العرب وحصاد القرن الضائع

 الحمل الكاذب، والمخاض الصعب

 

 

 

تأليف

  سليمان نصيرات 

 

 

 

في الطرق إلى أردن ديموقراطي

 ومشروع نهضوي عربي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإهداء

 

إلى:

الشهداء العرب الذين ارتقوا إلى علياء المجد والخلود حفاظاً على كرامة أمتهم وعزتها.

كل الشرفاء العرب على ساحة وطننا العربي الكبير العاملين على تحقيق حلم أمتنا العربية الماجدة في مشروعها النهضوي الوحدوي الديموقراطي المنشود.

كل الشرفاء والجنود المجهولين من أبناء وطني، العاملين لأن يكون وطننا الأردن مثالاً يحتذى به في الديموقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان.

إلى كل الأخيار من أبناء وطني، المؤمنين بالعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، العاملين بصمت لتحقيق الصالح العام بعيداً عن المصالح الذاتية الضيفة.


المحتويات

 

الإهداء .................................

المقدمة ..................................

الباب الأول: الحصاد القومي

الفصل الأول: الشخصية العربية والهوية الوطنية. تكامل أم تنافر؟     

أولاً: تأملات في الشخصية العربية .......

ثانياً: أثر البيئة المحلية والإقليمية والدولية في الشخصية العربية   

ثالثاً: أثر الأبعاد الثقافية والتاريخية والاجتماعية في الشخصية العربية  

رابعاً: الشخصية العربية وبنية الإدراك وبناء التصورات    

خامساً: أثر البعد الاقتصادي في تشكيل الشخصية العربية

الفصل الثاني: الفكر القومي والمشروع النهضوي العربي. ماذا كنا؟ من نحن؟

ماذا نريد؟ ...............................

أولاً: الفكر القومي والمشروع النهضوي العربي  

أ. المقدمة ............................

ب. المنطلقات الأساسية ..............

جـ. التحديات والآفاق .............

ثانياً: المشروع النهضوي العربي، إلى أين؟.

أ. المقدمة............................

ب. ضرورات المراجعة والتقويم ......

جـ.الفكر القومي بين أزمة الفكر وأزمة التطبيق  

ثالثاً: الخطاب القومي وضرورات التجديد

رابعاً: الكتلة العربية الحرجة ومفهوم قاعدة الارتكاز  

أ. استراتيجية تحقيق الكتلة الحرجة أو قاعدة الارتكاز   

ب. الكتلة الحرجة ومفهوم قاعدة الارتكاز   

خامساً: ديالكتيك القومي والقطري .....

سادساً: المشروع النهضوي العربي وآفاق المستقبل    

الفصل الثالث: الوحدة العربية والتكامل القومي - آمال الحمل الكاذب وآلام

 المخاض الصعب ........................

أولاً: المقدمة ...........................

ثانياً: التجربة السياسية العربية بين التنظير والممارسة العملية     

ثالثاً: الوحدة العربية بين الحماس العاطفي وعقلانية الاقتصاد    

رابعاً: التكامل الوحدوي العربي والمنظومة الثقافية     

خامساً: التكامل الوحدوي العربي والبعد النفطي

الفصل الرابع: الأمن القومي العربي. من هو الصديق؟ ومن هو العدو؟

أولاً: أبعاد الأمن القومي العربي..........

أ. المقدمة ............................

ب. مرتكزات الأمن القومي العربي ...

جـ.التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي    

1- التحديات المحلية الداخلية .....

2- التحديات المتعلقة بالعلاقات العربية البينية

3- التحديات الإقليمية والدولية ..

د. مصادر التهديد للأمن القومي العربي

1- مصادر التهديد الخارجي واