعليته الاجتماعية، فهي نشاط الجماهير المبدع وحصيلة التعامل داخل البيئة الاجتماعية ومع المجتمعات الأخرى(6) وانه وعلى الرغم من وجود مكونات عديدة تمثل في حصيلتها الثقافة العامة للأمة، إلا انني سأحاول أن القي الضوء على جانب واحد من المنظومة الثقافية في المنطقة العربية وهو البعد الثقافي السياسي نظراً لأهمية هذا البعد ومدى تأثيره على المنطقة العربية خلال هذا القرن بعامة والعقود الأربعة الأخيرة بخاصة.

ان أهمية الثقافة السياسية تكمن من كونها عاملاً مهماً في إنشاء وتفعيل المؤسسات كما انها تساهم في التنشئة السياسية وتحديد مسارات الثقافة السياسية المستقبلية أيضاً. ان الثقافة السياسية تمثل نسقاً من القيم والاتجاهات والمعتقدات السياسية وتتطلب معرفة المركب الثقافي للمجتمع لتفسير كيفية تشكل وعمل المؤسسات (7) وهذه القيم والاتجاهات السياسية التي تضطلع بها المؤسسات الأولية ابتداء من الأسرة إلى المدرسة فالمؤسسات الحزبية والأعلام.

يوجد في العديد من المجتمعات العربية نمطين من الثقافة السياسية وهي الثقافة السياسية الشاملة والتي تركز على الأمة والثقافة السياسية المحلية والتي تركز على البعد القطري. وهنا نلاحظ ازدواجية ثقافية لا توجد في أي مجتمع، كما هي موجودة في الدول العربية، وبخاصة التي تتبنى الفكر القومي كشعار والتوجه الوطني كممارسة.

ففي المنطقة العربية يلاحظ الباحث وجود ثقافة سياسية وطنية تتبناها الدولة القطرية ووجود ثقافة سياسية شاملة موازية لها تتبناها بعض الدول والأحزاب والتيارات والنخب السياسية على مستوى الوطن العري، وهاتين الثقافتين لا يكملان بعضهما كما يفترض بهما وإنما كانتا في الكثير من الأحيان في تنافر وتضارب، فالثقافة الوطنية تعمل على تقويض الثقافة السياسية الشاملة السياسية الشاملة تعمل على تقويض الثقافة السياسية الخاصة للدولة أو النظام المعين. لذلك فانه يوجد في الوطن العربي عدة مستويات من الثقافة السياسية وهي ليست على تكامل مع بعضها في معظم الأحيان وهي الثقافة السياسية العامة القومية والثقافية السياسية الوطنية الخاصة، والثقافة السياسية الخاصة بجماعات أو طوائف أو أحزاب أو أقليات معينة، الأمر الذي يهدد الأمن والاستقرار  في المجتمعات العربية ولا يخدم الوحدة الوطنية والاندماج الاجتماعي. ان وجود ثقافة عامة وطنية وثقافات فرعية ضمن إطار الثقافة الوطنية أو السياسية السائدة لا يعد أمراً سلبياً بحد ذاته أو متناقضاً مع تماسك الجماعة أو الوحدة الوطنية، بل على العكس، قد يكون عامل أغناء وإثراء وإنما ذلك يعتمد على مدى تطور المجتمع أو تخلفه على صعيد التراكيب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فالدول المتقدمة استطاعت أن تحقق وحدتها الوطنية من خلال مؤسسات سياسية مستقرة وتطوير ثقافة وطنية شاملة تستوعب وتتعايش مع الثقافات الفرعية. ان معظم الأقطار العربية لا زالت تعاني من إشكالات عديدة على صعيد ثقافتها السياسية الوطنية وعلاقة هذه الثقافة بالثقافة الشاملة الثقافة الغربية وهي لا زالت عاجزة عن التوصل إلى حد أدنى من الاتفاق حول القيم والغايات الأساسية للمجتمع وأساليب بلوغ هذه الغابات، بما يكفل تسوية الصراعات ضمن إطار القواسم المشتركة بين الأطراف، من خلال صياغة ثقافة توفيقية وسطحية تكون الأساس للمجتمع الديمقراطي الحديث الذي يقوم على الحوار والمشاركة. وبدلاً من ذلك فقد لجأت بعض الدول العربية إلى استخدام الطرق المباشرة المستندة على القوة لفرض ثقافة سياسية معينة لتحقيق عملية الدمج من خلال نظرية الحزب الواحد القائد.

يوجد أسباب عديدة لها تأثيرات سلبية على تماسك الوحدة الوطنية في الدول العربية ومنها:

أ- التباين الثقافي ما بين الأجيال.

ان الجيل القديم في المجتمعات العربية يمسك بزمام المقاليد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويعمل باستمرار على سيادة ثقافة ذلك الجيل على جيل الشباب والذي في معظمه ليس له ثقل سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، ولديه رغبة شديدة في الانطلاق والتحرر وخاصة بعدما غزت ثقافة التحرر الثقافي والسياسي الغربي المنطقة العربية، أن هذا الوضع يودي إلى ما يعرف بصراع الأجيال وميل جيل الشباب للتمرد والثورة على الأوضاع الراهنة ومنها تقاليده السائدة.

ب- التباين الكبير ما بين ثقافة النخبة وثقافة الجماهير.

ان ثقافة النخبة في معظمها ثقافة متأثرة بالقيم الغربية، في حين ان الثقافة الشعبية التقليدية تسود أوساط الجماهير. ان هذا الأمر في معظم الأحيان يؤدي إلى حدوث قطيعة اجتماعية ما بين الطرفين.

ج- التباين الواسع في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة العربية والذي نشأ عنه بروز أقلية طبقية بالغة الثراء وأغلبية فقيرة، ان هذا الوضع يسهم وإلى حد كبير في تعميق الشرخ الوطني.

ج- البعد السياسي:

ان اثر البعد السياسي على الوحدة الوطنية يعتمد على مدى تحقق أو عدم تحقيق التفاعل البناء ما بين النظام وعامة الشعب، لأن هذا التفاعل الإيجابي بعد متطلباً أساسياً لتحقيق الوحدة الوطنية ويجب أن يتم هذا التفاعل عبر مؤسسات سياسية تمثل الشعب تمثيلاً صحيحاً. ان التفاعل السياسي ما بين القائد الرمز والشعب هو تفاعل مؤقت ينتهي عادة مع زوال القائد وهذا ما ظهر في تجربة الناصرية وغيرها.

ان اقتناع الشعب بشرعية القيادة والنظام السياسي شرط أساسي لحدوث تفاعل إيجابي بناء، وعلى عكس ذلك فكلما تدهورت شرعية القيادة السياسية، فإن التفاعل إيجابي يضمحل ويبدأ الشعب ينظر للسلطة على أنها أداة تسلط واستغلال.

ان من الظواهر الملموسة في معظم المجتمعات العربية وجود فجوة واسعة ما بين القيادات والجماهير، فالجماهير ليس لديها القدرة على التأثير في مجريات الأحداث والقيادات لا تحترم آراء الجماهير.

وفيما يلي عدداً من العوامل التي تساعد على وجود هذه الهوة ما بين القيادة والشعب:

1)           غياب أو ضعف التنظيمات السياسية كالأحزاب والنقابات والتنظيمات الاجتماعية الأخرى. وأن الواقع السياسي في العديد من الأقطار العربية يصب في مصلحة توسيع هذه الفجوة وليس ردمها وذلك بسبب غياب الديمقراطية والمشاركة السياسية وضعف النظام السياسي.

فالدولة التي لا تستطيع ان تلبي الحاجات الأساسية للمواطنين سواء كانت هذه الحاجات سياسية أو اقتصادية تفقد شرعيتها ومبرر وجودها، كذلك فان تركز السلطة بيد فئات أقلية اجتماعية أو طائفية أو اقتصادية أو مصلحيه أو قبلية لا يتيح الفرصة لتكوين نظام سياسي ديمقراطي، لذلك فان العديد من المفكرين والسياسيين يرون ان أفضل سبيل لإشباع حاجات وتطلعات المواطنين هو إتاحة الفرصة للشعب في المشاركة في أتحاذ القرار وتقرير مصيره بيده.

2)           ضعف وسائل الاتصال ما بين القيادة والجماهير. وهذا يؤدي إلى عدم استجابة المواطنين لمخرجات النظام السياسي من قرارات وتوجيهات وتعليمات وقوانين بسبب ضعف التغذية العكسية أو عدم وصول هذه المخرجات للمواطنين.

3)           التباين الثقافي الحاد. وهذا عادة يكون ما بين النخب السياسية والتي تتمتع بثقافة عصرية وعموم أفراد المجتمع والذين يعتنقون الثقافة التقليدية، الأمر الذي يخلق نوعاً من التباين في الولاء ما بين الولاء للجماعة الفرعية وما بين الولاء للوطن ككل ويزداد الأمر تعقيداً في العادة عندما يصل للسلطة قادة يتبنون سياسات تعتمد على ولاءات طائفية أو قبلية أو جوهرية تعمل على تكريس مصلحة الجماعة على مصلحة الوطن.

د- البعد الجغرافي.

إن البعد الجغرافي للدولة يعد عاملاً أساسياً في تحديد الهوية الوطنية، فكلما كانت البينة الجغرافية للدولة مجزأة على أساس جغرافي أو ولاءات جغرافية كلما ازدادت مخاطر الانفصال.

إن البعد الجغرافي للدولة أيضاً يحد إمكانية تحقيق أو عدم تحقيق تفاعل واندماج ما بين أجزاء الوحدة الجغرافية. ان هذا الأمر يتطلب إيجاد علاقة فعالة ما بين الأقاليم الجغرافي وما بين هذه الأقاليم والمركز. ويوجد هناك عدة عوامل تؤثر على الوحدة الوطنية الجغرافية ومنها:

1)           اهتمام النظام السياسي بالمركز على حساب الأطراف أو الاهتمام بإقليم معين على حساب الأقاليم الأخرى من حيث الدعم المعنوي والاقتصادي والسياسي.

2)                               ضعف وسائل الاتصالات والمواصلات.

هـ - البعد التنموي.

وهذا يعني ربط كافة أقاليم الدولة من خلال مشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية المتوازنة والشاملة لكافة أقاليم الدولة وسكانها.

4.                                                                 أسباب ظهور مشكلة الأقليات:

أ – قيام الأقلية يتبنى مطالب ذات طبيعة متعارضة مع توجهات النظام السياسي أو متطلبات الوحدة الوطنية.

ب- عدم قدرة النظام السياسي على خلق أو تهيئة الأجواء المناسبة لدمج الأقلية أو إشراكها في نمط الحياة العامة لبقية الشعب.

ج- قيام الأغلبية بممارسات ضد الأقلية فيها قدر من المضايقة أو الاستهانة.

د- وجود تدخلات من قوى إقليمية ودولية لدعم الأقليات.

5.                                                                 الحل المقترح لمعالجة موضوع الوحدة الوطنية:

أ- المتطلبات الأساسية للتعامل مع المشكلة.

يجب الإقرار أولاً بأنه لا يوجد حلاً جامعاً مانعاً لمشاكل الأقليات وذلك لأن الحلول تختلف باختلاف الظروف والمتغيرات المتعلقة بكل حالة واختلاف الزمان والمكان والأسباب. وهنا يمكن الإشارة إلى بعض الملاحظات والحقائق التي يجب توفرها للحل ومنها:

1)           مراعاة التدرج الزمني، وذلك لأن أي حل مهماً كان مدروساً فانه لا يمكن تحقيقه ضمن فترة زمنية قصيرة. وعلى ذلك فالمعالجة يجب ان تكون تدريجية وأن تدعم بحملة إعلامية واسعة من أجل توفير تهيئة نفسية واجتماعية ملائمة.

2)           يجب أن يكون الحل واقعياً ويتناسب مع الحالة أو المشكلة المطروحة وان يستعد قدر الإمكان عن المثالية والعاطفية المجردة، ويجب أن يكون هناك إمكانية عملية لتطبيقه على أرض الواقع وأن يكون هناك تقبل لذلك الحل من الجماعة.

3)           يجب أن يكون الحل وليد أجواء سلمية وليس معتمداً على الوسائل القسرية وهذا يفترض أن يكون الحل قائماً على روح التسامح والحوار ما بين الأغلبية والأقلية أو بين النظام السياسي والأقليات وهذا يفترض من النظام السياسي قبول الرأي الآخر ما لم يكن هذا الرأي بشكل تهديداً للوحدة الوطنية أو خرقاً لها.

4)           يجب ان تتاح الفرصة لكافة الأطراف المعنية التعرف على كافة أبعاد المشكلة وعدم اخفاء معالمها وذلك لأن الاعتراف بالمشكلة والكشف عنها هو الطريق الصحيح للوصول إلى الحل، لأن اخفاء المشكلة أو تجاهلها سيفتح الطريق للعديد من القوى الإقليمية والدولية لإبراز المشكلة وإظهارها بطريقتها الخاصة.

5)           ان أي حل ناجح يجب أن يكون صادراً عن الدولة ممثلة بنظامها السياسي وذلك لأن الدولة تمثل الإطار السياسي الذي يستطيع الإنسان أن ينظم حياته وشؤونه، لذلك لا مفر بأن تبادر الدولة بطرح الحلول.

6)           ان أي معالجة لموضوع الأقليات يجب ان ينتج قدراً كافياً من فرص الحراك الاجتماعي وهذا يعني ضرورة تهيئة الظروف المناسبة لجميع الشعب للانتقال وحسب قدراتهم ومؤهلاتهم إلى مراكز اجتماعية إلى أخرى تعد ذات أهمية كبرى في حركة واندماج ووحدة المجتمع، وعليه فهناك نوعين من المجتمعات وهما المجتمع المفتوح والذي يسمح بالحراك الاجتماعي، والمجتمع المغلق والذي لا يسمح بذلك. ان الحراك الاجتماعي يرتبط أيضاً بمبدأ هام وهو تكافؤ الفرص.

7)           يجب ان تكون سلطة الدولة ممثلة بنظامها السياسي متجردة وبعيدة عن الإنحياز والمحاباة لأية جماعات إقليمية أو طائفية أو قبلية على حساب مصلحة الجماعات الأخرى، وهذا يعني ان تكون هناك سلطة واحدة هي سلطة الدولة الممثلة للشعب لا السلطة المنبثقة عن الشعيرة أو الطائفية أو المنطقة أو المصلحة.

ب- وسائل وأدوات تحقيق الوحدة الوطنية:

1)           الجهاز الإدارية الحكومي: وهذا يعني أن تقوم العملية الإدارية على أسس علمية ومرتكزة على قواعد تنظيمية يهدف تحقيق أكبر قدر من الفاعلية وكما يرى ماكس فيبر. وهذا يفرض أن تقوم الإدارة على ركنين أساسيين هما:

أ. معيار الكفاءة والنزاهة، وليس على اعتبارات قبلية أو طائفية أو جهوية.

ب. أن تقدم خدماتها للمواطنين بدون تمييز بينهم. وهذا يعني تحرير الوظيفة العامة من القيود الطائفية أو العشائرية أو الإقليمية أو المصلحية ، التي لا زالت سائدة في العديد من المجتمعات العربية للآن. لأن مثل هذه العلاقات أو الولاءات الشخصية المرتبطة بالعشيرة أو المنطقة أو الطائفة تؤدي إلى فساد الجهاز الإداري وانحرافه عن أداء واجبه الوطني على طريق بناء الدولة.

ان انتشار المحاباة والمحسوبية يؤثر سلباً على قدرة العاملين بالأجهزة الإدارية على اتخاذ قرارات موضوعية بحيث تصبح الأجهزة الحكومية مرآة عاكسة لأزمة عدم الاندماج (8).

2)              الجيش: يحتل الجيش في معظم دول العالم الثالث عامة وفي الدول العربية بخاصة مركزاً مميزاً بين معظم مؤسسات الدولة، وذلك لأن المؤسسة العسكرية تتميز بالنظام والانضباط وكذلك بالتنظيم الهرمي القيادي. كما أنه يعد المؤسسة الرئيسة المعنية بالدفاع عن المجتمع والدولة ضد أي تهديد خارجي. وتأتي أهمية الجيش كمؤسسة اجتماعية من طبيعتها كمؤسسة تقوم على أسس إدارية وتقنية متقدمة. بسبب طبيعة تنظيمها وتدريبها وانفتاحها على الدول الأكثر تقدماً، ومن هنا فان النخبة العسكرية في البلدان العربية تعد في مصاف نخبة الإداريين والمثقفين والتجار، وبموجب هذه المميزات فان المؤسسة العسكرية قد أعطت دوراً مميزاً في حياة المجتمعات العربية وحظيت بمكانة بارزة تفوق أية مؤسسة أخرى، وعلى ذلك فان معظم القيادات السياسية في الدول العربية جاءت من خلفيات عسكرية أما من خلال وسائل الانقلاب واستخدام القوة أو من الأدوار التي تقدمها المؤسسة العسكرية في معظم الدول العربية لحماية السيادة الوطنية والنظام السياسي، وكذلك فتح قنوات للحراك الاجتماعي للأعلى.

وعلى ذلك فان الجيش قام على أسس وطنية سليمة من حيث اعتماد معيار الكفاءة والإخلاص والنزاهة وعدم اقتصاره أو اقتصار قياداته على منطقة دون أخرى أو قبيلة دون أخرى فانه سيصبح أداة اجتماعية فعالة لصهر الشرائح المختلفة في المجتمع. أما إذا ما قام على أسس ضيقة واقتصر على أقليات معينة على حساب الأغلبية فانه سيكون نقيضاً للوحدة الوطنية.

3)              الأحزاب السياسية : إن النظم السياسية المعاصرة التي تنتهج النهج الديمقراطي ترتكز على التعددية السياسية والتي مظهرها الرئيسي هو الأحزاب السياسية، لأن هذه الأحزاب تستطيع ان تنجز العديد من الوظائف الحيوية ومنها:

أ- الوظيفية التنظيمية: من خلال توجيه وتنظيم الأفكار ووضعها في إطار شامل.

ب- وظيفة الاتصال: تعمل قناة اتصال بين القاعدة والقيادة لذلك فانها وسيلة لربط الجماهير مع القيادات بطريقة تساعد على توليد قوة سياسية لتلك الجماهير من خلال توجيهها وتفعيلها.

ج- المشاركة السياسية: تعد الأحزاب من الوسائل المؤسسية الرئيسية لتنظيم عملية المشاركة السياسية.

د- الوظائف الأخرى: ومنها الوظائف التربوية والتثقيفية وخلق القيادات الوطنية ومساهمتها في تغيير البني الاجتماعية السائدة، وهي بذلك تعد أداة مهمة في بلورة المصالح وصياغتها وتجميعها.  من خلال الانتقال بالتراكيب الجزئية إلى مستوى البنية الوطنية. لأن الأحزاب تعمل على تعميق شعور المواطنة التي تتخطى الاعتبارات الطائفية والعرفية والقبلية والإقليمية وغيرها.

وفي هذا المجال يجب التفريق ما بين نوعين من الأحزاب السياسية وهي الأحزاب الوطنية والأحزاب ذات الصبغة التمزيقيه. وأن المعيار الذي يفترض ان يعتمد عليه في تصنيف الأحزاب السياسية إلى وطنية أو تمزيقية يجب أن لا ينصب على عقيدة الحزب ومبادئه المعلنة فقط. وإنما على مواقفه وسياساته وسلوكياته وعبر فترة تاريخية معين.

وعلى ذلك فان الحزب الوطني هو الحزب الذي يسعى إلى تحقيق أو صون الوحدة الوطنية للمجتمع وذلك من خلال تجاوز الأطر القبلية أو الطائفية أو الجهوية أو المصلحية لصالح الولاء العام للوطن.

6.                                                                 عوامل تعزي الوحدة الوطنية:

أ – تكوين ثقافية وطنية: وهذا يعني قيام النظام السياسي بتبني ثقافة وطنية سائدة داخل المجتمع وعادة ما تكون هذه الثقافة ثقافة الأغلبية دون أن يعني ذلك إلغاء الثقافات الفرعية لأبناء الأقليات، وهذه الثقافة الوطنية الشاملة المعتمدة يجب ان تتضمن سمات علمية وموضوعية وإيجابية راشدة وأن تساير التطور وأن تعمل على تكريس العمل الجاد والتضحية واحترام العمل الجماعي المؤسسي وتطوير البنى والمؤسسات الاجتماعية. كما ان هذه الثقافة يجب ان تتضمن أيضاً قيم المساواة والحرية والولاء للوطن والتجرد وعدم الانحياز والابتعاد عن المحاباة على أسس طائفية أو قبلية أو جهوية، والابتعاد عن التعصب والتمسك بالاعتدال والوسطية. كما تستطيع الدولة استخدام الرموز لتكريس وتوطيد القيم والسلوكيات كالاحتفال بالأعياد الوطنية والقومية، فالرموز مثل العلم والنشيد الوطني والعملة والشعارات والطوابع والأعياد والتراث الوطني والشخصيات الوطنية، وهكذا يمكن القول ان حاضر ومستقبل الوحدة الوطنية لا يمكن ضمانه إلا بانحلال العلاقات العصبوية التقليدية عن طريق تنمية شاملة وإبراز عصبية أعم وأشمل وهي العصبية الوطنية. والنظام السياسي يلجأ إلى انتهاج عدد من الوسائل والأساليب لنشر الثقافة الوطنية الشاملة.

1)                                         التنشئة السياسية ك وذلك من خلال الأسرة والمدرسة والإعلام.

2)              الاتصال من خلال الصحافة والإذاعة والتلفزيون والسينما والمعارض والندوات والأحزاب والمجالس البلدية والقروية والنقابات المهينة. 

ب – توفير المشاركة السياسية: وتتخذ هذه المشاركة الشعبية أشكالا ًعديدة منها المشاركة في اتخاذ القرار وصياغة السياسات العامة واختيار ممثليهم في السلطة التشريعية والمجالس المحلية. ويمكن قياس درجة المشاركة السياسية من خلال بعض الممارسات مثل الانتخابات وحرية الصحافة وأسلوب تأليف الجماعات.

تعد الأحزاب السياسية من أهم الوسائل المؤسسية لتنظيم عملية المشاركة السياسية وتطوير الإحساس بالمشاركة وكذلك النقابات العمالية والمهنية والجمعيات وغيرها.

ج- تحقيق التنمية المتوازنة: ولتحقيق ذلك يجب توفير ما يلي:

1)           يجب أن تكون التنمية شاملة وتنصب على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية وليس على جانب واحد.

2)                               يجب ان تتوزع التنمية بشكل متوازن على الأقاليم ولا يجوز ان تتركز في العاصمة أو المدن الرئيسة.

3)           يجب أن تكون عملية التنمية ذات طابع وطني ولا تميز بين فئات المجتمع على أساس عرقي أو طائفي أو جهوي. 

الفصل السادس

الهوامش والمراجع

 

1)                              غليون، برهان، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، ص 15.

2)         يوسف، باسل، حقوق الإنسان في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي، دراسة مقارنة، بغداد، دار الحرية، ص 125.

3)         ورسلي، بيتر، العوالم الثلاثة، الثقافة والتنمية العالمية، ترجمة صلاح الدين محمد، ج2، ص 49.

4)                              مستعد، د. نيفين عبد المنعم، الأقليات والاستقرار السياسي في الوطن العربي، المقدمة، ص د.

5)                              مضيه، محمد سعيد، الثقافة الفلسطينية والممارسات الصهيونية، ط2، ص3.

6)         المنوفي، كمال، تطور الثقافة السياسية والنظم السياسية العربية، المستقبل العربي، عدد 47، 1983، ص42.

 

الفصل السابع

القضية الكردية" دراسة تاريخية وسياسية"

1.                                       المقدمة والخلفية التاريخية.

2.                                       الحركة الكردية في إيران.

أ - عام

ب- حركة الاستقلال.

ج- اشتعال الانتفاضة مع سقوط الشاه.

 د. الأكراد والثورة الإسلامية في إيران.

هـ - انتفاضة الأرياف.

 و- فشل محادثات الحكم المحلي. 

3.                                       الحركة الكردية في العراق.

ا - المقدمة.

ب- العودة إلى نقطة البداية.

ج- اتفاقية عام 1970.

د- العودة إلى موضوع الحكم الذاتي.

هـ- المواجهة الشاملة.

و- الشاه يضحي بالأكراد.

ز- الجولة الأخيرة بالأكراد.

4.                                       الحركة الكردية في تركيا.

أ – المقدمة.

ب- الحل العسكري.

ج- الأزمة الاقتصادية.

5.                                       كردستان والقوى الخارجية.

6.                                       الخلاصة والاستنتاجات.

 

1.                                                                                       القضية الكردية" دراسة تاريخية وسياسية"

1.                                                                               المقدمة والخلفية التاريخية.

أ- المقدمة بدأت الكردية في الآونة الأخيرة تأخذ أبعاداً جديدة وتتفاعل متصدرة الأحداث وبخاصة في أعقاب أزمة الخليج، والتي كان من نتائجها ازدياد اهتمام الدول الغربية بموضوع الأكراد كإحدى وسائل تحقيق الإستراتيجية السياسية والعسكرية في منطقة الخليج بخاصة ومنطقة الشرق الأوسط بعامة, من -خلال ممارسة الضغط السياسي على العراق وتشتيت جهوده العسكرية، وفي هذا المناخ الذي التقت فيه المصالح الغربية والمصالح الكردية وجد الأكراد أنفسهم مرة أخرى أمام فرصة يمكن استثمارها، وعلى ذلك فقد اندلع تمرد كردي على نطاق واسع مع بداية حرب الخليج في شمال العراق وبدعم وتشجيع من الدول الغربية. ولكن ومع انتهاء الحرب وتوقف إطلاق النار ما بين قوات التحالف والقوات العراقية حتى وجد الأكراد أنفسهم مرة أخرى مكشوفين أمام قوات عراقية متفوقة تمكنت من إلحاق الهزيمة بقوات المتمردين والتي كان من نتائجها فرار مئات الآلاف من الأكراد إلى تركيا وإيران،وعلى ذلك فقد شعر الأكراد مرة أخرى أنهم وقعوا فريسة للتنافس الدولي والإقليمي. ان هذا الوضع أدى بالتالي إلى قيام قوات التحالف بالتدخل المباشر في شمال العراق بحجة حماية الأكراد ولتعزيز مصداقيتهم وحددوا ما سمي بالمنطقة الآمنة لإتاحة المجال للأكراد للعودة إلى ديارهم بحرية. والآن وبعد مرور سنوات عدة على حرب الخليج فان القوات الغربية لا زالت متواجدة في كردستان العراقية بينما أخلت القوات العسكرية العراقية منطقة الأكراد والتي أصبحت في حالة فوضى وفراغ سياسي، بسبب التنافس الشديد ما بين الجماعات الكردية وخاصة إتباع البرازاني وإتباع الطالباني وادعاء كل منهما بأنه يمثل الأكراد مع عدم استطاعة أي منهما حسم الموقف لصالحه، لقد أدى هذا الوضع إلى إجراء انتخابات في كردستان العراقية بإشراف القوات الغربية لانتخاب جمعية تشريعية كردية، بينما حرم هذا الحق على أكراد إيران وتركيا. ان أبعاد الموقف في شمال العراق لا يزال مجهولاً ويصعب التكهن بنتائجه للآن. ففي حين ترتفع أصوات كردية مطالبة بالانفصال عن العراق فهناك أصوات أخرى تطالب بحكم ذاتي في إطار الدولة العراقية. ومما لا شك فيه ان وجود أقليات كردية كبيرة في كل من إيران وتركيا والتي تعد دولة حليفة للغرب سيقف حائلاً أمام أي طرح لإنشاء دولة كردية في شمال العراق، لما له من نتائج سلبية وخيمة على الأوضاع الداخلية في إيران وتركيا والتي تواجه نفس المشكلة ولا يمكن أن تقبل بأي حال من الأحوال تشكيل دولة مستقلة في شمال العراق.

وفي هذه الدارسة التاريخية والسياسية للمشكلة الكردية سأحاول ان ألقي الضوء على الخلفية التاريخية والتطورات السياسية التي واكبت المشكلة الكردية في كل من تركيا وإيران والعراق وعلاقة هذه القضية بالقوى الإقليمية والدولية.

ب- نبذة تاريخية.

1.                              لقد كان مناطق الأكراد موضع تنافس ونزاع ما بين الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الفارسية ولمدة طويلة، وحتى دخلتها الجيوش العربية الإسلامية ما بين عامي ( 644-656)م واعتنق الأكراد الإسلام ولعبوا دوراً فاعلاً ونشطاً في الحضارة الإسلامية، وأما في القرن الثاني عشر وأثناء الغزوة الصليبية التي تعرضت لها المنطقة العربية فقد برز دور القائد صلاح الدين الأيوبي وهو من أصل كردي كقائد للجيوش الإسلامية والتي تصدت للجيوش الصليبية وتمكنت من دحر الصليبيين في معركة حطين واستعادة القدس الشريف. وفي القرن الرابع عشر وفي أعقاب غزو تيمورلنك فقد قسمت كردستان ما بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية والتي كانت تحكم بلاد فارس. ان الحروب المتكررة ما بين الدولتين والتي كانت كل منهما تضم أكراداً أدت إلى تقسيم الولاءات الكردية، وعندما عمم الشاه إسماعيل الشكل الشيعي للإسلام على الدولة الإيرانية، فإنه دق إسفيناً ما بين الفرس الذين يعتنقون المذهب الشيعي والأكراد الذين يتبعونه المذهب السني وقد تعزز هذا الاتجاه بقوة عندما هزم السلطان سليم العثماني الجيش الفارسي عام 1514 وانتقال معظم الأكراد إلى الجانب التركي الذي يتسع المذهب السني مقابل وعود من السلطان العثماني بعدم التدخل في شؤونهم الداخلية.

2.                              أما في العصر الحديث فان أول فرصة تاريخية ظهرت للأكراد كانت في أعقاب الحرب العالمية الأولى وعلى أثر انهيار الدولة العثمانية وإعادة ترسيم الحدود السياسية في المنطقة، حيث اعترفت معاهدة سيفر عام 1920 بحق الأكراد في إقامة دولة خاصة بهم ولكن ظهور كمال أتاتورك في تركيا أنهى هذا الوعد من خلال معاهدة لوزان عام 1923 والتي وزعت المنطقة الكردية بين كل من تركيا وإيران والعراق.

ج- الأرض والسكان.

1.                              تتشكل كردستان من مناطق جبلية جميلة جداً تبدأ من الشرق بالقرب من بحيرة الرضائية في إيران وعلى منحدرات جبال زاغروس وتمتد غرباً إلى منتصف المسافة ما بين سانتداج وهمذن ثم تتجه غرباً مارة في منطقة كركوك في العراق وحتى تصل إلى مدينة ملاطية في تركيا، ويحد المنطقة في الشمال سلسلة جبال مركان داغ وهارهال داغ والتي تمثل حدوداً طبيعية ما بين الأتراك والأكراد. ان مناطق الأكراد تعد من المناطق الغنية بالنفط والغاز الطبيعي كما اكتشف فيها خامات الحديد وهناك ثروة معدنية غير مستغلة للآن تشمل الفحم والنحاس والذهب والفضة وخامات اليورانيوم.

2.                              ان غالبية الأكراد تتبع المذهب السني ما عدا الأكراد المتواجدين في منطقة كرمنشاه في إيران والذين يتبعون المذهب الشيعي. ان استمرار الحروب وعدم الاستقرار في المناطق الكردية وإهمال الحكومات المركزية لهم أدى إلى تردي الأوضاع الاقتصادية وعزوف الحكومات أو الأفراد عن الاستثمار في تلك المناطق والتي لا زالت تعتمد بشكل رئيسي في اقتصادها على الزراعة والحرف اليدوية وتجارة المواشي وأما الصناعة فهي شبه معدومة.

3.                              تنتمي اللغة الكردية إلى مجموعة اللغات الهندوأوروبية ولها لهجتان وهما الكورمانجي والجوراني، واللهجة الجورانية تعد الأكثر شيوعاً ولا يوجد لأي من تركيا وسوريا والسيريلية ( أبجدية سلافية) في روسيا والأبجدية العربية في العراق وإيران وعلى ذلك فان اللغة لا تعد عاملاً موحداً بينهم.

4.                              لا يوجد إحصاء دقيق للأكراد وذلك بسبب الظروف الداخلية غير المستقرة والحراك السكاني الكردي المستمر ما بين تركيا والعراق وإيران وحسب الظروف السياسية والعسكرية في المنطقة وكذلك بسبب ميل الحكومات في المنطقة للتقليل من الأعداد الحقيقية لهم. وتبلغ الأعداد التقريبية للأكراد كما يلي:

 

الدولة

المجموع العام للسكن

مليون نسمة

عدد الأكراد

مليون نسمة

النسبة المئوية

إيران

55

7

12%

تركيا

60

14

23%

العراق

22

4.5

20%

سوريا

17

085

5%

لبنان

5

018

3%

أرمينيا، أذربيجان وجورجيا

--

--

07

--

المجموع العام

--

27.230

--

 

 د الأحزاب المتناحرة.

1.                           ان فكرة إنشاء دولة كردية مستقلة ستبقى حلماً يراود الأكراد ما لم تظهر شخصية قيادية كردية ثورية وحدوث تفكك في النظام الإقليمي. ان انهيار الحركة الكردية في العراق عام 1975 والتي غلب عليها طابع البرازاني أدت لاحقاً إلى ظهور منظمات جديدة تعتنق المذهب الماركسي اللينيني، مما أدى إلى حدوث انشقاقات خطيرة أجهزت على المكاسب الكردية التي انتزعت من طهران بعد أفول نظام الشاه، أما في العراق فان حركة التمرد خبت بشكل عام وان ظهر بين الفينة والأخرى عمليات عصابات ضيقة النطاق. وأما في تركيا فإن الاضطرابات ازداد أوارها بفعل عدد من مجموعات الثوار اليساريين السريين في الأقاليم الكردية. والتي أصبح يطلق عليها " شرق تركيا المستعمر"، حيث قامت جماعة يطلق عليها التحرير (زرجاي) بإثارة الاضطرابات ضد الحكم العسكري التركي في 22 أيلول عام 1980 في مدين ديار بكر الكردية.

2.                           ان المتتبع لتاريخ منطقة الشرق الأوسط يجد ان الأقليات في هذه المنطقة استغلت باستمرار من قبل الدول المجاورة والأجنبية، لقد استخدم الأكراد مراراً كورقة ضاغطة على الأنظمة المتتالية في العراق في الأوقات التي كنت تتدهور علاقاته مع القوى الإقليمية أو الدولية، وفي هذا الجو السياسي، فقد وجد الأكراد أنفسهم في الخط الأمامي للتفاعلات السياسية الدولية في المنطقة، فأمر تعبئة أو رعاية أو توجيه الأكراد لم تكن مسائل بسيطة ذات اهتمام محلي بل ذات أهمية للقوى الكبرى.

 هـ - الروح الثورية.

1.                              ان النمط الثوري في العمل السياسي الكردي أصبح يتشكل ويأخذ صبغة خاصة مع مرور الوقت، وقد بدأت تظهر ملامحه في الانتقال المستمر للأكراد خاصة ما بين تركيا والعراق وإيران بحثاً عن الحماية والملجأ الآمن، فإذا ما شعر الأكراد بوطأة الضرائب التي تفرض عليهم من قبل الأتراك أو الفرس أو إذا ما امتهنت حقوقهم فانهم كانوا يلجئون إلى التمرد والعصيان وبذلك استطاعوا تطوير أسلوب خاص بهم في حرب العصابات والذي يتلخص في الاعتصام بالجبال المنيعة والمعروفة جيداً لهم أو الانتقال عبر الحدود واللجوء لأقاربهم.

2.                              ان هذه الظروف والأوضاع الخاصة بلورت شعوراً بالخاصية الكردية والتي تطورت ونمت في القرن السادس عشر بفعل الكتابات الملحمية المنافحة عن الشخصية الكردية والمنادية بدمج الأقاليم الكردية في أمة واحدة. أنه على الرغم من ظهور هذه الخصائص الكردية المميزة فان الأكراد ولعدة قرون قد أثبتوا ان ولاءهم للذين أمتن وأقوى من ولاءهم للقومية.

3.                              ان بوادر الانحطاط التي بدأت تظهر على الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر شجعت كل من إيران وروسيا لاستئناف هجماتها على الدولة العثمانية، وفي هذا السياق فان روسيا حاولت الاستفادة من الورقة الكردية خلال الحرب الروسية التركية عام 1829 وعامي 1853-1855 حيث بادر الروس بتشكيل كتيبة كردية للعمل مع قواتها ووعدوا الأكراد بتحقيق الحكم الذاتي لهم.

2.   الحركة الكردية في إيران.

أ – عام.

لقد حدثت أول ثورة كردية عام 1880 بقيادة الشيخ عبيد الله والذي غزا إيران لإقامة دولة كردية تحت سيادة السلطان العثماني، لكن الجيش الفارسي استطاع إخماد هذه الثورة، وبقي ولاء الأكراد للدولة العثمانية قوياً وحتى الحرب العالمية الأولى، ولكن في أعقاب هذه الحرب فان معاهدة سيفرز عام 1920 ومعاهدة السلام في باريس مع الدولة التركية المهزومة نصت على إقامة دولة أرمينية وأخرى كردية. ولكن كمال أتاتورك أحبط هذا المخطط وتم تجاوز معادة سيفرز عندما أبرمت معاهدة جديدة عام 1923 باسم معاهدة لوزان والتي قسمت كردستان ما بين تركيا وإيران وروسيا.

ب- حركة الاستقلال.

1.  على الرغم من ان معاهدة سيفرز أعطت بصيصاً من الأمل للفكرة التي كانت تتطور في أذهان الصفوة الكردية، فان الأكراد لم يكونوا بمعزل عن النزعة القومية التي سادت في القرن التاسع عشر، وبخاصة الثورة اليونانية وجهود إبراهيم باشا للحصول على استقلال مصر. ففي عام 1897 ظهرت أول جريدة كردية باسم كردستان في القاهرة ولكنها لم تلبث ان انتقلت إلى لندن وأخيراً إلى فولكستون. وفي عام 1925 اندلعت ثورة كردية عارمة ضد نظام حكم أتاتورك والتي كان مظهرها العام دينياً. ان هذه الثورة أيضاً شحذت الشعور القومي للأكراد، وقد تأسست أول منظمة هامة ذات صبغة قومية عام 1927 باسم حزب الاستقلال (الكوبيون) وبعد ثلاث سنوات اندلعت ثورة ثانية إلا انه تم إخمادها بسرعة.

أما في العراق فقد أسس أول حزب سياسي كردي باسم حزب الأمل (هيفا) عام 1939 والذي لم يقتصر نشاطاته على العراق بل امتدت إلى إيران حيث ظهرت في إيران حيث ظهرت في إيران عام 1943 منظمة كردية باسم الكومالا وتحت أشراف الروس الذين سيطروا على شمال إيران وفي 1945 تحولت منظمة الكومالا إلى حزب سياسي باسم الحزب الكردي الديمقراطي – إيران.

2.  لقد ساعدت ظروف الحرب العالمية الثانية وتحييد القوى المحلية على إتاحة الفرصة للأكراد لأن ينتزعوا حكماً ذاتياً لم يدم طويلاً .

وفي عام 1941 غزت قوات الحلفاء ممثلة ببريطانيا وروسيا وإيران، وفي تلك الأثناء اندلعت انتفاضة عارمة ضد الحكومة المركزية في كافة أنحاء إيران، إلا ان الحكومة المركزية تمكنت من سحق هذه الانتفاضة في المناطق الخاضعة للسيطرة البريطانية، أما المناطق التي كانت تحت السيطرة الروسية فلم يسمح للقوات الحكومية بدخولها مما أتاح للأكراد ان يصعدوا حملتهم لنيل الاستقلال وفي كانون الأول عام 1945 أعلنت جمهورية مهاباد برئاسة غازي محمد في الإقليم الكردية، إلا ان انسحاب القوات الروسية في أيار 1946 جعل هذه الدولة مكشوفة أمام القوات الإيرانية التي استعادت مهاباد من يد الأكراد في كانون الثاني 1947 وأعدمت غازي محمد مع عدد من أتباعه، وتمكن المللا مصطفى البرزاني والذي كان مشاركاً في حكومة مهاباد من الهرب مع عدد من إتباعه وللجوء إلى روسيا حيث بقي فيها حتى عام 1958.

ج. اشتعال الانتفاضة مع سقوط الشاه.

1.  لقد كان من نتائج الثورة الإسلامية في إيران تصاعد التوتر واشتعال الاضطرابات فيها وبروز خطر حقيقي على الدولة الجديدة بسبب تزايد عمليات الاستقطاب والانشقاقات وظهور مراكز قوى محلية في كافة أنحاء إيران، كما ارتفعت أصوات الأقليات الكردية والعربية والتركمانية والبلوشية مطالبة بدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي. لقد شكل الأكراد التحدي الأكبر أمام الحكومة لأنهم يمثلون أكبر أقلية في إيران، كما ان الحكومة الإيرانية أصبحت في دوامة، فان تقديم أية تنازلات لأية أقلية على أساس عرقي أو لغوي سيعد سابقة بالنسبة للطوائف الأخرى، كما ان حرمان الأقليات من حقوقها سيزيد من التوتر والعنف. ان حالة التوتر والعنف والفوضى التي أعقبت سقوط الشاه منحت الأكراد فرصة ثمينة وكما هو الحال دوماً في إيران وعندما تخبو سلطة الحكومية المركزية لأي سبب من الأسباب فان الأكراد يلجئون للثورة، فخلال الاضطرابات العامة التي وقعت في إيران في العشرينات من هذا القرن استغل إسماعيل أغا زعيم قبيلة الشيكاك الفرصة وسيطر على منطقة كردية واسعة، وخلال الحرب العالمية الثانية وعندما سيطر الروس على الجزء الشمال من إيران ظهرت دولة مهاباد الكردية، وأما في الستينيات وبداية السبعينيات فإن شاه إيران أصبح عراباً للقضية الكردية، عندما رأي فيها أداة فعالة لتقويض قوة العراق واضعافه وتحقيق الطموحات الإيرانية القديمة الجديدة في فرض هيمنتها على منطقة الخليج العربي، وانطلاقاً من هذا التصور فقد مد الشاه يد المساعدة بالمال والسلاح للحركة الكردية في العراق في الستينيات وبداية السبعينيات، مقابل وعد من البرازاني على ان لا يعمل ضد إيران في كردستان الإيرانية.

2.  وفي آذار عام 1975 وعندما سحب الشاه دعمه للأكراد في إطار تسوية سياسية لموضوع شط العرب المتنازع عليها ما بين العراق وإيران فان الحركة الكردية في شمال العراق انهارت وبشكل سريع مما نتج عنه هروب عشرات الآلاف من المقاتلين ومعظمهم من مقاتلي حرب العصابات وأعضاء الحزب الكردي الديمقراطي إلى إيران، حيث تم توزيعهم في مناطق عديدة والذين أصبحوا فيما بعد شوكة في حلقة، فعندما بدأت سلطة الشاه تتدهور عام 1978 فان الأكراد العراقيين كانوا من أوائل المقاتلين ضد الحكومة المركزية، كما عملوا على تهريب الكثير من الأسلحة التي حصلوا عليها من قوات الشاه إبان التمرد الكردي في العراق إلى كردستان الإيرانية مما دعم الثورة الكردية في كافة أنحاء المنطقة.

لذلك فقد كان الأكراد مستعدين لصراع مسلح مع تدهور قبضة الشاه في إيران، كما نشط الحزب الكردي الديمقراطي والذي فرض عليه الحظر في منتصف الأربعينيات وعقد أول مؤتمر سري له في شهر أيلول 1973 في إيران ووضع برنامجاً جديداً نص بصراحة على أن الصراع المسلح هو الطريق الوحيد للحصول على الحكم الذاتي.

3.  وفي أوسط عام 1978 عاد الدكتور عبد الرحمن قاسملو من منفاه في باريس لاستلام كل من قيادة  الحرب وكذلك قوات العصابات (البيش ميرجه) حيث بدأ حملته لتحقيق الحكم الذاتي في كردستان الإيرانية وقد لقيت حملته هذه دعماً من قبل شخصية كردية وهو الشيخ عز الدين الحسيني الزعيم الديني السني لمهاباد لقد كان الحسني بالإضافة إلى موقعه الديني ذو توجهات اشتراكية وبذلك فقد تمكن من قيادة مجموعات كبيرة من الجناح اليساري للحركة الكردية ومن بينها حركة الكومالا والقسم الكردي لفدائي الشعب (مجاهدي خلق).

4.  أن أحد إفرازات الثورة الإيرانية هو شل وتحطيم الروح المعنوية للجيش الإيراني والذي قسم كبير منه وقف حائراً ما بين الولاء للشاه أو الولاء للثورة الإيرانية المتفاعلة، وفي هذا الجو فقد بدأت قوت البيش ميرجه عملياتها في كردستان الإيرانية وتمكنت عناصر من الحزب الكردي الديمقراطي – إيران – من السيطرة على مهاباد.

5.  وعلى أثر نجاح الثورة الإسلامية في إيران فقد عمل رئيس وزراء إيران مهدي بازرجان جهده لاسترضاء الأكراد حيث عين في وزارته سياسي كردي مخضرم والذي كان قائداً لجبهة المعارضة القومية المتحدة للشاه وهو كريمسنجابي. وفي 14 شباط 1979 أرسلت الحكومة الثورية وفداً لمفاوضة الأكراد برئاسة داريوش فوروهار إلى مهاباد حيث التقى بقادة الأكراد لاستلام طلباتهم والاستماع إلى تصوراتهم حول الحكم الذاتي في الأقاليم الكردي الأربعة. وعلى أية حال فان الحكومة المركزية والتي كانت سلطاتها مقسمة  ما بين المجلس الثوري وحكومة بازرجان لم تكن قادرة أو راغبة في الاستجابة للمطالب الكردية.

وفي 2 آذار 1979 وبعد (33) سنة من العمل السري فقد دعى الحزب الكردي الديمقراطي (إيران) إلى عقد مؤتمره العام الأول حيث أكد المؤتمر على طلبات منها: جعل اللغة الكردية لغة رسمية، وإيجاد برلمان للمناطق الكردية، ولم يطالب المؤتمر بدولة كردية مستقلة حيث طرح قاسملو صيغة اتحاد فدرالي شبيه بالاتحاد اليوغسلافي كنموذج مناسب لإيران الجديدة، كما طالب قاسملو والحسيني بإجراء مفاوضات سلمية مع السلطة المركزية في إيران مع الإشارة إلى ان الخيار العسكري لا يزال مفتوحاً.

د. الأكراد والثورة الإسلامية في إيران.

1.  ان عدم الثقة المتبادلة كانت صفة ملازمة للعلاقات الإيرانية الكردية، فقد شعر الأكراد ان المفاوضات المطولة ليست إلا حيلة لكسب الوقت بينما أصبحت الشكوك تتزايد لدى رجال الدين بأن الأكراد يعملون مع قوى أجنبية. وقد ظهر على شكل اتهام صريح من قبل الخميني بأن الأكراد يتآمرون على الثورة الإسلامية بالتعاون مع نظام الشاه المخلوع، حيث ألقى القبض على سالار الجاف وهو زعيم كردي مرموق وزوج أخت غازي محمد رئيس جمهورية مهاباد، حيث تم إعدامه بتهمة التواطؤ مع نظام الشاه. وعلى الرغم من دعوة الخميني للجيش لسحق التمرد الكردي إلا ن الجيش الممزق لم يكن بوضع يسمح له باستئناف القتال. لذلك فقد لجأت السلطات الإيرانية إلى أسلوب المراوغة في محادثاتها مع قادة الأكراد في مهاباد. وأمام هذا الموقف بدأت المجموعات الكردية تصعيد من نضالها وعمت المظاهرات والاضطرابات مدينة ساننداغ الكردية، وفي 18 آذار 1979 حاولت قوات البيش ميرجه الاستيلاء على عاصمة كردستان وبمساعدة من المنظمة الإيرانية اليسارية المعروفة بمجاهدي خلق.

وعلى ضوء ذلك فقد أرسلت الحكومة وفداً برئاسة آية الله محمود طالقاني إلى ساننداج وفي 24 آذار توصل الطالقاني إلى اتفاق مع قادة الأكراد حول حكم ذاتي محدود جاء على شكل خطة أعلنت يوم 25 آذار 1979 شملت على منح الأكراد الحرية الثقافية الكاملة بما فيها تعليم اللغة الكردية جنباً إلى جنب مع اللغة الفارسية في المدارس الكردية وإناطة شؤون الإدارة المحلية بالأكراد وتقديم العون لهم لتطوير اقتصادهم المحلي. وإشراك الدكتور قاسملو مع أكراد آخرين في وضع الدستور الإيراني الجديد.

2.  ان الوضع غير المستقر الذي كان يسود إيران في الأشهر الأولى للثورة وتوقع بعض القوى إمكانية انهيار الحكومة المركزية كان يقوض الآمال المعقودة على أية تسوية طويلة الأمد. وعلى ذلك فقد استمر الأكراد في العمل وتمكنوا من السيطرة على مناطق الأرياف والمدن الصغيرة وبدأت عملية تجنيد واسعة لقوات البيش ميرجه الكردية. وعلى ذلك فقد أعلن بازرجان في 4 نيسان 1979 سحب وعودة بخصوص الحكم المحلي وأعلن ان أية تنازلات لن تكون مثار مفوضات على أسس عرقية أو أقلية.

هـ . انتفاضة الأرياف.

1.                              ان الشاه وعندما رفع شعار الثورة البيضاء في محاولة منه لتطوير وتحديث المجتمع الإيراني لم يحاول ان يوسع دائرة استصلاح الأراضي لتشمل المنطقة الكردية كي لا يشكل ذلك استفزازاً للآغات ( الإقطاعيون) والذين ساعدوا الشاه في السيطرة على المناطق الريفية الكردية. وأما بعد الثورة الإسلامية وفي أحدى المصادمات ما بين الفلاحين ورجال الإقطاع ( الآغات) فقد وقف الحرس الجمهوري في صف الإقطاعيين ضد الفلاحين .وفي 20 حزيران 1979 وجه الحزب الديمقراطي الكردي نداءاً إلى الخميني طالباً منه توضيحاً حول أسباب قيام الجمعيات الثورية بتأجيج المشاعر ضد الأكراد ووقوفهم إلى جانب الآغات ضد الفلاحين.

2.                              لقد شن آية الله الخميني هجوماً شديداً على الأكراد المتمردين ووصفهم بأنهم شيوعيون وأعداء للثورة الإسلامية. كما أصدر قراراً حظر بموجبه نشاط الحزب الكردي الديمقراطي (إيران) ووصف كل من الشيخ الحسيني والدكتور قاسملو بانهم خونة. وعلى نفس المنوال فان آية الله طالقاني والذي انتقد الأكراد واتهمهم بانهم يتلقون دعماً من إسرائيل. وفي المقابل فقد قدم الأكراد إنذاراً مطالبين فيه الحكومة المركزية السماح لهم بتشكيل قواتهم الأمنية الخاصة ومحاكمة القائد المحلي للحرس الجمهوري ومع انتهاء مدة الإنذار فقد شن حوالي (2000) مسلح كردي هجوماً على مدينة باوه في كرمنشاه، في 16 آب 1979 وتمكنوا من محاصرة حامية المدينة. وفي 18 آب 1979 أعلن الخميني نفسه قائداً على للقوات المسلحة وأعطى أوامره للقادة بأن يقوموا بهجوم معاكس وخلال 24 ساعة وإلا سيتعرضون للعقاب. وفعلاً فقد قام الحرس الجمهوري بهجوم على مدينة باوه بينما قامت حامية المدينة بهجوم معاكس مما أدى إلى فك الحصار وانسحاب المتمردين إلى الجبال. وأما في ساننداج فقد قامت قوات كردية بمحاصرة حامية المدينة واستولت على كميات من الأسلحة والذخيرة مما اضطر الحكومة إلى إرسال تعزيزات إضافية لنجدة المدينة المحاصرة. وفي 19/8/1979 فقد جدد آية الله الخميني اتهامه للحسيني وقاسملو، واصدر أمراً حظر بموجبه كافة المنظمات السياسية الكردية، وفصل الدكتور قاسملو من مجلس الخبراء وعلى أثر استعادة قوات الحكومية لباوه وساننداج فقد حاصرت القوات الكردية حامية ساكيز وفي 26 آب 1979 تمكن طابور مدرع من رفع الحصار عن المدينة وهكذا استمرت المصادمات.

3.                              وفي 27 آب 1979 وصل وفد كردي برئاسة المللا رحيم عباسي رئيس مجلس مهاباد إلى طهران للتباحث مع الحكومة المركزية ممثلة بآية الله طالقاني والدكتور شامران وزير الدفاع وصادق طبطائي نائب رئيس الوزراء حول خطة سلمية تتضمن النقاط التالية:

أ- إيقاف فوري لإطلاق النار.

ب- إقالة آية الله خلخاني.

ج- سحب الحرس الثوري.

د- وقفاً لإعدام السجناء الأكراد.

هـ- إنهاء هجمات الحكومة على الأكراد.

و- عقد مؤتمر سلام لحل المشكلة الكردية.

4.                              لقد رفض آية الله الخميني خطة السلام المقترحة ورفض المصادقة على وقف إطلاق النار وعين حجة الإسلام حسيني كرماني مندوباً خاصاً في المنطقة الكردية لسحق المتمردين وبذلك أصبحت المواجهة أمراً لا مفر منه، وبدأ الجانبان استعداداتهما للمعركة، حيث قامت قوات البيش ميرجه الكردية في تعزيز مواقعها حول مهاباد ونقلت قيادتها إلى مدينة زرادشت بالقرب من الحدود العراقية.

5.                                    وفي 30 آب 1979 بدأ الجيش الإيراني هجومه مستخدماً الطائرات المقاتلة والدبابات وفي 3 أيلول تمكن من دخول مهاباد، وفي 7 أيلول وصل مهدي بازرجان إلى مهاباد في محاولة منه لاحتواء التمرد سياسياً حيث قدم عدداً من التنازلات منها زيادة المساعدات الاقتصادية للمناطق الكردية وإنشاء جامعة كردية وإصدار عفواً عاماً عن كافة أعضاء الحزب الكردي الديمقراطي (إيران) باستثناء الدكتور قاسملو والشيخ الحسيني.

وفي 2 أيلول طلبت إيران من العراق ان تشدد قبضتها على حدودها مع إيران، ولكن وكما هو الحال في معظم حملات مقاومة العصابات فان نجاح القوات العسكرية غالباً ما يكون وقتياً، حيث إعادة قوات المتمردين تنظيم قواتها مرة أخرى في الجبال وبدأت بمهاجمة قوات الحكومة خلال شهر أيلول وشهري تشرين الثاني وتمكنت من إبقاء قوات الحكومة في وضع دفاعي وفي 20 تشرين الثاني 1979 تمكنت قوات البيش ميرجه من استعادة مهاباد وأمام مقاومة كردية واسعة وعدم قدرة القوات المسلحة الإيرانية من سحق الحركة الكردية كما كان مأمولاً منها فقد غير الخميني سياسته وأرسل فريقاً إلى مهاباد لمفاوضة الأكراد برئاسة فوروهار، وفي 2 كانون الأول أعلن عن وقف لإطلاق النار في الوقت الذي كانت فيه الحزب الكردي الديمقراطي يسيطر على معظم المنطقة. وفي نهاية شهر كانون الأول 1979 سلم الشيخ الحسيني فوروهار خطة من ثمان نقاط للحكم الذاتي الكردي وكانت هذه الخطية من أكثر طلبات الحكم الذاتي تفصيلاً وتحديداً وكانت تشتمل على ما يلي (1):

أ-  الاعتراف بالحكم الذاتي لكردستان رسمياً والإشارة له تحديداً في الدستور.

ب- يجب الاعتراف بالمنطقة الكردية والمقسمة حالياً إلى أربعة أقاليم إيرانية وهي عيلام، وكرمنشاه، وكردستان وغرب اذربيجان كوحدات حكم ذاتي.

ج- انتخاب جمعية وطنية لكردستان وبطريقة الاقتراع الحر والمباشر والسري، تمهيداً لتشكيل حكومة ذاتية لكردستان تناط بها مسؤولية الأشراف على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية في المنطقة الكردية.

د- الاعتراف باللغة الكردية لغة رسمية في المدارس والمخاطبات الرسمية مع إمكانية تدريس اللغة الفارسية في المدارس الكردية بعد السنة الرابعة من المرحلة الابتدائية.

هـ- تخصيص قسم من الموازنة العامة لكردستان وهذه المخصصات يجب ان تأخذ في حسابها الاقتصاد المتخلف الذي فرض على كردستان في السابق.

و- يجب أن يكون للأكراد دوراً في الحكومة المركزية.

ز- إبقاء السياسة الخارجية والدفاع الوطني والتخطيط الاقتصادي الطويل الأجل بيد الحكومة المركزية.

ح- ضرورة توفي الحريات الديمقراطية الأساسية مثل حرية الحديث والصحافة والحرية السياسية والدينية في كافة أرجاء إيران.

و .  فشل محادثات الحكم الذاتي.

1)              عملت الحكومة الإيرانية على اجراء بعض التعديلات على خطة الأكراد للحكم الذاتي وقدمت خطة معدلة نقلها مبعوث الحكومة الإيرانية فوروهار واشتملت على إناطة مواضيع الدفاع والسياسة الزراعية والشؤون الثقافية والصحية والاجتماعية بأجهزة الإدارة المحلية، ولدى عرض الخطة المعدلة على قادة الأكراد وافقوا عليها لأنهم رأوها معتدلة وتلبي معظم طموحاتهم في الحكم الذاتي بمنطقة الحكم المحلي، كما تضمنت الخطة أيضاً إمكانية الاحتفاظ بقوات شرطة محلية أما فيما يتعلق بمدراء الشرطة فلا يتم تعيينهم إلا بعد التشاور مع الحكومة المركزية حول ذلك.

وعلى ضوء هذه الاتفاقية فقد وجد نظام طهران نفسه مرة أخرى أمام سيل من الطلبات المشابهة من الأقليات الأخرى.

2)              وعلى الرغم من اتفاقية الحكم الذاتي التي توصلت لها الحكومة مع الأكراد فان أعمال العنف ضد قوات الحكومة استمرت بالتصاعد، كما ان الأكراد بالإضافة إلى التركمان والاذريين والبلوش قاطعوا الاستفتاء على الدستور الإسلامي الجديد في كانون الثاني عام 1980. ان عدم الثقة المتبادلة أثبتت انها أقوى من اتفاقية الحكم الذاتي، فعلى الرغم من الإصرار الكردي على أخراج قوات الحرس الثوري من مناطقهم فقد بقيت هذه القوات حيث اتسم شهري كانون الثاني وشباط عام 1980 بالمصادمات المستمرة بين الحرس الثوري والمتمردين، وقد استهلت السنة الجديدة بقتال شديد في ساننداج، ولم تنتهي هذه الاشتباكات إلا عندما أعلن الجنرال حسين شافيسي الحاكم العام لكردستان سحب الحرس الثوري وإناطة مسئولية الأمن بوحدات الشرطة المحلية.

وفي نيسان 1980 ومع بداية فصل الربيع بدأت القوات الإيرانية المعززة بالإسناد الجوي والدبابات هجومها الواسع الذي تركز على مدن ساننداج وساكيز، لحسم الموقف مع الأكراد وذلك بسبب ظروف الموقف المحلي والإقليمي والدولي، لقد كان رئيس الوزراء الجديد الحسن بني صدر قلقاً حول مركزه في مواجهة رجال الدين لذلك كان حريصاً على إحراز نصر عسكري بأي ثمن وخاصة بسبب تعقد الوضع السياسي بسبب أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران وازدياد نشاط الحركات اليسارية المعارضة وتدهور العلاقات مع العراق.

3)              ومرة أخرى يقع الخلاف الداخلي في إيران على خطة كردية جديدة للحكم الذاتي تقدم بها الحزب الديمقراطي الكردي فقد كان موقف الحسن بني صدر من الخطة إيجابياً في حين أصر آية الله محمد باهشتي رئيس الحزب الجمهوري الإسلامي على الحل العسكري للمشكلة الكردية، متجاهلاً الدلائل على نقاط الضعف الكثيرة في الجيش الإيراني. وقد قابل هذا التصلب تصلباً كردياً أيضاً حيث شجب حزب الكومالا اليساري جهود المفاوضات مع الحكومة، وقام المتمردون الأكراد بمهاجمة خطوط السكك الحديدية مع تركيا والتي اعتبرت ذات أهمية بالغة بسبب الحضر الغربي على إيران. في تموز 1980 اشتبكت قوات الحكومة مع المتمردين الأكراد وفي 3 آب 1980 دخل الجيش الإيراني مهاباد مرة أخرى وانسحب الأكراد إلى الجبال الوعرة، وبذلك فقد استمر المأزق مع عدم قدرة طهران على إخضاع الأكراد بالقوة، وعدم رغبتها في منحهم حكماً ذاتياً على أساس الاعتراف الشرعي، لقد بقيت القوة الكردية فعالة واستمرت في تحدي جهود الحكومة وتوسيع مناطق نفوذها خارج المدن، ان أسلوب عمليات الكر والفر التي تستخدمها قوات البيش ميرجه ستكون فعالة في فصل الشتاء بسبب التحديدات التي تفرضها عوامل الطقس على استخدام القوة الجوية والأسلحة الثقيلة كالمدفعية والدبابات. أما بالنسبة للوضع الداخلي لإيران فان أهم النتائج السيئة لحملة عسكرية طويلة ولو كانت ناجحة، هي تعزيز دور الجيش في الحياة السياسية، لقد حاول الإيرانيون إلقاء اللوم في استمرار التمرد الكردي على العراقيين والأتراك والروس والولايات المتحدة. ومما لا شك فيه ان أطراف عديدة تحاول الاستفادة من الورقة الكردية كلما حانت لها الفرصة ولكن الأمر الجوهري الوحيد وهو ان إيران في المقابل لم تفعل شيئاً يذكر لا قبل الثورة الإسلامية ولا بعدها تجاه المشكلة الكردية، فهي للآن لم تمنحهم أي نوع من الحكم الذاتي كما ان الدستور الإيراني الجديد لم يتطرق مطلقاً إلى حقوق الأقليات. وعلى ذلك فإن المسألة الكردية ستبقى تتفاعل وتتفاقم في إيران ما لم يوضع حل سياسي يرضي كافة الأطراف المتنازعة وبغياب ذلك فان العنف والثورة ستستمر فاتحة المجال للتدخلات الخارجية في مجرى الأحداث في إيران.

3.   الحركة الكردية في العراق.

أ- عام.

1)           لقد تنقل باستمرار مركز الثقل للحركة الكردية بين تركيا وإيران والعراق في أعقاب انهيار الدولة العثمانية، ففي البداية وما بين عام 1925 – 1938 تركز في تركيا ومن ثم انتقل إلى إيران عام 1946 عندما شكلت جمهورية مهاباد وكذلك الفترة التي سبقت والتي تلت انهيار حكم الشاه في نهاية السبعينيات، أما في العراق فان التمرد الكردي أخذ طابع الاستمرارية العسكرية والسياسية معظم الوقت، وقد يعزى ذلك لعدد من الظروف الداخلية والخارجية المساعدة حيث ظهرت أول حركة تمرد كردية في العراق عام 1920 تلتها حركة أخرى عام 1943، كما نشطت كذلك كحركة التمرد في الفترة الواقعة بين عامي 1960-1970.

2)           لقد نشطت الحركة السياسية في العراق في أعقاب الحرب العالمية الثانية حيث ظهرت عدة أحزاب معارضة سرية هي الحزب الوطني الديمقراطي بقياد التيهادرجي والحزب الشيوعي العراقي والحزب الكردي الديمقراطي (العراق)، والذي شكل على منوال الحزب الكردي الديمقراطي (إيران) وبناء على توصية من المللا مصطفى البرازاني بعد رحيله إلى موسكو في أعقاب انهيار دولة مهاباد الكردية. لقد نظم الحزب بأسلوب الخلايا وبقيادة إبراهيم أحمد وهو محام كردي وضع هدفه إحراز حق تقرير المصير للأكراد. وقد أخذا الحزب طابعاً ماركسياً وهذا الطابع تم التأكيد عليه في اللوائح الداخلية والبرنامج الذي تبناه الحزب في مؤتمر عام 1953 والذي وصف الحزب بأنه يستلهم الفكر الماركسي اللينيني ويهدف إلى تحقيق هدفين أساسيين وهما تحرير البلد من النفوذ الغربي وإطلاق الحريات الأساسية وبهذا المفهوم فانه لم يختلف في أغراضه المعلنة وخاصة على المدى القريب عن الحزب الشيوعي العراقي أو الحزب الوطني الديمقراطي وعلى الرغم من ذلك فان الحزب لم يكن قادراً على صنع قضية عامة مع الحزب الشيوعي العراقي والذي أدان الحزب الكردي الديمقراطي واتهمه بمغازلة البورجوازية الصغيرة.

3)           ان انقلاب عبد الكريم قاسم عام 1958 لقي تعاطفاً من الأكراد لاعتقادهم بأنه يمثل فرصة مواتية للحصول على حكم ذاتي. كما ان عبد الكريم قاسم رأى في الأكراد فرصة لشحذ الدعم الشخصي له ضد خصومه. وانطلاقاً من ذلك فقد تم الاعتراف بأن العراق دول تضم شعبين هم العرب والأكراد، وكنتيجة لهذه المكاسب التي تحققت فقد عاد مصطفى البرزاني عام 1958 من منفاه في موسكو إلى العراق بعد أن أمضى فترة (11) سنة في المنفى كما ظهر إلى الوجود حوالي (14) جريدة ومجلة تستخدم اللغة الكردية بما في ذلك جريدتين ناطقتين باسم الحزب الكردي الديمقراطي وهما الخيبات (الكفاح) وكردستان.

ب – العودة إلى نقطة البداية.

1)           على أثر هذه الامتيازات فقدت تنامت القضية الكردية وأصبحت تثير القلق لدى قاسم وخاصة بعدما تدهورت علاقاته مع الأكراد على أثر تهجير عدد منهم من منطقة كركوك، وانسجاماً مع طبيعة قاسم المتقلبة وميله الدائم لتغيير تحالفاته وكما فعل مع الشيوعيين وغيرهم، فقد قلب ظهر المجن للأكراد وعمل على إلغاء كافة التنازلات التي قدمت لهم وأغلقت صحفهم واعتقل عدداً من قادتهم، وهكذا عادت القضية الكردية إلى نقطة البداية، واستؤنفت حرب طويلة ما بين الحكومة المركزية في العراق والأكراد استمرت منذ عام 1961 وحتى عام 1970 وقد نتج عن هذه الحرب تدمير حوالي (40) ألف منزل وتشريد حوالي (300) ألف كردي (2). وارتفع عدد القوات الكردية من حوالي ألف مقاتل عام 1961 إلى حوالي (20) ألف مقاتل عام 1963 مع سقوط نظام حكم قاسم ووصل عددها إلى حوالي (50) ألف مقاتل عام 1975 وقد تمكنت القوات الكردية في أوج قوتها من السيطرة على حوالي (40) ألف كيلومتر مربع (3).

2)           وفي 8 شباط 1963 تمكن حزب البعث وعبد السلام عارف من الإطاحة بنظام حكم قاسم، حيث بدأت مفاوضات مع الأكراد ولم تستقر هذه المفاوضات عن أي شيء يذكر، وعل ذلك فقد بدأت العمليات التعرضية في  10/6/63 بدون جدوى وحتى 10 شباط 1964 عندما أبرم الرئيس عبد السلام عارف وقفاً لإطلاق النار مع البرازاني منهياً الحرب الكردية الثانية، بدون ان تعقد أي معاهدة سلام وهكذا استمرت هدنة غير مستقرة ومتوترة وحتى 4 آذار 1965 عندما شنت القوات العراقية هجوم الربيع وبلغ القتال أوجه عندما تمكنت القوات الكردية من التفوق على قوات عراقية في معركة هندرين في 15/6/1966 وكان من نتيجته إبرام وقف إطلاق النار جديد.

3)           وفي 17 تموز 1968 قام حزب البعث العراقي بقيادة أحمد حسن البكر بانقلاب جديد وتمكن من إنهاء حكم آل عارف وبدا بالتخطيط لجولة جديدة مع الأكراد وفي نيسان 1969 استؤنفت العمليات العسكرية في كردستان ومرة أخرى لم تتمكن القوات العراقية من سحق التمرد الكردي. وإزاء هذا الموقف فقد بدأت الحكومة المركزية بالنظر بجدية وللمرة الأولى إلى تسوية عن طريق المفاوضات، وخاصة وان استمرار الحرب يمكن ان يؤدي إلى تهديد حقيقي لوحدة أراضي العراق كما ان الأسس العامة للاتفاق كانت موجودة دوماً فالأكراد لم يطالبوا بالانفصال عن الدولة العراقية وكان هدفهم الحصول عل حكم ذاتي ضمن إطار الجمهورية العراقية، وعلى ذلك فقد أرسل أحمد حسن البكر عزيز شريف لإجراء مفاوضات سرية مع الأكراد كان من نتيجتها اتفاقية عام 1970.

ج- اتفاقية آذار عام 1970.

1)                               في 11 آذار 1970 وقعت اتفاقية سلام ما بين الحكومة العراقية والأكراد وقد تضمنت هذه الاتفاقية ما يلي:

أ 0 تعيين كردي نائباً لرئيس الجمهورية.

ب0 يمثل الأكراد في الجيش والجهاز الحكومة وحسب نسبة عددهم.

ج0 ضم ممثلين أكراد لمجلس قيادة الثورة.

د0 يجب ان يكون مدراء الشرطة والقضاة والحكام الإداريين في الأقاليم الكردية أكراداً.

هـ0 الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية في المناطق الكردية.

و0 تشكيل جمعية تشريعية لمنطقة الحكم الذاتي ضمن مدة أقصاها أربع سنوات .

2)           لقد تم تلبية بعض نصوص هذه الاتفاقية بما فيها تعيين خمسة وزراء أكراد ولكن البنود الأخرى ومن بينها إنشاء منطقة حكم ذاتي كانت مثار خلاف. فالمشكلة الشائكة كانت حول تحدي منطقة الحكم الذاتي، لقد أراد الأكراد ضم منطقة كركوك الغنية بالنفط إلى منطقة الحكم الذاتي ولكن الحكومة المركزية استثنت هذه المنطقة بإدعاء أن أغلب سكانها من العرب. كما ان الاستفتاء والذي خطط له أصلاً منذ تشرين الأول عام 1970 تم تأجيله لأجل غير محدد. وهكذا أصبح الجو متوتراً مرة أخرى مع اتهام الناطق الرسمي الكردي للسلطات العراقية بطرد الأكراد من المناطق الغنية بالنفط واستبدالهم بعراقيين عرب. وعلى ذلك بدأت العلاقة ما بين الحزب الكردي الديمقراطي والحكومة المركزية تتدهور مع اتهام الحزب الكردي الديمقراطي للسلطات العراقية بأنها تقوم بسياسة تعريب في منطقة كركوك وخانقين وزامار وشيكان وسنجار.

3)           وفي حزيران عام 1973 وفي أعقاب المحاولة الانقلابية التي قام بها ناظم قزاز، فقد وجهت الحكومة المركزية نداء لكل من الشيوعيين والحزب الكردي الديمقراطي للمشاركة في الحكومة،وقد رد الحزب الديمقراطي الكردي بأنه مصر على تطبيق اتفاقية عام 1970 ككل، كشرط أساسي لاشتراكه في الحكومة، أما الحزب الشيوعي العراقي فقد انقسم حول هذه المسألة، فاللجنة المركزية والتي تسير على خط موسكو انضمت للحكومة في تموز عام 1973 بينما الجناح الذي يسير على الخط الصيني ممثلاً بالقيادة المركزية بقي مسانداً للحزب الكردي الديمقراطي، وعلى ذلك فقد اندلع القتال ما بين قوات البيش ميرجه وقوات الحزب الشيوعي العراقي (اللجنة المركزية) وبشكل خاص في منطقة دربنديخان.

 د – العودة إلى موضوع الحكم الذاتي.

1)           في 2 كانون الأول 1973 قدمت الحكومة العراقية خطة للحكم الذاتي لمنطقة كردستان وكان من أبرز البنود التي وردت بها ما يلي :

أ0 تحدي منطقة الحكم الذاتي الكردي اعتمادا ًعلى إحصاء عام 1957.

ب0 طرح تصور لجمعية تشريعية كردية تضم (80) عضواً ترشح الدولة منهم (72) عضواً.

ح0 يجب إخضاع قرارات منطقة الحكم الذاتي لمحكمة الاستئناف.

د0 ان تحتفظ الحكومة المركزية بشؤون الدفاع والأمن والاقتصاد.

لقد كانت هذه الخطة غير مقبولة للأكراد والذين عدوا إحصاء عام 1957 مشكوك فيه كما تحفظوا على طبيعة وشكل الجمعية التشريعية، وعلى ضوء ذلك فقد مضت الحكومة العراقية قدماً على تطبيق برنامجها للحكم الذاتي بغض النظر عن خطط الحزب الكردي الديمقراطي، والذي أرسل وفداً في شباط 1974 إلى بغداد إلا ان المسئولين العراقيين لم يقابلوه، وكذلك فان المحاولة الأخيرة والتي قام بها ادريس في آذار عام 1974 أسست جمعية تشريعية كردية في أربيل وعين جاسم العقراوي وهو عضو منشق عن الحزب الكردي الديمقراطي رئيساً للمجلس التنفيذي بينما أصبح بابكر آغا بشديري رئيساً لجمعية التشريعية. وعقب ذلك فرض حظر على الحزب الكردي الديمقراطي والحزب الشيوعي العراقي (القيادة المركزية) بموجب المرسوم رقم 176 والصادر عن مجلس قيادة الثورة.

وعلى ضوء ذلك فقد هرب في الفترة ما بين 11-15 آذار 1974 حوالي (100) ألف كردي إلى المنطقة التي يسيطر عليها الحزب الكردي الديمقراطي ومن بين هؤلاء كان الوزراء الأكراد الخمسة المشاركون في الحكومة العراقية. ان روح التساهل التي اتسمت بها اتفاقية عام 1970 قد تبددت في أجواء الشك المتبادل.

2)           ان أسباب عديدة أدت إلى إعادة توتير الأجواء ما بين الحكومة العراقية والأكراد ومنها الخلاف حول منطقة كركوك والفشل في تطبيق اتفاقية عام 1970، وشعور الأكراد بأن محاولات التقرب التي تقوم بها الحكومة العراقية تجاه بعض الأقليات الكردية تهدف إلى شق صف الحركة الكردية وأما من جانب الحكومة العراقية فقد كانت قلقة ولدرجة كبيرة من جهود البرازاني لإعادة تأسيس روابطه مع النظام الإيراني.

هـ- المواجهة الشاملة.

لقد عمل العراقيون خلال فترة السبعينيات على إعادة تنظيم وتسليح الجيش العراقي بأسلحة حديثة ومتطورة مما مكن العراقيون من استعادة زمام المبادرة وتمكنوا من أحداث خرق عميق في المناطق الكردية، فخلال ربيع وصيف عام 1974 تمكنت القوات العراقية من رفع الحصار عن الحاميات المحاصرة وفتح معظم الطرق وفي أواسط شهر تموز 1974 كان العراقيون قد استعادوا معظم الأراضي التي هجروها منذ عام 1961 ودحروا قوات البيش ميرجه على الخلف عبر الجبال على طول الحدود الإيرانية والتركية. وفي آب 1974 شن الجيش العراقي هجوماً واسعاً على محورين باتجاه القيادة الكردية في شاومان بالقرب من الحدود الإيرانية، ومع حلول خريف عام 1974 وصل عدة للاجئين الأكراد الذين هربوا إلى إيران وبمساعدة جمعية الأسد والشمس الإيرانية ( جمعية مماثلة للهلال والصليب الأحمر) إلى حوالي (150) ألف لاجيء كردي، وأمام هذا الموقف فقد غير الحزب الكردي الديمقراطي إستراتيجية العسكرية وتحول من حرب العصابات إلى العمليات العسكرية التقليدية.

إلا ان هذا التغير في الإستراتيجية لم يكن لصالحه حيث أصبح (50) ألف كردي يقفون بمواجهة قوات عراقية قوية تتألف من (8) فرق معززة بحوالي (750) دبابة وغطاء جوي كثيف، بالإضافة إلى (20) ألف من قوات الشرطة. وفي آب 1974 تمكنت قوات مدرعة عراقية من استعادة مدن رانيا وكالا ديزا ورواندوز المدينة الحصينة بممراتها الضيقة وجبالها المنيعة الشاهقة. ومع استمرار التقدم العراقي باتجاه الحدود كانت المساعدات الإيرانية تصبح أكثر وضوحاً حيث قدمت الحكومة الإيرانية للأكراد مدافع 122 ملم وصواريخ مضادة للدروع (4). ومع بداية عام 1974 أصبح الجيش الإيراني متورطاً بشكل مباشر بالعمليات وقام بدفع وحداث مضادة للدروع وبطاريات مدفعية داخل الأراضي العراقية كما وأصبح القصف الإيراني للمواقع العراقية يزداد يوماً بعد يوم. ولكن وعلى الرغم من الجهود الإيرانية الكبيرة فان الجيش العراقي تمكن من حصار قوات المتمردين في شريط حدودي بطول (50) ميلاً على الحدود الإيرانية في شهر كانون الثاني 1975.

و- الشاه يضحى بالأكراد.

وفي آذار 1975 وبينما كان شاه إيران وصدام حسين نائب الرئيس العراقي يحضران اجتماعاً لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك في الجزائر) وبجهود من الرئيس الجزائري هواري بومدين أبرمت اتفاقية ما بين العراق وإيران تنهي الصراع ما بين الدولتين وفي 6 آذار أعلن بومدين عن هذا الاتفاق والذي سمي باتفاقية الجزائر.

لقد قدم العراق تنازلين مهمين  لإيران مقابل سحب دعمها للأكراد وهما الإقلاع عن مطالبة العراق بالممر المائي (شط العرب) والذي يشكل جزءاً من الحدود الجنوبية بين الدولتين ووافقت بغداد على إعادة ترسيم الحدود البرية طبقاً لاتفاقية سابقة للوجود البريطاني الذي حملته إيران مسئولية خلق حدود غير مقبولة لها. وعلى ضوء هذه التطورات المفاجئة فقد شرع العراقيون بهجوم في 7 آذار 1975 وعلى طول الجبهة الكردية من زاخو في الغرب وحتى السليمانية في الشرق في الوقت الذي قام فيه الشاه بسحب قواته من العراق وأغلق الحدود أمام الإمدادات العسكرية. وفي 8 آذار 1975 أعلن مجلس قيادة الثورة عفواً عاماً عن المقاتلين الأكراد الذين يستسلمون قبل 1 نيسان وفي 19 آذار رفض الرئيس احمد حسن البكر عرضاً من قبل الحزب الكردي الديمقراطي للمفاوضة على تسوية معلناً ان الشيء الوحيد الممكن من أجلا تلافي إراقة المزيد من الدماء هو القبول بشروط العفو العام. وبنفس اليوم أبلغت طهران اللاجئين الأكراد لديها ان عليهم ان يقرروا قبل 1 نيسان إذا ما كانوا يرغبون العودة إلى العراق أم لا؟ حيث ان الحدود ستغلق بنفس اليوم. وعلى ضوء هذا الموقف فان معظم قوات اليش ميرجه بما فيهم الحزب الكردي الديمقراطي والمللا مصطفى البرازاني هربوا إلى إيران في آذار. وأما على الجانب التركي فقد أعلنت تركيا الأحكام العرفية في مناطقها الحدودية وأغلقت حدودها أمام الأكراد الفارين وفي 3/4 استولت القوات العراقية على القيادة الكردية في جالا.

يعزي الانهيار الكردي الشامل إلى اعتماد الأكراد الكامل على الدعم الأجنبي، لقد كانت السياسة الإيرانية على الدوام تهدف ببساطة إلى ممارسة الضغط على العراق لتحقيق المكاسب لهم وليس لتحقيق أي مكاسب للأكراد لقد ساعدت الحرب الكردية على تشتيت الجهد العسكري العراقي وتشويش خططه الاقتصادية وإعاقة تطور الدولة العراقية.

ز – الجولة الأخيرة للبرازاني.

1)           ان العداء المشترك للعراق وكذلك تنامي القوة العسكرية العراقية لدرجة كبيرة ساعد على تجسير الهوة ما بين الأكراد والشاه إلى درجة معينة، وعلى الرغم من ان البرازاني توجه للشاه مرة أخرى طلباً للمساعدة فان القيادة الكردية كانت متشككة في جدية نوايا طهران بسبب تجارها السابقة مع الشاه وتخليه عن الأكراد في أصعب أوقاتهم ولكن وعلى أية حال مهما كانت نوايا الشاه الحقيقية فان القيادة الكردية كانت مستعدة لتقبل أي دعم يقدمه الشاه لهم إذا قدمت الولايات المتحدة الضمانات لهذا الدعم. لقد أحجمت الولايات المتحدة في ذلك الوقت عن التورط المباشر في القضية الكردية لاعتقادها بأن إسنادها للتمرد الكردي قد يؤدي إلى تشجيع التطلعات الانفصالية الأخرى، وبالتالي تهديد مصالح الدول الصديقة لها في المنطقة. وعلى أية حال ففي نهاية الأمر فقد قرر الرئيس نيكسون إعطاء الضوء الأخضر التقديم مساعدة قيمتها (16) مليون دولار للأكراد وقد عهد إلى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بهذه المهمة ولم يعهد بها إلى وزارة الخارجية الأمريكية.

2)           ان الأمر الهام في هذا المجال هو ان الشاه إيران وعلى الرغم من اتفاقيته مع العراق عام 1975 لم يكن في ضمن سياسته ان يرى المشكلة الكردية تحل حلاً جذرياً حاسماً. لقد أراد الشاه فقط ان يلعب الورقة الكردية لإضعاف العراق لابتزاز امتيازات سياسية إستراتيجية ومنذ بداية تدفق المساعدات الإيرانية على الأكراد فقد فرض الإيرانيون ضبطاً صارماً على تكديس الذخيرة، ولمنع إمكانية التكديس فقد كان الإيرانيون يصرون على الإطلاع على القذائف الفارغة قبل تزويد أية كميات لذخيرة جديدة (5).

لقد كان هزيمة القوات الكردية دلالة على أفول قيادة البرازاني التقليدية والذي لم يلبث ان عين ودليه إدريس رئيساً للأركان ومسعود مديراً للاستخبارات العسكرية الكردية ومن ثم هاجر إلى الولايات المتحدة حيث مات هناك في 1 آذار 1979.

3)           وفي أعقاب انهيار القوات الكردية، فقد منحت العراق الاطراد درجة من الاعتراف الرسمي والحكم الذاتي وأدخلت تعديلاً في الدستور نص بأنهم شعب لهم حقوقهم، وسمح لهم باستخدام لغتهم بحرية في مناطقهم وإنشاء قسم كردي في جامعة السليمانية.

4)           لقد أدت الهزائم المتتالية للقوات الكردية إلى انقسام الحركة الكردية إلى قسمين كل جانب يتهم الجانب الآخر ويحمله مسئولية الهزيمة، وعلى ضوء ذلك فقد قام البرازاني في عام 1964 بطرد جلال الطالباني من الحزب الكردي الديمقراطي الذي انتقل واستقر في سوريا.

وعلى أثر الانهيار الذي وقع عام 1975 فقد رأى الطالباني فرصته لاستعادة مركزه حيث عاد إلى كردستان في شهر تشرين الثاني 75 وأعلن عن تشكيل حركة مقاومة جديدة باسم الاتحاد الوطني لكردستان. كما بدأ أبناء البرزاني إدريس ومسعود في إعادة تنظيم فلول الحزب الكردي الديمقراطي القديم، وعين له قيادة مؤقتة وباشر الحزب عمليات العصابات اعتباراً من عام 1976، حيث هاجم متمردون أكراد قدموا من تركيا وإيران مجمعاً صناعياً في كركوك ومنشآت في جانبور.

ونظراً لازدياد نشاط قوات البيش ميرجه الكردية، فقد بادرت القوات العراقية بشن هجوم واسع في 17 آذار 1977 ومع سقوط الشاه عام 1979 وازدياد الفوضى الداخلية في إيران وتراخي قبضتها في المناطق الكردية، فقد تزايد استخدام قوات البيش ميرجه للأراضي الإيرانية كقاعدة انطلاق للعمل في شمال العراق وخاصة بعدما أبرمت العراق وتركيا في 20 نيسان 1979 اتفاقية تهدف إل إيقاف التزويدات والإمدادات التي تصل الأكراد العراقيون من تركيا.

لقد هدف الحزب الكردي الديمقراطي من تغيير اسمه إعطاء الانطباع بان الحزب قد أجرى تغييرات جذرية فيه، إلا ان الحزب الوطني لكردستان رد على ذلك باتهام جماعة البرازاني بأنهم لا يزالون يعملون لمصلحة الشاه، وقد عزز هذا الاتهام الحرية التي منحت للحزب الكردي الديمقراطي في إيران في بادئ الأمر، كما ان الأكراد الإيرانيون أيضاً كرروا اتهاماتهم للحزب الكردي الديمقراطي بأنه يعمل ضد القضية الكردية، حيث وصف كوادر هذا الحزب بأنهم "مرتزقة طهران".

ومع عودة الطالباني إلى شمال العراق شرع في إعادة تنظيم الاتحاد الوطني لكردستان، وفتح محطة إذاعة جديدة استعداداً لاستئناف القتال، لقد عمل الطالباني جاهداً لجعل الاتحاد الوطني لكردستان مظلة لكافة جماعات المقاومة الكردية، وبدأ في تشكيل جبهة موسعة قدر الإمكان ضمت العرب المعارضين لنظام الحكم العراقي في الخارج. وفي منتصف عام 1980 أعاد الطالباني فتح خطوط مع إيران وعقد مباحثات في طهران مع أعضاء من الحكومة الإيرانية والمجلس الثوري بقصد الحصول على مساعدات من النظام الإيراني الجديد. ولكن وبسبب الصعوبات الداخلية في إيران والوضع غير المستقر للأقليات فيها وانشغالها في الحرب مع العراق لم تتمكن من تقديم أي عون ذا قيمة للأكراد. لأنها وظفت أقصى طاقاتها للمواجهة العسكرية المباشرة مع العراق، ان هذا الأمر أثر وبدرجة كبيرة على حدة التمرد الكردي في شمال العراق. ولكن وعلى الرغم من ضيق نطاق القتال فإن التمرد والعصيان بقي الصفة المميزة للأكراد في شمال العراق. هذا التمرد الذي اتسم بالصفة القبلية في العشرينات ومن ثم تطور إلى حزب سياسي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتحت قيادة البرازاني والذي كان يجمع في شخصيته الزعامة القبلية التقليدية والدينية، تطور الحزب إلى منظمة سياسية وعسكرية ذات ملامح مميزة ولها علاقات خارجية إقليمية ودولية.

 

4.   الحركة الكردية في تركيا

أ- المقدمة.

1)           ان الأخطار التي تواجهها تركيا حالياً تختلف عن الأخطار التي كانت تواجهها في نهاية الستينيات عندما كانت منشغلة في نزاع مع اليونان حول بحر أيجه وقبرص. ان تركيا الآن تعاني من الاضطرابات الداخلية كما انها أصبحت أكثر قلقاً من حدودها الشرقية مع أفغانستان وإيران بسبب التطورات التي حدثت في هذه البلدين المجاورين لها.

فالوضع الجدي في إيران قد زاد من قلق القادة الأتراك كونه ينطوي على خطورة ذات جانبين الأولى، وهي إمكانية انتشار الثورة الإسلامية إلى المنطقة الشرقية في تركيا وكذلك فإن احتمال أن يحقق الأكراد أي درجة من الحكم الذاتي أو الاستقلال في إيران ستكون له نتائج وخيمة على الأوضاع في تركيا والتي يوجد فيها أقلة كردية يصل عددها إلى (14) مليون نسمة تقطن المنطقة الجنوبية الشرقية في تركيا والتي أصبح يطلق عليها "شرق تركيا المضطرب". أن تفجر أعمال العنف في عامي 1980 و 1981 في تركيا عملت على أخفاء الطبيعة المميزة للاضطرابات في الأقاليم الشرقية والتي نظر لها على أنها امتداد للعنف الذي يجتاح البلاد عامة. إلا ان الصبغة الكردية للاضطرابات في شرق تركيا كانت جلية وان رافقها استياء عميق ضد الدولة، ان التصورات الكردية لحل قضيتهم كانت تتراوح من أقصى اليمين الذي كان يطالب بالانفصال إلى أقصى اليسار الذي كان يطالب بحلول ماركسيه لينينية.

2)           تعد كردستان التركية من أكثر مناطق تركيا اضطراباً حيث يعمل فيها أربع تنظيمات تطالب الانفصال وهي منظمة زجاري (الحرية) ومنظمة أبو كولار ومنظمة تحرير الشعب الكردي ومنظمة كاوا. ان منظمة أبو كولار كانت من أكثر المنظمات نشاطاً في حوادث الاشتباك مع رجال الشرطة في حين ان منظمة زوجاري كانت تعمل على تنظيم الإضرابات والاضطرابات في ديار بكر الكردية.

3)           لقد أخذ الوضع في تركيا أبعاداً جديدة في نيسان 1980 عندما أعلن أن كل من حزب العمال الكردي والجيش السري الأرمني يمكن ان يقوما بعمليات عسكرية مشتركة ضد تركيا. وأما على الصعيد الشعبي فقد وجهت المنظمات الكردية في تركيا جهودها نحو اكسب الشباب العاطلين عن العمل والمستاءين، كما عملت بعض المنظمات الكردية اليسارية على تقويض سلطة الوجهاء التقليديين وشيوخ العشائر الذين كانوا ينتهجون خطاً محافظاً تجاه الدولة. وقد لوحظ ذلك بشكل بارز في مدينة سيفريك والمناطق المحيطة بها عندما حاول النشطاء اليساريون تقويض القيادة التقليدية لعشيرة البوكاك.

4)           وعلى الرغم من الحظر الذي فرض على اللغة الكردية في تركيا في أعقاب ثورة عام 1925 فان عدداً من المنشورات الكردية الممنوعة والتي كانت تستخدم الأحرف اللاتينية كانت توزع ومن أبرزها دورية كوجا والات (الشمس ستشرق) والتي كانت توزع سراً وقد عبر عن شعور قومي كردي متنامي لأن المثقفين الأكراد كانوا يكتبون في السابق باللغة التركية.

5)           ان ازدياد أعمال العنف السياسي في شرق تركيا قد أدى إلى وضع معظم كردستان التركية تحت الحكم العسكري في كانون أول 1978 وفي نيسان 1979 طالب عدد من الوزراء الاكراد بإجراءات صارمة للسيطرة على الأوضاع في المناطق الكردية المضطربة، وفي 20 نيسان 1979 أبرمت اتفاقية ما بين العراق وتركيا لمقاومة نشاط المتمردين الأكراد عبر الحدود المشتركة وفي 25 نيسان 1979 وسعت تركيا إجراءات الأحكام العسكرية بحيث شملت مناطق كردية مثل ديار بكر وسيرت وهاركاري وتونسيلي وهكذا أصبح عدد المقاطعات التركية المشمولة بالأحكام العسكرية (19) مقاطعة منها  (16) مقاطعة كردية وتم اعتقال (5800) كردي في ديار بكر لوحدها.

ب- الحل العسكري.

1)              لقد كان للأكراد دوراً بارزاً في حروب تركيا ما قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية والفترة التي تلتها أيضاً، فقد عملت تركيا على تنظيم وتدريب قوات كردية وقد تمكنت هذه القوات من هزيمة قوات منشفيك جورجيا وداشنك في أرمينيا، وعلى أثر قضاءهم على التهديد القادم من الشرق فقد ساهموا في حرب تركيا ضد اليونان في أناضوليا، ولكن وعلى الرغم من كل هذا فان تركيا لم تعترف بالأكراد كشعب له خصوصيته، مما ادى بالأكراد إلى اللجوء للثورة وعلى فترات متقطعة والتي كان أهمها انتفاضة عام 1925 والتي اتسمت بالطابع الديني الموجه ضد علمانية أتاتورك. إلا ان الحركة الكردية بعدئذ أخذت تتسم بالطابع القومي، وقد شكلت عدد من الجماعات السياسية الكردية كان من أبرزها " جمعية الأخوة الكردية" والتي كان لها فروع في بغداد وحلب ودمشق. وأبان فترة الانتداب الفرنسي على سوريا استخدمت مجموعات كردية الأراضي السورية منطلقاً لها للعمل داخل تركيا وكان هذا المثال الأول لأكراد يعملون عبر حدود دولية جديدة ضد أراضي دولة أخرى. كما ان السلطات الفرنسية في سوريا سمحت بعقد مؤتمر كردي في سوريا. ولكن على أثر احتجاجات شديدة من تركيا فان السلطات الفرنسية وضعت بعض القيود على عمل الأكراد من سوريا.

2)              على أثر القمع للثورة الكردية عام 1925 فقد خفت حدة التمرد في تركيا واقتصرت على العمليات الصغيرة والمتفرقة، وما ان أعاد الأكراد تنظيم أنفسهم أيضاً بمنتهى الشدة وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف وموجة هجرة على نطاق واسع للأكراد، كما فرضت حالة حصار على المنطقة الكردية منذ عام 1936 وحتى عام 1950 بينما بقيت المنطقة مغلقة على الأجانب حتى عام 1965 كما فرض حظر شديد على استخدام اللغة الكردية وأصبح الأتراك يستخدمون تعبير "أتراك الجبل" للإشارة إلى الأكراد.

3)              ان إجراءات القمع العسكري الشديدة تم تعديلها في الخمسينيات وذلك عندما بدأت حكومة مندريس في بناء المدارس والطرق والمستشفيات في الشرق، وهذا تم تسريعه في أعقاب الامتيازات التي قدمها عبد الكريم قاسم حاكم العراق للأكراد والتي ضمنت لهم حقوقاً متساوية. كما ان النشرات التي كانت تبث باللغة الكردية من إذاعة بغداد كانت تسمع بوضوح في كردستان التركية. وقد ردت تركيا على ذلك بإقامة عدد من المشاريع المدنية وإنشاء عدد من محطات الإذاعة التي تذيع باللغة التركية في شرق البلاد.

ان انقلاب 27 أيار عام 1960 لم يجد أي تعاطف من قبل الأكراد والذين عدوا السلطات الجديدة بأنها غير دينية ومتطرفة. لقد كان أحد المراسيم الأولى للجنة العسكرية هو اعتقال (585) زعيماً كردياً ونفي (55) منهم إلى مناطق في غرب تركيا وذلك في محاولة للقضاء على الاضطرابات إلا ان هذا العمل في الواقع أدى إلى تفاقم المقاومة وازدياد عمليات السطو المسلح والنهب، مما اضطر الحكومة التركية إلى إعادة عدد من المنفيين إلى ديارهم في محاولة منها لاستعادة الهدوء في المنطقة، إلا أن المنطقة بقيت خارج سيادة القانون.

ج- الأزمة الاقتصادية.

لقد أصبحت الحكومة التركية في السنوات الأخيرة تنحى منحاً جديداً اتجاه الأكراد، حيث أصبح يتزايد الاعتقاد بأن كسب دعم الأكراد من خلال اتباع سياسة متساهلة قد يكون أكثر جدوى، فقد أدت سياسة الإفقار والتجويع إلى تغذية عوامل السخط والاستياء في المنطقة، وعلى هذا تشكل تصور لدى الحكومة التركية مفاده أنه إذا تمكنت السلطات التركية من حل معظم المشاكل الكردية الاقتصادية فان حركة الانفصال يمكن ان تتلاشى. أنه على الرغم من ان هذا التصور قد يكون فيه بعض الصحة إلا ان نفور الأكراد في تركيا ليس مرده فقط الاستغلال والاضطهاد ولكنه كان ثمرة لأعوام طويلة من الإهمال التي أدت إلى نقص المدارس والمستشفيات والطرق والمرافق الخدمية الأخرى والصناعة في المنطقة الكردية والتي رافقها ارتفاع كبير في نسبة البطالة بين الأكراد. كما ان معدل مستوى الولادة لديهم أعلى من المعدل القومي العام في تركيا، أما بالنسبة للتعليم فالوضع في منتهى السوء حيث تصل نسبة الأمية إلى 38% من السكان على المستوى الوطني و 72% في الأقاليم الكردية. كما ان تركيا والتي تضم حوالي (18) جامعة لا يوجد فيها سوى جامعة واحدة تضم ست كليات في كافة المناطق الكردية علماً أن معظم طلاب هذه الجامعة ليسوا  أكراداً. ان الخدمات الصحية ليست بأحسن حالاً من التعليم فعدد الأطباء الذين يقبلون الخدمة في شرق تركيا والتي يعتبرونها مناطق نائية قليل جدا، كما ان الأطباء الذين يخدمون في هذه المناطق يعودون إلى المناطق التركية بعد أداء خدمة في المناطق الشرقية يطلق عليها الأتراك (سارك حزمتي) أي خدمة نائية كما ان نسبة عدد الأطباء الإجمالي إلى عدد السكان متدن جداً حيث وصلت إلى طبيب لكل (215) ألف نسمة في أحدى المقاطعات الكردية (6). ان الصناعة في المناطق الشرقية شبه معدومة  كما ان الاستثمار في المناطق الشرقية سواء من القطاع العام أو القطاع الخاص منخفضاً جداً بسبب القلاقل وعدم الاستقرار وعدم وجود الخدمات وشبكة الطرق.

5.   كردستان والقوى الخارجية

1)              لقد كانت روسيا وكما يبدوا وبسبب الجوار الجغرافي ووجود أقليات إسلامية كبيرة في المناطق الجنوبية منها ولعداوتها التقليدية لتركيا من أوائل الدول التي حاولت الاستفادة من الأكراد لخدمة أهدافها الإستراتيجية. وتعود البدايات للاهتمام الروسي بالأكراد إلى القرن الثامن عشر عندما استخدم الروس القضية الكردية كوسيلة لزعزعة الإمبراطورية العثمانية، وفي عام 1914 وافقت دول الحلفاء على إلحاق كردستان بروسيا كمكافأة لها على دخولها الحرب ضد دول المحور وفي الحرب العالمية الثانية تقاسمت كل من بريطانيا وروسيا السيطرة على إيران حيث وقع الجزء الشمالي من إيران والذي يضم الأكراد تحت النفوذ الروسي والجزء الجنوب تحت النفوذ البريطاني. ومنذ البداية فقد منعت القوات الروسية أي تحرك للقوات الإيرانية نحو شمال إيران بدون موافقتها المسبقة مهما كان حجم هذه القوات. وقد أدى هذا الوضع إلى تقويض النفوذ الإيراني في الشمال وظهور جمهورية مهاباد الكردية في كانون الثاني عام 1946 وبتشجيع من الروس على أمل ضم هذه الجمهورية لاحقاً إلى أذربيجان الروسية. ومع انهيار جمهورية وعدد من الأكراد الذين تعاونوا معه فقد هرب البرازاني والذي كان مشاركاً في جمهورية مهاباد مع عدد من ابتاعه إلى روسيا حيث بقي فيها منذ عام 1947 وحتى عام 1958 حيث تلقى أتباعه تدريباً عسكرياً روسياً ووضعوا في حالة تأهب للتدخل في إيران أو تركيا أو العراق، ولدى عدوة البرازاني إلى العراق عام 1958 وعلى أثر انقلاب عبد الكريم قاسم فقد بدأ وكان الاستثمار الروسي سيؤتي أكله أخيراً، إلا ان البرازاني تخلى عن صورة المللا الأحمر مفضلاً العودة إلى النزعة القومية.

2)               أما بالنسبة للتوجه الغربي فانه قد تغير بعض الشيء في السنوات الأخيرة وبخاصة في أعقاب سقوط نظام حكم الشاه. فعندما كان الشاه في الحم فان أهمية إيران لحلف شمال الأطلسي وحلف جنوب شرق آسيا لا جدال عليها، أما الآن وبعد ان انتقلت السلطة في إيران لرجال الدين وظهور تيارات وتوجهات دينية وسياسية في إيران وبخاصة في بداية الثمانينيات تطالب بتصدير الثورة الإسلامية للدول المجاورة، فقد بدأ الاهتمام الغربي ينصب وبدرجة كبيرة على الوضع في منطقة الخليج والحفاظ على تدفق النفط باستمرار للغرب. ان الروح الانفصالية الكردية تعد في نظر العديد من السياسيين الغربيين مظهراً لعدم الاستقرار والتوتر بالغة الأهمية بالنسبة للغرب. على الرغم من تعاطف قطعات في الرأي العام الغربي مع القضية الكردية. ان الساحة العالمية حالياً يجتاحها جو من التوتر وعدم الاستقرار لم يعهد له مثيل منذ الحرب العالمية الأولى، وفي الوقت الذي انتقلت فيه كردستان إلى مركز المسرح في منطقة مضطربة ذات أهمية عالمية.

6.   الخلاصة والاستنتاجات.

1)              وفي التحليل النهائي فإنه يمكن الاستنتاج بأنه مهماً حدثت من تغييرات في المنطقة، فإن القضية الكردية ستبقى باستمرار رهناً للمصالح الإستراتيجية لمعظم القوى الإقليمية والدولية. لقد استغلت تذمرات الأكراد باستمرار من قبل هذه القوى لتقويض الأمن والاستقرار لدى جيرانها أو خصومها في إطار بحثها عن تحقيق أهدافها ومصالحها الإستراتيجية.

2)              ان اعتماد الأكراد على القوى الخارجية سواء الإقليمية أو الدولية خلال الفترة الماضية لم يكن مجدياً حيث كانت هذه القوى نستخدم الورقة الكردية كورقة ضغط سياسي للاستفادة منها في تحسين موقفها الإستراتيجي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ولم تكن هذه القوى جادة في يوم من الأيام في مساعدة الأكراد لإنشاء دولة مستقلة لهم وإنما  كانت تتركهم لمصيرهم المحتوم عندما تحقق أغراضها وكما فعل الشاه عام 1975.

3)              ان قدر الأكراد بتوزيعهم على عدة من الدول القوية في المنطقة وهي تركيا وإيران والعراق جعلهم دوماً في مواجهة قوة متفوقة عليهم عسكرياً كما ان تحالف تركيا وإيران سابقاً مع الدول الغربية عزز الموقف السياسي لهذه الدول بحيث أصبحت الدول الغربية معنية بالاستقرار السياسي للدول المتحالفة معها، مما منع إمكانية حصول الأكراد على اية مساعدة غربية فعالة قد تزعزع استقرار حليفاتها، إذا ما استثنينا العراق والذي كانت المساعدات التي تقدم فيه للأكراد لا تهدف إلى تعزيز موقفهم السياسي بقدر ما تهدف إلى إضعاف العراق وتحقيق المكاسب باستخدام الورقة الكردية.

4)              يبدو أنه في المدى المنظور فان أقصى ما يمكن ان يحصل عليه الأكراد هو درجة من الحكم الذاتي وحسب الظروف الداخلية والمتغيرات الإقليمية والدولية في أي من العراق أو إيران أو تركيا، وأما فيما يتعلق بحلم الدولة الكردية فانه لا يزال بعيد المنال ولا يمكن تحقيقه إلا بتوافر عدد من الشروط منها:

أ 0 انفراط النظام الإقليمي في المنطقة وإعادة ترسيم حدود جديدة لتحل محل الحدود القائمة منذ الربع الأول للقرن العشرين.

نية بعض الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية في إضعاف المنطقة وبخاصة إذا ما حدثت تطورات مفاجئة في تركيا وأدت إلى تغيير الحكم فيها إلى نظام معاد للغرب سواء أكان هذا النظام إسلامياً أم وطنياً.

5)              ان تراكمات القضية الكردية والتي مضى عليها عشرات السنين لا يمكن حلها بوصفة سحرية بين ليلة وضحاها. أنه قد يكون من السهل اتخاذ قرار الحرب أو اتخاذ قرار إنهاء الحرب ولكن الأمر الأكثر أهمية هو معالجة نتائج الحرب وذيولها وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية والتي تحتاج إلى عقود من الجهد الدؤوب الناجح، فقد يجتمع الأكراد مع أي قيادة سياسية في كل من العراق أو تركيا أو إيران ويتفقوا على منح الأكراد حكماً ذاتياً نتيجة لظروف معينة، ولكن المشاكل الهامة والمستعصية ستبقى تتفاعل تحت السطح وتظهر على شكل بركان جديد يعصف بكل شيء. ان الطموحات السياسية على قدر كبير من الأهمية ولكن متطلبات نهاية القرن العشرين وأسلوب التعامل معها تختلف عن متطلبات بداية أو منتصف هذا القرن. ان العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتي تتمثل في توفير الرخاء والرفاه وتحسين مستوى المعيشة للأفراد وإيصال وسائل الحضارة الحديثة كالطرق والمدارس والمستشفيات والمرافق الحيوية الأخرى وتحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص في إطار الديمقراطية والحرية المسئولة تعد في غاية الأهمية فلا يمكن ان يكون رفاه مع ذل وعبودية ولا عزة وكرامة مع الفقر والمرض والجهل.

الفصل السابع

الهوامش والمراجع

1)     The Times 3 Dec 1979.

2)     U.N- development Programme exploratory mission to northern Iraq Oct . 1970.

3)     Chaliand, Gerard (Ed) people Without a Country, London 1980. 166.

4)     The times, 13 Jan 1975.

5)     The Guardian, 14 March, 1975.

6)     David Tonge, Financial, Times .

7)     Arfa, Hassan, the Kurds, A Historical and. Political Study (Oup, London, 1966).

8)     Chaliand Gerard (Ed0 People Without a Country, Zed press London, 1980.

9)     Cottom, Rixhard, Nationalism in Iran, 1964.

10)      Eableton,  W. the Kurdish Republic of Arabs (OUP), London 1963.

11)      Edmonds, C, L Kurdish, Turks, and Arabs (OUP), London 1957.

12)      O, balance, Edgar, The Kurdish Revolt 1961-1970 , Faber London 1973.

13)      Qasmlu, Dr. B. Kurdistan and The Kurds, (Collet. London 1965).

 

الفصل الثامن

العراق " دراسة تاريخية وسياسية

1920-1975

1.                                       الخلفية التاريخية.

2.                                       الأوضاع المالية والاقتصادية خلال فترة السبعينات.

3.                                       التركيبية الاجتماعية وأثرها على عدم الاستقرار.

4.                                       إخفاق خطط الدمج الاجتماعي.

5.                                       الغموض في العلاقة ما بين الإسلام والقومية.

6.                                       المؤسسة العسكرية ودورها كقوة توحيد.

7.                                       الإقليمية والطائفية والقبلية وأثرها على الاستقرار.

8.                                       دور حزب البعث العربي الاشتراكي.

9.                                       الانقلابات المتكررة ودورها في عدم الاستقرار السياسي.

10.                                  إستراتيجيات الرئيس البكر في تعامله مع المؤسسة العسكرية والمدنية منذ عام 1968.

11.                                  المشكلة الكردية.

أ ) عام.

ب) أبعاد المشكلة الكردية.

12.                                  الشاه يسحب البساط وينقلب على الأكراد.

13.                                  عوامل التوتر وعدم الاستقرار في العلاقة السورية العراقية.

14.                                  السياسات النفطية.

15.                                  الخلاصة.

 

العراق " دراسة تاريخية وسياسية"

1)                                        الخليفة التاريخية:

ان دولة العراق الحديث لم توجد كوحدة سياسية قبل عام 1918 وذلك لدى انفصال ألوية بغداد، والموصل والبصرة، ووضع العراق تحت  الانتداب البريطاني عام 1920، لقد أدى هذه الوضع إلى ثورة شملت منطقة الفرات الأوسط، وقد تلقت هذه الثورة دعماً من الحكومة السورية التي أنشأها الملك فيصل في سوريا ولكن هذه الثورة تم إخمادها. وفي أعقاب سيطرة الفرنسيين على سوريا وإنهاءهم للحكم الفيصلي فيها، فقد غادر الملك فيصل إلى العراق حيث تم تنصيبه ملكاً دستورياً على العراق عام 1921 وفي عام1932 حصلت العراق على استقلالها رسمياً وحتى ذلك الوقت لم   تكن العراق قد تطورت إلى هوية واحدة مشتركة ومع وفاة الملك فيصل عام 1933 فقد أطلق العنان لقوى العنف وعوامل التوتر، حيث بدأت هذه التوترات وأعمال العنف مع انفجار الاضطرابات في مناطق الآشوريين والشيعة في الجنوب. واستمرت مع الانقلاب العسكري الأول الذي قاده اللواء بكر صدقي عام 1936 على الملك غازي ووفاته عام 1937 ، وخلال الفترة من 1936 – 1941 تعاقب على العراق سبعة انقلابات كما واندلعت خلال هذه الفترة ثورة رشيد عالي الجيلاني والتي تم القضاء عليها عام 1941 عندما دخلت قوات حملة العراق إلى بغداد، وفي أعقاب هذه الحملة بدأ يلمع نجم نوري السعيد والذي فيما بعد أصبح رجل العراق القوي وحتى انقلاب عام 1958 والذي قاده عبد الكريم قاسم وتمكن من خلاله من الإطاحة بالنظام الملكي في العراق، لقد بدأت التوترات والمشاكل تطفو على السطح في العراق منذ عام 1955 عندما انضمت العراق إلى حلف بغداد أمام معارضة عربية ومحلية، قادها ضد العراق الرئيس جمال عبد الناصر والذي أعاد تنشيط ودعم مجموعات المعارضة في العراق. ان انقلاب تموز عام 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم اعتمد في بداية الأمر على ائتلاف ذو قاعدة عريضة ولكنه لم يلبث ان انقسم هذا الائتلاف ودب فيه التناحر، من جراء سياسة عبد الكريم قاسم المستمرة في تغيير الحلفاء فتارة يتحالف مع الشيوعيين ثم لا يلبث بعد فترة ان ينقلب عليهم ويفتك بهم. ان هذا التقلب والفشل في الحفاظ على التوازن وخاصة ما بين العسكريين والمدنيين أدى في النهاية إلى الإطاحة بعبد الكريم قاسم وإعدامه من خلال انقلاب قاده عبد السلام عارف وبعض الضباط البعثيين بقيادة أحمد حسن البكر، ولكن بعد ذلك بفترة وجيزة أخرج الضباط البعثيين الذين يرأسهم البكر من السلطة. وخلال الأعوام 1963-1968 جرت محاولات لتهدئة السياسات العراقية وتلطيف بعض عوامل التوتر حيث تم تعيين رئيس وزراء مدني. وجرت محاولات لتهدئة الوضع مع الأكراد وتطبيع العلاقات مع إيران وتركيا، ولكن لعدم تمكن النظام من تأسيس قاعدة حكم مدنية عريضة فقد تعرض إلى ضغوطات من العسكريين أدت بالتالي إلى ثورة عام 1968 والتي قادها عدد من الضباط البعثيين والحرس الجمهوري بقيادة احمد حسن البكر والذين أطاحوا بحكم آل عارف.   .

2)                                        الأوضاع المالية والاقتصادية خلال فترة السبعينيات:

ان السلعة الاقتصادية الرئيسية في العراق هي البترول، حيث يعد العراق وعلى الصعيد العالمي من الدول ذات الإنتاج النفطي المتوسط ولقد وصل إنتاجه عام 1974 إلى حوالي (2.1) مليون برميل يومياً و (2.5) مليون برميل يومياً عام 1975، وفي أعقاب تأميم شركة بترول العراق في كركوك وتسوية النزاع مع هذه الشركة قانونياً عام 1973 ظهرت شركة النفط العراقية والتي كانت تشغل من قبل مهندسين روس وتشيكيين في ذلك الوقت. لقد كان الروس من المستوردين الرئيسيين للبترول العراقي، واعتمدوا في تعاملهم مع العراق على أسلوب مقايضة البترول العراقي بالسلع أو الأسلحة الروسية، وكون الروس كانوا يحصلون على البترول بأسعار رخيصة فقد كانوا يعيدون تصديره إلى بعض دول المعسكر الاشتراكي والدول الغربية للحصول على العملة الصعبة مما كان ينتج عن ذلك تخفيض أسعار البترول. ان تسوية التمرد الكردي عام 1975 بالاتفاق مع إيران أوجد ظروفاً ملائمة جداً للنمور الاقتصادي السريع، حيث كان العراق يقف على حافة أكبر حقبة نمو اقتصادي في تاريخه.

3)                                        التركيبية الاجتماعية وأثرها على الاستقرار:

إن الميزة البارزة للأوضاع السياسية للعراق الحديث هي التوتر وعدم الاستقرار والعنف المتأصل والذي يعزي بشكل رئيسي إلى طبيعة تشكيل المجتمع العراقي، وكذلك إلى فشل الأنظمة السياسية المتعاقبة في تحويل الدولة إلى وحدة سياسية متآلفة وصهر الأعراق والطوائف المختلفة في بوتقة واحدة والتي كانت تضمن السنة والشيعة والأكراد والتركمان واليهود والنصارى، هؤلاء جميعهم لهم تصورات مختلفة للنظام السياسي المقترح في العراق. كما ان هذه الأنظمة السياسية قد فشلت فشلاً ذريعاً في تقديم أسس راسخة لدولة القانون لذلك فإن التنافس السياسي كان يحل دوماً من خلال العنف والثورة، كذلك فان أسلوب عمل جهاز الدولة السياسي والإداري قد عزز الانقسامات الاجتماعية وشجع العداوات والحساسيات والشكوك، فرجال القبائل مثلاً لم يكونوا متحمسين لفكرة مركزية السلطة وكذلك فان الشيعة لم يكونوا راضين عن الهيمنة السنية  ومستاءين للحصة الصغيرة المخصصة لهم في مؤسسات الحكم كما ان الأكراد كانوا يطالبون باستمرار بالاستقلال والحكم الذاتي لمناطقهم. فبعد عام 1921 وعلى الرغم من الحملة الإعلامية الواسعة التي شنت لتوعية السكان حول مفهوم السيادة الوطنية، إلا ان الحساسيات بقيت مترسخة حيث رفض وجهاء البصرة سيطرة البغداديين وكذلك رفض البغداديون والذي كانوا يمثلون المؤسسة السياسية  العثمانية السابقة أية مؤسسة سياسية جديدة مقترحة. كما ان الأكراد ظلوا ينشدون استقلالهم والذي وعدوا به في مؤتمر عام 1919 في حين ان اليهود والنصارى طالبوا باستمرار الحماية البريطانية لهم، وكذلك فان الجماعة التركمانية تطلعت إلى تركيا لتحريرها. لقد كانت هذه الأرضية الاجتماعية والسياسية التي وجدها الملك فيصل لدى وصوله للعراق عام 1921 وبمعيته عدداً من الضباط العرب والعراقيون الذين خدموا بمعيته أبان الثورة العربية الكبرى عام 1916 وأثناء فترة حكمه لسوريا بعد ذلك، وكذلك عدداً من الضباط الإنجليز ولدى وصول الملك فيصل إلى العراق فقد كانت الصورة السياسية كما يلي بالنسبة للأشخاص الذين كانوا يتنافسون على حكم العراق، فلواء البصرة رشح سيد طالب كبير وجهاء المنطقة والذي عين وزيراً للداخلية في المجلس العربي للدولة والذي شكله بيرسي كوكس، وبغداد رشحت سيد عبد الرحمن والذي عينه بيرسي كوكس رئيساً للوزراء، في حين اقترحت الموصل شخصاً من عشيرة العمري وهو الشيخ خزعل شيخ المحمرة، كما كان لكل من الأكراد والتركمان والقبائل مرشحيهم الخاصين بهم، كما ان قسماً كبيراً من الإقليمية اليهودية أخذوا يبحثون عن الحماية من خلال المطالبة بالجنسية البريطانية. لقد كان هذا الوضع غير المستقر والمتناقض هو الأرضية التي انطلق منها الملك فيصل في تأسيس مملكة العراق. وعلى الرغم من كل هذه التناقضات فان الفترة من عام 1920-1932 وما رافقها من إصلاحات اقتصادية وإدارية، ومنها تطعيم المؤسسة السنية الحاكمة بالعديد من وجهاء الشيعة ورؤساء القبائل وشيوخ التركمان والأكراد وكذلك شخصيات بارزة من اليهود والنصارى قد عملت على تعزيز موقف الملك فيصل من خلال شعور كل جماعة بأنها تحصل على حصة مناسبة في تركيبة السلطة الجديدة ودوراً في عملية اتخاذ القرارات. وبهذه الطريقة أصبحت الوزراء تمثل تشكيلة لتآلف طائفي غير مستقر ويندرج هذا على كافة المؤسسات السياسية للدولة. وفي عام 1958 بادر عبد الكريم قاسم إلى تغيير هذه الرتيبات من خلال تعيين مجلساً لقيادة الثورة يضم السنة والشيعة والأكراد ولقد اتبعت كافة الأطراف هذه السنة في التعيين بما فيها القيادات ذات الصبغة القومية العربية اللاحقة.

4)                                        أخفاق خطط الدمج الاجتماعي:

لدى وصول الملك فيصل إلى العراق فقد صمم على نزع فتيل التوترات وعوامل عدم الاستقرار، حيث أوجد توازناً ما بين المصالح البريطانية في العراق ومصالح القوميين العرب وكذلك المصالح المحلية المتنافرة والمتقلبة. ان هذا التوازن السياسي ثم المحافظة عليه من خلال تعزيز القوة العسكرية، وبعد وفاة الملك فيصل عام 1933 تبين ان عملية الدمج والصهر قد أخفقت في تغيير ولاءات العراقيين من الولاءات العشائرية أو الطائفية أو العرقية إلى الولاء للوطن، كما ان هذه الخطط أيضاً لم تنجح في تبديد العداوات ما بين التركمان والأكراد والعرب أو في تقليل استياء الشيعة من الهيمنة التقليدية للسنة على مؤسسات الدولة.

5)                                        الغموض في العلاقة ما بين الإسلام والقومية:

ان بعض أسباب هذا الإخفاق الذي أشرت إليه يعزى في قسم كبير منه إلى طبيعة النظرة للقومية العربية وكذلك الفكر السياسي الذي انبثق عن هذه النظرة والذي استخدم وسيلة للدمج.

لقد اعتبر المنظرون القوميون العرب بما فيهم مؤسسي حزب البعث العربي بشقيه العراقي والسوري ان الإسلام تراثاً ثقافياً وحضارياً عربياً، كما ان طرحهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عربياً والقرآن نزل بلغة العرب قد جعل أفكارهم تبدوا وكأنها تهدف إلى جعل الإسلام ديناً قومياً للعرب متجاهلين الأبعاد العالمية للرسالة الإسلامية. ان هذا التنظير لفكرة القومية العربية وعلاقتها بالإسلام والتي تبناها بعض النخب القومية العراقية بدت وكأنها تنسجم فقد مع شريحة واحدة في المجتمع. وبهذا المعنى فانها أصبحت ذات مظهر طائفي وساعدت على التجزئة في مجتمع متعدد الطوائف والأعراق. ان مفهوم الحكم المبني على أسس كما يطرحه الفكر القومي العربي لا يساعد على تعزيز التماسك الوطني. من جهة نظر الأكراد أو الشيعة في العراق. فقد نظر القوميون العرب للعراق كجزء من مشروع وحدوي كبير كانوا يطمحون إلى تحقيقه باسم القومية العربية، ان النظرة القومية التي كان يعتنقها العرب في العراق استثارت المعارضة من المجموعات السياسية الطائفية الأخرى، لأن العرب السنة والذين يقطنون مثلثاً يمتد من الموصل في الشمال إلى بغداد في الجنوب والرطبة في الغرب يمثلون الأقلية وتشمل هذه المنطقة مدن السماورة وتكريت على نهر دجلة والفالوجة والرمادي وهيت وحديثه وعنه والراوه على نهر الفرات. ومن هذه المدن والمناطق كان يتم تجنيد المرشحين للجيش والشرطة وهذا التقليد ضمن استمرار النخبة السياسية السنية، كما انه في هذه المناطق ذات الأغلبية السنية ازدهرت فكرة القومية العربية، والدعوة للوحدة العربية والتي اعتبرتها الجماعات الأخرى ليست إلا ذريعة لتقوية وتعزيز مركز السنة على حساب الجماعات الأخرى. وهذا ربما يكون من الأسباب التي جعلت الأكراد يطالبون بحكم ذاتي مستقل في إطار اية دولة قومية يتم تشكيلها.

6)                                        المؤسسة العسكرية ودورها كقوة توحيد:

أ – ان طرح مفهوم التجنيد الإلزامي وتأسس الجيش الوطني كأداة لبناء الأمة كان ذا أهمية فائقة في مواجهة نقاط الضعف الاجتماعية والسياسية. لقد كان دور الجيش في تعزيز الأمن الداخلي حاسماً لبقاء الدولة. ففي بداية تأسيس الدولة كانت الجماعات المختلفة وبخاصة القبائل تتفوق على القوات الحكومية بالتسليح ففي حين كان الأفراد المدنيين يمتلكون أكثر من مائة ألف بندقية فان قوى الأمن كانت تمتلك (15) ألف بندقي، لذلك كان من الضروري زيادة القوات المسلحة وتدعيمها لمواجهة القلاقل التي يمكن ان تظهر للحفاظ على الأمن الداخلي، وبذلك فإن الجيش تحول مع مرور الوقت إلى الضامن الأكبر للحكومة، إلا ان الجيش وبصفته مؤسسة وطنية عامة فقد كان معرضاً أيضاً إلى القوى الاجتماعية  المتصارعة التي كانت تتفاعل في المجتمع العراقي أيضاً. ان الظاهرة الغالبة في المجتمعات التقليدية المتعددة الثقافات والأعراق انها غير محصنة للضغوطات الطائفية والعرقية وخاصة في أوقات الأزمات. ان مثل هذه الولاءات البدائية عادة ما كانت تستغل من قبل الساسة والعسكر في إطار بحثهم عن المؤيدين والمناصرين لهم في مؤسسات الدولة وبصفة خاصة في المؤسسة العسكرية. لقد حدث أول انقلاب في تاريخ الدولة العربية الحديثة عام 1936 في العراق وقد تم تنظيمه من قبل ضابط كردي وهو بكر صدقي وعدد من السياسيين من أصول شيعية وتركمانية ومنهم حكمت سليمان وجعفر ابو تيمان ضد حكومة ياسر الهاشمي ذات التوجه القومي ولم يكن أي منهم يمت بصلة إلى القيادة السياسية السنية ولقد كان تكتيك بكر صدقي الاعتماد على الأكراد في الجيش والذين تم ترفيعهم بسرعة وتسليمهم بعض المراكز الحساسة لتعزيز مركزه ونفوذه إلا ان هذا الأسلوب فشل لعدم وجود قضية يرتكز عليها مما جعل القيادة السينية تعيد تجميع الضباط القوميين للقيام بانقلاب مضاد بعد أقل من عشرة أشهر حيث استعادوا السيطرة العربية السنية على نظام الحكم.

ب – خلال فترة حكم عبد الكريم قاسم ما بين عامي 1958-1963 فقد مرت الدولة بتجربة مميزة. لقد كان عبد الكريم قاسم خليطاً من أصول سنية وشيعية كما انه نشأ في بيئة يهيمن عليها المناخ الثقافي والاجتماعي الشيعي، لقد كان قريباً لأحد قادة انقلاب عام 1936 والذي

شجعه على الالتحاق بالكية العسكرية ويمكن أن يكون عبد الكريم قاسم قد تعاطف مع تذمرات الشيعة أيضاً ضد الدولة. ففي البداية عمل توازناً متعادلاً ما بين الأعضاء من الجماعات المختلفة في حكومته وليس في الاستخدام الحكومي ونفقاتها فحسب بل في التعيين والترقية في صفوف الضباط غير السنيين العرب أيضاً، فللمرة الأولى يصل ضباط شيعة لرتبة لواء، وبعضهم عين في مناصب لم تشغل سابقاً من غير السنة، حيث عين اللواء سيد حسين حاكماً عسكرياً لجنوب العراق ذات الأغلبية الشيعية، وكذلك فان اللواء شوق عين مديراً عاماً لوزارة الدفاع وكذلك العميد محسن الرفاعي الذي عين مديراً للاستخبارات العسكرية. وجميع هؤلاء انقلبوا لاحقاً على عبد الكريم قاسم بسبب الحملة الإعلامية المضادة لحكمة واتهامه بمغازلة الحزب الشيوعي العراقي. ومرة أخرى فإن القضاء على حكمه عام 1963 قام به عناصر قومية عربية سنية في القوات المسلحة العراقية بقيادة احمد حسن البكر وعبد السلام عارف وطاهر يحيى.

7)                                        الإقليمية والطائفية والقبلية وأثرها على الاستقرار:

لقد تمكن احمد حسن البكر من بناء دعماً شخصياً له بين ضباط الجيش والمدنيين خلال سنوات عديدة مستفيداً من الروابط الإقليمية والأفكار القومية لحزب البعث. لقد كانت الأصول الاجتماعية لمعظم الأعضاء البارزين لهذه المجموعة وبخاصة المجموعة العسكرية من مدينة تكريت وضواحيها إلى الشمال من بغداد. لقد كان الموقع الجغرافي لتكريت مهماً لوقوعها في قلب المثلث تكريت مسقط رأس أحد الشخصيات الهامة أثناء الحكم الملكي في العراق وهو مولود مخلص، والذي كان ضابطاً في الجيش العثماني سابقاً ثم انخراط في الحركة العربية بقيادة الملك فيصل ومن ثم أصبح موظفاً حكومياً كبيراً ومن ثم نائباً في البرلمان وأخيراً مستشاراً في البلاط الملكي. لقد استخدم مولود مخلص نفوذه وخلال سنوات عديدة لتشجيع ذوي الطموح السياسي من منطقة الفقيرة للالتحاق بالجيش وجهاز الشرطة، وعلى نفس المنوال فان ضباطاً وسياسيين أمثال البكر وطاهر يحيى وحردان التكريتي وغيرهم وكلهم من بلدة تكريت استخدموا نفوذهم لزرع تكريتيين في المراكز الحكومية أثناء فترة الحكم الجمهوري. ان المتتبع لتشكيل القيادة البعثية القطرية في العراق خلال فترة السبعينيات يجد انه من بين (18) عضواً الذين يشكلون هذه القيادة كان (12) منهم من السنة العرب وواحد مسيحي من الموصل وواحد علوي من عنه وأربعة من الشيعة، وأما بالنسبة للعرب السنة وعددهم أثنا عشر شخصاً فقد كان أربعة منهم من تكريت وهم الرئيس احمد حسن البكر ونائبه صدام حسين ومدير المخابرات العامة سعدون شاكر والذي كان يتولى أيضاً قيادة الميليشيا الخاصة لحزب البعث والخدمات السرية، وبالنسبة للتوزيعة الجغرافية فقد كان خمسة منهم من ألوية الرمادي وعنه وثلاثة من الموصل وأربعة من بغداد ولم يكن في هذه القيادة أي كردي أو تركماني، حيث ان كافة هؤلاء الرجال تربطهم ببعض علاقات الصداقة والقرابة بسبب أصولهم الاجتماعية أو أو صلات الدم أو كليهما بالإضافة لكونهم بعثيين وعلى أية حال فان أي من هذه الاعتبارات لم تمنع النزاعات الداخلية.

8)                                        دور حزب البعث العربي الاشتراكي:

لقد صممت أيديولوجية حزب البعث المرتكزة على القومية العربي لحل مشكلة الأقليات. ان ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث وهو مسيحي من الطائفة الأرثوذكسية ومن مواليد دمشق والذي نظر لوحدة عربية تشمل المسيحيين والمسلمين من خلال طرح الإسلام كتراث ثقافي للحضارة العربية ومن خلال التوجيه العاطفي المبسط للأيمان بالتجربة العربية المشتركة. إلا ان عفلق في الحقيقة لم يكن مهتماً بالفعاليات السياسية للإسلام بقدر ما كان يأمل من القومية العربية ان تحقق للعرب في مضمار القوة السياسية ما حققه لهم الإسلام باسم رسالة الدين متجاهلاً ان الإسلام بالنسبة للمسلمين هو تعاليم سماوية ودنيوية تضبط وتحكم حياتهم اليومية، وعلاوة على ذلك فان مفهوم عفلق للإسلام نظر له من قبل العديدين على انه الإسلام السني والذي أبعاده السياسية يمكن ان تثير حفيظة الجماعات غير العربية كالأكراد والتركمان والعرب الشيعة والنصارى واليهود، وكنتيجة لذلك فان عدداً من هذه الجماعات عارضت التوجه البعثي كونه ظهر وكأنه يعزز الهيمنة السياسية السنية. ومع ذلك فقد كان حزب البعث العربي الأول الذي تبنى النظرة القومية، وهي البداية فان نفوذه اقتصر على سوريا، ولم يحصل على الكثير من توجهاته العقائدية إلا من خلال علاقته مع الحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني وهذه الحركة التي تأسست في مدن وسط سوريا مثل حماه وحمص والتي كان هدفها تقويض وتصفية السلطة والنفوذ السياسي للإقطاعيين في السهول السورية الوسطى، حيث نالت دعم قطاعات كبيرة من الأقليات والذين شكلوا القطاع الأكبر من الفلاحين والعمال الزراعيين. ان مساهمة الحوراني في اندماج الحزبين عام 1952، قدم لحزب البعث قاعدة عسكرية ضمت عدداً من صغار الضباط من الكلية العسكرية في حمص الذين جندوا لدعم الحزب عندما وصل إلى السلطة وأخيراً فان الضباط أسسوا في حزب البعث منظمة سياسية استخدموها لنيل دعم المدنيين. الأمر الذي شوش سياسات البعث العراقي والسوري بجناحيهما المتنافسين المدني والعسكري واللذين ينشدان الهيمنة.

إن الصراع ضمن الحزب قد تفاقم من خلال الغموض العقائدي والذي أدى بالقادة السياسيين والعسكريين لتبني توجهات ومظاهر اجتماعية وعلمانية ودينية وثورية مختلفة. وهذا بدوره أدى إلى بزوغ مجموعات متباينة وتنظيمات عسكرية سرية وكل واحدة منها تدعي قيادة البعث. ان الانقسامات الداخلية نتجت بشكل أساسي عن الانقسام الذي تعزز وتكرس من خلال التركيبة الاجتماعية التي كانت يعمل فيها.

9)                                        الانقلابات المتكررة ودورها في عدم الاستقرار السياسي:

ان حزب البعث العراقي والذي أسس عام 1954 شكل جبهة قومية متحدة عام 1957 مع الحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي وحزب الاستقلال بقيادة مهدي كبه والحزب الشيوعي العراقي وذلك لمعارضة حكومة نوري السعيد، ولكن وعلى اية حال فان الجيش بقيادة عبد الكريم قاسم هو الذي أطاح بالحكومة عام 1958، وما لبث بعدها ان أبعد الحزب عن الجبهة وكذلك المشاركة بنظام عبد الكريم قاسم نظراً لرفضه انضمام العراق إلى الجمهورية العربية المتحدة. لقد عاش الحزب زلزالاً شديداً عندما حاولت القيادة القطرية في العراق اغتيال قاسم، حيث فرضت العقوبات على الحزب وقمع بشدة وتمت ملاحقة أنصاره من قبل نظام حكم عبد الكريم قاسم، وما لبث أن أعيد تنظيم الحزب بقيادة أمين عام جديد وهو علي صالح السعدي. ومرة أخرى فان البعثيين العسكريين هم الذين أطاحوا بنظام عبد الكريم قاسم في شباط عام 1963 ومن بين ثلاثة عشر عضواً في القيادة القطرية كان تسعة منهم ضباط الجيش بقيادة احمد حسن البكر. ولقد أدت الحزازات لاحقاً إلى قيام عبد السلام عارف وبعد عشرة أشهر من تسلم السلطة بتنحيه الحزب بالتعاون الضمني مع عدد من العسكريين في القيادة القطرية التي كانت تضم كل من احمد حسن البكر وطاهر يحيى. وعلى أثر نجاح عارف فقد استقال احمد حسن البكر بينما استمر طاهر يحيى وحردان التكريتي بتعاونهما مع عارف، ولكن عارف لم يلبث ان أعفى حردان التكريتي من منصبه الهام كقائد لسلاح الجو، ان هؤلاء الضباط وهم البكر واللواء صالح مهدي عماش وزير الدفاع الأسبق وحردان التكريتي أعادوا تجميع أتباعهم المدنيين والعسكريين للإطاحة بنظام آل عارف، وفي تموز عام 1968 حصلوا على دعم العقيد إبراهيم الداوود قائد الحرس الجمهوري لتنفيذ الخطة، وكذلك دعم مدير الاستخبارات العسكرية العقيد عبد الرزاق النايف الذي أصبح مطلعاً على العملية من خلال إبراهيم الداوود. وفي 17 تموز 1968 حدث انقلاب أبيض تم بموجبه تنحيه عارف واستلم البكر رئاسة الجمهورية وعبد الرزاق النايف رئاسة الوزراء، وإبراهيم الداوود وزارة الدفاع. ومنذ البداية فقد أصدر احمد حسن البكر أوامره إلى قائد اللواء العقيد حمد شهاب وهو قريب له ولاحقاً أصبح رئيساً لهيئة الأركان العامة ومن ثم وزيراً للدفاع، للزحف إلى بغداد على الرغم من النجاح الأولى للانقلاب وفي 30 تموز 1968 وبينما كان وزير الدفاع إبراهيم الداوود في الأردن يتفقد القوات العراقية المتواجدة هناك، قام ضباط بعثيون بقيادة حمد شهاب بانقلاب آخر على الذين تعاونوا معهم من غير البعثيين واستلموا مقاليد السلطة كاملة. وبهذا العمل فانهم حيدوا الكوادر المسيئة في القوات المسلحة والمجتمع والذين لم يدعموا البعث حيث كان من الضروري لهم تصفية المخالفين وهذه العملية لا زالت تتكرر من ذلك الوقت. ان استيلاء حزب البعث على الحكم قد حل مشكلة هوية السلطة ولكن أزمات الحكم وشرعية السلطة قد استمرت في إلقاء ظلالها على السياسات العراقية.

ان النزاع ما بين الجناح المدني للحزب وأنصارهم العسكريين أجبرت القيادة المدنية التقليدية وكذلك ميشيل عفلق للإصرار على انه يجب استمرار السيطرة المدنية على كافة أجهزة الحزب لتجنب ظهور مركز قوى عسكري كالذي حدث في سوريا.

لم يرد عفلق ان يفصل الجيش عن العملية السياسية ولكنه أراد إخضاع الضباط لهذه العملية حتى يقلع الضباط من خلال التزامهم العقائدي وبشكل طوعي عن التدخل في الشؤون السياسية. لقد أراد عفلق تحويل القوات المسلحة إلى الجيش الشعبي العقائدي كجناح عسكري للحزب في صراعه الثوري من أجل مجتمع جديد.

ان البعث العراقي وبخاصة الجناح العسكري ادام علاقة وطيدة مع عفلق وقيادته القومية في سوريا وحتى تنحيته من قبل انقلاب عسكري عام 1966 في سوريا. ان الهيمنة العسكرية على المنظمة المدنية للحزب أثار استياء وغضب عفلق وأنصاره، ولكنهم كما يبدو لم يدركوا ان الحزب أصبح معتمداً بالكامل على العسكريين لمسك السلطة والمحافظة عليها.

لقد بدى وكأن البعث العراقي ظل ملزماً نفسه بالمعارضة العامة ضد الهيمنة العسكرية، وحتى عام 1966 فقد كان للبعث أميناً عاما ًمدنياً ولكن بسبب الانشقاق المزمن فان الحزب قد أخلى الميدان للعسكريين ومن بينهم احمد حسن البكر والذي استعمل نفوذه لاختيار منظمين مدنيين جدد للحزب، وعلى رأسهم صدام حسين والذي أصبح فيما بعد موضع ثقته بالكامل لهذه المهمة. ان هذه العلاقة سهلت بروز صدام ليصبح أميناً عاماً مساعداً للقيادة القطرية لحزب البعث ونائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة ونائباً للرئيس البكر. ولاحقاً فانه أصبح من الهام للقيادة السياسية في العراق أبعاد الضباط العسكريين من عضوية منظمات الحزب ودوائر الحكومة، وهذا لا يعني ان العسكريين والذين اعتمد عليهم الحزب في بقائه في السلطة قد أبعدوا بالكامل فلا يزال يوجد عدداً من الضباط المشاركين في القيادة القطرية واللجنة العسكرية والذين كانت مهمتهم تسييس القوات المصلحة واختيار المجندين للحزب.

10)                                   إستراتيجيات الرئيس البكر في تعامله مع المؤسسة العسكرية والمدنية منذ عام 1968:

أ- لقد كان ملحوظاً ان الأعضاء الأصليين في مجلس قيادة الثورة والذي تشكل فوراً بعد مسك السلطة في 17 تموز 1968 كانوا من الضباط العسكريين. وهؤلاء هم احمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش، وحردان التكريتي، وحمد شهاب الشخص الوحيد الذي تمكن من الاحتفاظ بمركزه في الحزب والدولة والذي تم تعزيزه من خلال التصفيات المتتالية للضباط الآخرين من القيادة السياسية. لقد احتفظ سعدون غيدان بمركزه في مجلس قيادة الثورة ولكنه فقد مقعده في القيادة القطرية لحزب البعث. وهذه العملية وصفت بأنها عملية مدنية للنظام البعثي وبخاصة لأنه صاحبها دمج القيادة القطرية في مجلس قيادة الثورة والذي اعتبر أعلى سلطة تنفيذية وتشريعية في البلاد. وعلى أثر هذه الحركة ظهر  صدام حسين كنائب لرئيس مجلس قيادة الثورة في عام 1970، وعلى أية حال ففي أعقاب محاولة الانقلاب التي قادها ناظم قزار عام 1973  فان القيادة المدنية في مجلس قيادة الثورة قد تقلصت إلى أربعة وهم صدام حسين نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة وعزت مصطفى وزير الصحة وطه الجزراوي وزير الصناعة والتخطيط وعزت الدوري وزير الداخلية.

ب- ان تخفيض العضوية في مجلس قيادة الثورة صاحبة تسلم الرئيس لسلطات غير عادية بما فيها احتفاظه بحقيبة وزارة الدفاع. وهذا بدون ريب قد جعل احمد حسن البكر الشخصية الأكثر بروزاً ونفوذاً في قمة هرم السلطة العراقية. ان الطرد المستمر والإحالات المتتالية للرتب العسكرية قد جعل الحزب في موقع السيطرة الكاملة على القوات المسلحة في واقع الأمر، وهذا استمر مع وجود احمد حسن البكر رئيساً للدولة وأميناً عاماً لحزب البعث، وكونه كان قائداً عاماً للقوات المسلحة فانه كان باستطاعته ان يعزز مصالح القوات المسلحة كممثل لهم في الحزب والدولة. وعلى الرغم من هذه الإجراءات الوقائية فانه حدثت صراعات ما بين جناحي الحزب، منها المحاولة الانقلابية التي قادها اللواء حردان التكريتي في أيلول عام 1970 ضد القوة المتنامية لصدام حسين وكذلك المحاولة التي قام بها ناظم قزار مدير الأمن الداخلي في حزيران 1973 ان ناظم قزار وهو شيعي، عارض سياسة مشاركة السلطة مع الحزب الشيوعي العراقي والحزب الكردي الديمقراطي بقيادة البرازاني انقلب على النظام وقبض على كل من حمد شهاب وزير الدفاع وسعدون غيدان وزير الداخلية وكليهما من تكريت واتهمهما باستغلال نجاحات الحزب اعتماداً على رتبهم العسكرية علماً ان هذهين الرجلين كانا من الأعوان المقربين لاحمد حسن البكر فحمد شهاب كان خاله، كما ان سعدون غيدان كان قائداً لوحدة دبابات في وقت الانقلاب. وعلى أثر مؤامرة ناظم قزاز دائرة الأمن الداخلي أعيد تنظيمها وتم إنشاء دائرة المخابرات العامة وضم لها فرع الأمن الخاص لحزب البعث والذي يسيطر على الميليشيا الخاصة للحزب بقيادة ضابط تكريتي وهو سعدون شاكر العضو في القيادة القطرية العراقية ويساعده في ذلك الشقيق الأصغر لصدام حسين. لقد تم تنظيم الحزب على أساس الخلية ولأسباب أمنية فان الخلايا كانت منفصلة ومستقلة مما جعلها معرضة للنفوذ الشخصي والإقليمي. ان انقلاب قزار الفاشل سبب فوضى واضطراباً بين ميليشيا الحزب والسلطة لأن أحداً لم يستطيع التأكد من ان قادة الخلايا المختلفة كانوا موالين لناظم قزار رئيسهم السياسي أم إلى الحكومة، وهذا أدى بالتالي إلى تجريدها من السلاح.

ج- ان الأثر الفوري لمحاولة قزاز الانقلاب كان تسليط الأضواء على الانقسامات الراهنة بين جناحي الحزب حيث قام احمد حسن البكر بتقوية قبضته وتجاوز سلطات مجلس قيادة الثورة والذي تم تقليص عضوية المدنيين فيه، كما انه احتفظ بحقيبة وزرة الدفاع بعد تصفية شهاب من قبل ناظم قزار، وبصفته هذه فقد بدأ يعتمد على مجموعة من الأعوان العسكريين الذين يشرفون ويسيطرون على القوات المسلحة وعلى  رأسهم العقيد شفيق الدراجي والذي كان في السابق عضواً في مديرية الاستخبارات العسكرية أبان حكم آل عارف، ان هذا المركز أعطاه معرفة جوهرية حول الولاءات السياسية للضباط. لقد احتفظ العقيد الدراجي بصداقة وطيدة مع البكر وحتى عندما كان يعمل ضابط استخبارات لنظام آل عارف، ان اندلاع الحرب مع الأكراد في آذار عام 1974 كان مظهراً آخر لهذا الانقسام وبشكل خاص لان اتفاقية السلام عام 1970 مع الأكراد قد اعتبرت مساهمة من صدام لتحقيق تسوية وطنية. ومع ذلك فان الحكم الذاتي للأكراد بقيادة البرازاني واستمراره من قبل الحكومة المركزية أصبح يواجه معارضة من قبل القوات المسلحة. ومع تنامي انتشار الاستياء بين الضباط فان القيادة المدنية أصبحت تشعر بضغط وبدلاً من ان تلجأ للمواجهة وكما حدث في سوريا عام 1966 وعام 1970 فان الحزب لجأ للتعايش مع العسكريين وهكذا وبعيداً كل البعد عما كان يطمح له عفلق من إنشاء الجيش العقائدي للبعث فان الحزب أصبح الإدارة السياسية للقوات المسلحة.

د- وفي هذه النزاعات فان الحدود الفاصلة ما بين العسكريين والمدنيين قد تلاشت بسبب سعي الطامعين بالسلطة للحصول على الدعم في كلا جناحي الحزب المنفصلين، ومع ذلك فان السيطرة الواضحة للمدنيين على الحزب لم تمنع مؤيديها العسكريون من تحدي سلطة احمد حسن البكر ومن الجدير بالذكر انه من بين المجموعة الأصلية الخمسة والذين كان لهم الفضل في مسك السلطة عام 19687 لم يتبق إلا احمد حسن البكر بعد عدة سنوات من الانقلاب، فقد أعفى حردان من منصبه كوزير للدفاع وعماش من منصبه كوزير الداخلية عام 1970 بسبب معارضتهما لاتفاقية السلام مع الأكراد وتحفظاتهما تجاه مشاركة السلطة مع الشيوعيين والحزب الديمقراطي الكردي. كما ان حردان حمل مسؤولية انهيار فترة حكم البعث القصيرة عام 1963 من قبل الكوادر المدنية، ولدى محاولته مسك السلطة في أيلول عام 1970 وفشله فقد هرب إلى الكويت حيث اغتيل فيها عام 1971. كذلك فان غيدان نقل من وزارة الداخلية وأصبح وزيراً للاتصالات، وأما عمش فقد أرسل سفيراً إلى موسكو ومن ثم باريس وأما الرابع فهو اللواء شهاب والذي قتله قزار عام 1973. وعلى أثر اندلاع الحرب مع الأكراد عام 1974 فانه تواردت معلومات عن اعتقال عدد من الضباط بسبب عدم موافقتهم على الطريقة التي أديرت بها الحزب أو لعدم الكفاءة.كذلك فان قائد سلاح الجو في ذلك الوقت اللواء حسين حياوي قد ابعد من منصبه وعين ملحقاً عسكرياً في الباكستان وكذلك فان العقيد داوود الجنابي قائد الحرس الجمهوري صرف من الخدمة.

11)                                   المشكلة الكردية:

أ- عام.

تعد المشكلة الكردية من المشاكل المزمنة والتي تمثل عنصر توتر وعدم استقرار دائم لذلك كان من الأمور الجوهرية البحث عن حل لهذه المشكلة المزمنة والتي انتهكت واستنزفت قوة وموارد الحكومة المركزية منذ عام 1961. كما انه كان من الضروري لحزب البعث ان يبحث عن صيغة للتعايش مع الحزب الشيوعي العراقي والذي يعد المعارضة السياسية الوطنية المنظمة الوحيدة. ولحاجة النظام للمساعدات العسكرية والتقنية والسياسية الملحمة من روسيا، وقد تم إحراز ذلك من خلال الجبهة القومية المتحدة والتي  يمكن ان تكون إطاراً يستوعب كل من الحزب الديمقراطي الكردي والحزب الشيوعي العراقي وكذلك كافة القوى التقدمية الراغبة بمشاركة حزب البعث في الحكم.

لقد وفرت عملية سحق المعارضة بواسطة تنفيذ عمليات إعدام لعدد من السياسيين والعسكريين البارزين المتهمين بالتورط في مؤامرة تدعمها إيران للإطاحة بالنظام وتحييد التذمرات الأخرى للبعثيين والقوميين للنظام الفرصة في عقد اتفاقية مع الأكراد، وفي عام 1968 تم دعوة فصيل الحزب الكردي الديمقراطي بقيادة جلال الطالباني وإبراهيم عودة للعودة إلى بغداد حيث منحوا دعماً حكومياً وسمح لهم بإصدار صحيفة والذي فسر في حينه على انه محاولة لشق صفوف حركة البرازاني. ان هذا التكتيك قد اتبع أيضاً عام 1974 عندما اعترف بالفصيل الذي يقوده العقراوي كممثل شرعي للحزب الكردي الديمقراطي. ومع أدراك البعثيون ان الطالباني يمثل أقلية كردية وكذلك الأمر بالنسبة للعقرواي فان النظام اضطر للبحث عن تسوية مع البرازاني. لقد فسر البعض اتفاقية عام 1970 بانها كانت تهدف لتهدئة الوضع من أجل التعامل بفعالية مع المناوئين، وكذلك لأن البعض رأى ان الاتفاقية قدمت للبرازاني وحزبه تنازلات أكبر من الاتفاقيات السابقة المجهضة فانها ادت إلى حدوث مشاحنات جديدة بين صفوف البعث. ومع مرور الوقت فقد لوحظ ان الحزب الكردي الديمقراطي قد استغل الوضع للسيطرة على منطقة واسعة من الأرض تمتد من زاخو شمالاً حتى حلبجة في الجنوب الغربي من المنطقة الكردية. حيث تمكن الحزب الديمقراطي الكردي من إرساء إدارة محلية في هذه المنطقة على أساس الأمر الواقع باستثناء المدن الكبيرة مثل أربيل والسليمانية.

لقد منحت الاتفاقية الحزب الديمقراطي الكردي اعترافاً رسمياً استغل من قبل الحزب لتثبيت مركزه في المنطقة. كما ان اعتراف الحكومة المركزية بحزب البرازاني كممثل شرعي ووحيد للجماعية الكردية قد قوض هيبة الدولة العراقية في المنطقة الكردية. هذا بالإضافة إلى ان أكراد العراق أصبحوا يتمتعون بالحماية بسبب كونهم مؤدين لحزب البرازاني، كما ان اعتقالهم أو أطلاق سراحهم أو تعيينهم في المراكز الحكومية أو طردهم منها كان مرتبطاً بكلمة واحدة منه.

وفي هذا المجال تجدر الإشارة إلى ان الحكومة المركزية في بغداد كانت الممول للحزب الكردي الديمقراطي والذي احتفظ بميليشيا الحزب (البيش ميرجه) كحرس حدود، مما ساعد على تقويض سلطة الحكومة المركزية في المنطقة الكردية. وجعل حزب البرازاني دولة وله إدارته ومحاكمه وضرائبه وقواته العسكرية والأمنية.

ان انهيار اتفاقية عام 1970 مع الأكراد كان متوقعاً من كافة الأطراف، وذلك بسبب عدد من العوامل المختلفة والمعتقدة، ومنها الثمن الغالي الذي دفعه البعث من اجل تحقيق الهدوء والاستقرار السياسي، بحيث لم يستطع الاستمرار في مهانة التصلب الكردي، وثانياً لأن الحزب يمثل طليعة الحركة القومية العربية فان لا يتوقع منه ان يتنازل عن جزء من أرض العرب إلى عناصر انفصالية غير عربية، كما ان الأكراد أدركوا ان النظام قد يحاول ان يغير الوضع من مركز قوة. لقد اضطر الطرفان لتوقيع الاتفاقية لمنافع سياسية لكل منهما وليس من مبدأ الاعتقاد الراسخ في الحق الديمقراطي للشعب لتقرير وضعه السياسي. ان خيبة الأمل للتوقعات السياسية التي نتجت عن الاتفاقية أدت بالحكومة ان تعلن قانونها للحكم الذاتي لكردستان عام 1974والذي هدف إلى استعادة السلطة المركزية المناطق الكردية وجعل الحزب الكردي الديمقراطي تابعاً للسلطة المركزية.

ب- أبعاد المشكلة الكردية:

لقد كانت الفترة الانتقالية متسمة بالتوتر وعدم الاستقرار، حيث توقع البعض من الحزب الديمقراطي الكردي ان يقطع صلته بإيران ولكنهم اخطئوا الحساب في تقدير مدى اعتماد الحزب على إيران. ولدى توقيع الاتفاقية فان الطرفين لم يتمكنا من الاتفاق على حل أي موضوع خلال الفترة الانتقالية. فلم يكن هناك اتفاقية على الحدود الجغرافية لمنطقة الحكم الذاتي الكردي، ولقد كانت نقطة الخلاف الرئيسية هي معظم سكانها يتكلمون اللغة الكردية، إلا ان الحكومة فندت هذا الادعاء على أسس منها ان السكان ليس كلية من الأكراد بل هم مزيجاً من التركمان والآشوريين والعرب. الأراضي المملوكة للدولة. وكذلك اعتبر الأكراد ان منح الحقوق الثقافية والعرقية إلى الجماعات التركمانية والآشورية وسيلة لتقويض مركز الأكراد في كركوك.

لقد احتجت الحكومة بأن هذه الإجراءات هي دلائل على سياستها التحررية الهادفة إلى تسوية وطنية والتي رفضها الأكراد. في حين ان الأكراد أشاروا بأصابع الاتهام إلى خطط الحكومة لترحيل (60) ألف شيعي كردي معظمهم من الفيلي إلى إيران بحجة أنهم ليسوا مواطنين عراقيين. ولقد كان لهذا الأمر مغزاه وذلك لأن مرشح الحزب الديمقراطي الكردي لمنصب نائب الرئيس طبقاً لاتفاقية 1970 وهو حبيب محمود كريم الأمين العام للحزب الكردي الديمقراطي كان من أكراد الفيلي والذي رفضه نظام البعث بسبب جنسيته الإيرانية، كذلك فان نفط كركوك كان له مظهراً آخر، فقد طالب الأكراد بحصة من عائدات النفط من أجل تطوير كردستان.

ان الاختلاف الجوهري ما بين البعث والأحزاب الأخرى كان احتكار البعث للسلطة داخل مجلس قيادة الثورة والذين كان كافة أعضاءه من البعثيين. لقد منح أعضاء من الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردي وكذلك مجموعات صغيرة أخرى مراكز في مؤسسات الحكومة. وفي المقابل فان النظام توقع بالمقابل اعترافاً بالسيادة ومركز الصدارة في تركيبة السلطة في الدولة. ان مطالب البعث لم تكن مطالب وظائفية فحسب ولكنها مطالب نظرية ومنطقية، فالسلطة لهم من منطق الحق وليس بالاكتساب لذلك فبإمكانهم توزيع السلطة كما يرونها مناسبة. ان اتاحة الفرصة للحزب الكردي الديمقراطي والحزب الشيوعي العراقي للمشاركة في السلطة لم يكن أكثر من مناورة سياسية لضمان الدعم والولاء والحصول على الشرعية في نظر البعض. وهذا المركز أعيد تأكيده مرة أخرى في مرسوم تشرين الثاني عام 1974 والذي أكد على ان البعث يمثل الحزب الطليعي وكذلك تقرير المؤتمر الثامن للحزب في كانون الثاني 1974 والذي وضع ما يمكن ان يقدم دليلاً سياسياً لكافة دوائر الحكومة بغض النظر عن المعتقدات السياسية للأفراد. وباختصار فان البعث أرسل إشارة إلى الشيوعيين والأكراد والشيعة والآخرين ان يلتزموا الخط المرسوم.

لقد مارس الحزب الديمقراطي الكردي والحزب الشيوعي العراقي ضغوطات لحل مجلس قيادة الثورة، وتأسيس جمعية وطنية لها سلطة التشريع، وقد بقي الحزب الديمقراطي الكردي متصلباً وحتى اندلاع الحرب، إلا ان الحزب الشيوعي العراقي رضخ إلى الضغوطات الروسية عام 1973، ان احتواء الحزب الشيوعي في الجبهة المقترحة وحسب شروط البعث قد عمق الصدع ما بين الحزب الكردي الديمقراطي والحكومة المركزية. لقد اعتبر الأكراد هذا العمل دليلاً آخر على سوء نوايا البعث وبخاصة مع تدفق السلاح على كوادر الحزب الشيوعي في الشمال، حيث أسس الشيوعيون مراكز عسكرة ضمن المنطقة التي تسيطر عليها البيش ميرجه الكردية. على ضوء هذا المواقف تحرك الأكراد بسرعة لاستئصال هذه  الجيوب الشيوعية المسلحة، وحلت الأزمة عندما وافق الشيوعيون لتجريد كوادرهم من السلاح وترك المنطقة الكردية.

وحيث ان البعث حزباً عربياً محضاً فقد حاول استغلال القيادة الكردية للحزب الشيوعي العراقي وبخاصة لأن عدداً من أعضاء اللجنة المركزية بما فيهم الأمين العام محمود عزيز ومكرم الطالباني كانوا أكراداً. ان رفض البرازاني الانضمام للجبهة دفع البعث لدعوة فصيل العقراوي في الحزب الكردي الديمقراطي وكذلك الحزب الثوري الكردي والحزب الاجتماعي الكردي الذي يقوده الإتباع السابقين لفصيل الطالباني للانضمام. أما جلال الطالباني فقد نأى بنفسه منذ آذار عام 1970 وارتحل إلى سوريا.

ولدى اندلاع الحرب على نطاق واسع فان الجيش العراقي المسلح بأسلحة متقدمة قابل بطريقة افضل مما كان متوقعاً منه رغماً عن الخلاف ضمن القيادة البعثية حول أسلوب إدارة الحملة، ان الأكراد الذين سيطروا على معظم كردستان العراقية منذ عام 1969 والذين قرروا اتباع إستراتيجية الحرب الجبهوية، واجهوا جيشاً تفوق عليهم في العدد والعدة، مما أجبرهم على الانسحاب من مواقعهم حيث سقط مدينة زاخوا وتبعها رواندور، وتم دفعهم بعيداً على الزاوية الشمالية الغربية بالقرب من الحدود التركية والتي أغلقتها تركيا أمامهم.

12)                                   الشاه يسحب البساط وينقلب على الأكراد:

لقد أدامت قوات البيش ميرجه خطوط تزويدها عبر الحدود الإيرانية وبحماية القوات الإيرانية وهذا مكنهم من الصمود ، ولكن ومع الشتاء المعتدل والذي كان لمصلحة القوات العراقية والذي قد يكون أحد الاعتبارات الرئيسة التي حدت بكل من العراق وإيران لتوقيع اتفاقية الجزائر التي أعلنت في 6 آذار عام 1975 في مؤتمر قمة أوبك والتي عرفت الحدود ما بين العراق وإيران بما فيها الحدود النهرية وإعادة توطيد الأمن ومع اندلاع العمليات التعرضية في اليوم التالي فقد أمر الشاه بإغلاق الحدود وسحب قواته من العراق. وربما يكون الشاه قد توصل إلى نتيجة مفادها أنه في حالة تقدم عراقي شامل فان القوات الإيرانية يمكن ان تجد نفسها في مواجهة القوات العراقية والذي قد يعني الحرب بين البلدين وما ينطوي على ذلك من إمكانية حصول مواجهة محتملة بين الاتحاد السوفيتي وأمريكيا. وأما الاعتبارات الأخرى فقد تكون عامل السن بالنسبة للبرازاني والذي تجاوز السبعين عاماً وكذلك احتمال ان تنتقل قيادة الحركة الكردية إلى عناصر متطرفة والتي يمكن ان تصبح خطراً على إيران إذا شرعت في حملة تحريض ضمن الأكراد الإيرانيين. وفي الظاهر فان المعاهدة العراقية الإيرانية كانت أشبه ما تكون بصفقة مقايضة صريحة، ولكن في الإطار العملي فانه يمكن ان يكون لها مضاعفات أوسع تمثل علامات استفهام حول مستقبلها وصلاحيتها. ان استعادة الأمن والثقة على طول الحدود المشتركة بين العراق وإيران سيكون فترة راحة للطرفين.

لقد بدا ان حكومة العراق قد سحبت الدعم للحركة السرية الإيرانية وأوقفت حملتها ضد الشاه في الوقت الذي يحتل الإيرانيون لعدد من الجزر على مدخل الخليج وتواجد القوات الإيرانية التي تقاتل المتمردين في عمان وباختصار فان البعثيين الذين يعدون أنفسهم المدافعين عن المصالح العربية في الخليج ضد الهيمنة الإيرانية عليه، والمساندين الأوائل لجبهات التحرر في العالم العربي، ظهروا وكأنهم اعترفوا بأن الخليج هو منطقة نفوذا إيرانية . لقد ظهر ذلك وكأنه ثمناً غالياً يدفع لإيران من أجل تعليق المساعدات العسكرية والإدارية للأكراد، في الوقت الذي كانت فيه هزيمة قوات البيش ميرجه قاب قوسين أو أدنى.

13)                                   عوامل التوتر وعدم الاستقرار في العلاقة السورية العراقية:

ان الخلافات بين جناحي حزب البعث في سوريا والعراق حول قضية فلسطين لم يكن إلا مظهراً واحداً، ولكنه كان مؤشراً على اضطراب كبير شوش السياسات العربية بعامة وسياسات البعث بخاصة. لقد كان الحزب عرضة للانقسام وحتى على المسائل السياسية الصغيرة. فمنذ عام 1966 وعندما حلت القيادة القطرية في سوريا القيادة القومية فان جناحي الحزب في سوريا والعراق قد دخلوا في نزاع خفي حول الشرعية. ان نجاح البعثيون في العراق عام 1968 جعل هذا النزاع أكثر حدة وبالذات حول مسألة أي من الجناحين هو المنطقة الشرعية أو الممثل الوحيد لحركة البعث. ولو فرضنا جدلاً انه تم تسوية هذه المشكلة فان الجناح الذي يعترف به كممثل شرعي حقيقي لمنظمة حزب البعث يمكن ان يسيطر على جهاز الحزب وكوادره وللجنة العسكرية في الدولتين. ان الصراع للسيطرة على جناحي الحزب في كل من سوريا والعراق قد أدى إلى توتير العلاقات بين الدولتين خلال العقدين الماضيين. وهذا ظهر في موجات الاعتقال الدورية للمساندين والمتعاطفين لكلا الطرفين.

والذي كانت نتيجته توتير العلاقات وإطلاق التهم والتهم المضادة وشن موجات الاعتقادات والمحاكمات كما ان النزاع أخذ أبعاداً جيدة بسبب النزاع أخذ أبعاداً جديدة بسبب النزاع حول حصة العراق من مياه نهر الفرات في أعقاب إنشاء السوريين لسد الطبقة على نهر الفرات، لقد أدعى العراقيون ان السوريين يحولون حصتهم من الماء ويتجاهلون الحاجات الإنسانية والزراعية لشعب العراق، في حين أدعى السوريون ان هذه الحملة ليست إلا ستارة دخانية تهدف لتغطية الصفقة السياسية العراقية في منطقة الخليج كنتيجة لاتفاقية الجزائر. ولقد تطور هذا الخلاف واتخذ بعداً هاماً عندما أبد النظام السوري الموقف الإيراني في الحرب العراقية الإيرانية.

14)                                   السياسات النفطية العراقية:

أ – لقد بدأ العراق في تنفيذ خطة تنمية اقتصادية ضخمة واعتباراً من عام 1973 كنتيجة للتسوية مع شركة النفط العراقية وارتفاع أسعار النفط في أعقاب حرب رمضان 1973 . ان أهمية هذا البرنامج قد جرى تأكيده م خلال رفض النظام في المشاركة في خفض إنتاج البترول كجزء من خطة استخدام النفط كسلاح. ولدى انضمام العراق إلى منظمة الدول العربية المصدرة للنفط (الأوبك) في عام 1972 فقد طلبت من أعضاءها مساعدتها في نزاعها مع شركة النفط العراقية من خلال عدم زيادة إنتاجية النفطي لتعويض خسارة البترول العراقي وتقديم المساعدات لها حتى لا تضطر إلى تقليص برامج التنمية لديها.ان هذه الطلبات إلى الدول المنتجة للبترول كانت بدون جدوى مما اضطر الدولة لانتهاج سياسة تقشف اقتصادي قاسي أدى إلى حدوث صعوبات كبيرة وزاد من مشكلة النقص المزمن في السلع الاستهلاكية.

ب- لقد أظهرت الحكومة انشغالاً مفرطاً في مشاكل الأمن الداخلي والدفاع والتمرد الكردي. حيث أدت هذه العوامل إلى مراجعة شاملة لخطط التنمية ما بين عامي 1970- 1975 ومع قدوم عام 1973 فان الحكومة كانت قد اتخذت عدداً من الإجراءات لإعطاء سلطات غير عادية لمؤسسات الدولة المعنية بمشاريع التنمية والتي كانت تهدف إلى تخطي الإجراءات الروتينية في التخطيط والاستيراد وتحصيل الضرائب لضمان تطبيق سريع لعدد من البرامج الحيوية. لقد اتفق النظام حوالي ثلاثة مليارات دولار على التطوير خلال عام 1975، خصص أكثر من ثلث هذا المبلغ للصناعة ومثله للزراعة والري وأكثر من 1.5 مليار دولار لتطوير المناطق الكردية.

ج- ان هذه الاستثمارات الكبيرة قد تخلق مشاكل اجتماعية واقتصادية مشابهة لتلك التي حدثت في فترة الخمسينيات أبان العهد الملكي حيث ان خطط التنمية التي نفذت قد زادت من عدم المساواة الاقتصادية والفجوة الاجتماعية والتي أدت إلى نتائج سياسية وخيمة. ان النظام الحالي كما يبدو واعياً لهذه المخاطر وقد حاول ان يكبح الإنفاق الضخم وتفادي خلق طبقة وسطى بمصالحها الخاصة والتي تمثل حقاً مكتسباً لها في النظام الاقتصادي في الدولة، ومع ذلك فان الحكومة العراقية لا تزال تستثمر أموالاً طائلة أكبر من قدرة الاقتصاد على امتصاصها، لقد كان القطاع الزراعي أكثر القطاعات تأثراً على الرغم من بعض الإجراءات مثل إنشاء ما عرف بمزارع الدولة وذلك للحد من هجرة الفلاحين إلى المناطق المدن مدفوعين بالأجر العالي في المنشآت الصناعية.

15)                                   الخلاصة:

 لقد حاول نظام البعث التغلب على الصعوبات والتحديات على صعيد الخيارات السياسية المتأتية عن التفاعلات السياسية الداخلية والتنافسات مع الأنظمة العربية الأخرى والمصالح المتضاربة للقوى العظمى من خلال مزيج من التعايش والتوافق السياسي تارة والتحدي العنيف تارة أخرى. فعلى صعيد السياسات الداخلية فلقد لجأ النظام إلى القبضة الحديدة في التعامل مع المنافسين والمعارضين السياسيين، وتمكن من تثبيت دعائم النظام إلا انه لم يتمكن من اكتساب الشرعية الشعبية العامة لنظام الحكم والضرورية لاستمرار أي نظام على المدى البعيد. انه في ظل غياب المعارضة المنظمة واستمرار الانضباط الحزبي والعسكري في القوات المسلحة فانه على الأرجح ان يستمر النظام في السلطة في المدى المنظور. ان المتتبع للسياسات الداخلية في العراق وهذا أيضاً قد يندرج على دول عربية أخرى يجد ان العوامل والاعتبارات الشخصية في سياسات الدولة بعامة أو سياسات الحزب بخاصة كانت أكثر أهمية من الاعتبارات الأيديولوجية. لقد كان للمنظور الأيديولوجي بعض الصلة إلا انه في معظم الحالات كانت المواقف والتوجهات السياسية وحتى العضوية الحزبية تتأثر بالنظرة الطائفية أو العرقية. ان هذه العوامل كان لها الأثر الأكبر في إثارة عوامل عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي وعلى الرغم من برامج التنمية الاقتصادية الضخمة التي كانت تنفذ في العراق.

 

الفصل الرابع

التفاوت الطبقي وعدم التوازن الاجتماعي

والاقتصادي وأثره على الاستقرار

13.                      المقدمة.

14.                      عدم المساواة وأثرها على الاستقرار.

15.                      الحركية الاجتماعية والاستقرار السياسي.

16.                      الحركية الاجتماعية وأثرها على الالتزام الحزبي.

17.                      أبعاد الحركية الاجتماعية للأسفل.

18.                      النظام الطبقي والتحصيل العلمي.

19.                      الحركية الاجتماعية ونظام الجدارة.

20.                      الإذعان والقبول (القدرية) وعلاقته بالتوقعات.

21.                      النظام التعليمي وأثره على مستوى التوقعات.

22.       أثر العامل الديني والتطرف السياسي على الاستقرار (دراسة حالات).

23.       العلاقة ما بين الحرمان والإيمان بالحظ والمصادفة.

24.       الخلاصة.

 

التفاوت الطبقي وعدم التوازن الاجتماعي والاقتصادي وأثره على الاستقرار

13.            المقدمة.

أ- ان التفاوت والتباين بين بني البشر في الإمكانات والتي يعبر عنها بالقدرات المادية والمعنوية هي صفة ملازمة للطبيعة البشرية، فالقاعدة الأساسية ان البشر ليسوا سواء، وانما كل فرد فريد في حد ذاته، كما أنه في جانب آخر توجد صفات وميزات كثيرة تربط بني البشر وتميزهم عن الكائنات الأخرى، ومنها التقويم. والقدرة على التفكير والتعبير باستخدام الرموز، والنزعة الاجتماعية، والرغبة في التملك والحاجة للتقدير وتحقيق الذات والبحث عن الأمن والأمان والنزعة للتدين.

ب – ان هذا التماثل والتباين في القدرات المادية والمعنوية أثر إلى حد كبير على الموارد والمكتسبات التي كانت تتحقق للأفراد او الجماعات تبعاً لهذه القدرات المتباينة، وعلى هذا فقط اختلفت كمية الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية والنفوذ التي يحصل عليها الفرد أو تتحقق للجماعات، وحيث ان هذه الامتيازات والمكتسبات تعطي الأفراد أو الجماعات ما تعارف عليه بمفهوم القدرة، والتي كان توافرها عاملاً أساسياً في رفع منزلة فرد ما أو جماعة أخرى فيه. لذلك فهناك ارتباط وثيق ما بين الامتيازات وما يترتب عليها من مكاسب مادية ومعنوية يستحوذ عليها الفرد أو الجماعة، وبين ما يؤتى من بسطه في القوة والقدرة. فالقدرة يمكن ان تعد من نتائج هذه الامتيازات، كما ان الامتيازات عادة ما تنمو وتزدهر مع نمو القدرة، وعلى هذا فان موضوعي القدرة والامتيازات هما وجهان لعملة واحدة وكل واحد منهما يؤثر على الآخر.

ج- ان القدرة هي قوة نسبية مرتبطة بالوضع الطبقي الاجتماعي والقدرة الاقتصادية، وليست مطلقة، كما انها متغيرة وليست ثابتة، فهي تتغير في العادة طبقاً لتغير العوامل المسببة لها في المجتمع، كما انها تختلف من مجتمع لآخر وحسب ظروف ذلك المجتمع وأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وخلفيته التاريخية وتقاليده ومعتقداته الدينية، كما أنها أيضاً تتغير في المجتمعات من حقبة لأخرى ومن مرحلة اجتماعية لأخرى، كذلك فان النظام الاجتماعي في معظم المجتمعات ليس نظاماً جامداً لا يتغير، لأن القواعد والأنظمة التي تحكم توزيع الثروة والامتيازات كانت تتغير مع تغير المجتمعات، ان هذا التغير أو التطور كان يؤدي إلى تداول القدرة وامتيازاتها بين الأفراد والجماعات، أن هذا التغير أو التطور كان يؤدي إلى تداول القدرة وامتيازاتها بين الأفراد والجماعات، وعلى هذا فان الحدودٍ ما بين الطبقات الاجتماعية والتي تبنى عليها الامتيازات والقدرة ليست حدوداً ثابتة ولكنها تتغير تبعاً للمتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية الداخلية منها والخارجية.

د- ان قواعد توزيع القدرة والامتيازات المترتبة عليها ستبقى متفاوتة بسبب التباين ما بين الأفراد والمنظمات في القدرات المادية والمعنوية، وبالتالي فان الأفراد أو الجماعات الذين يستحوذون على امتيازات أكبر سيكون لهم اليد الطولى في الهيمنة على الآخرين، وبالتالي حيازة القدرة والتي تمكنهم من وضع الأسس والمعايير الخاصة في توزيع الامتيازات المادية (الثروة) وتقنينها لإعطائها صفة الشرعية قدر الإمكان والعمل بكافة الوسائل القهرية أو الاقناعية لحمل الجماعات الأخرى على الإذعان والقبول بهذه المعايير والأسس ، والتي تشمل عادة مزيجاً من العوامل والآليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والتي تهدف في محصلتها العامة الحفاظ على الاستقرار، فع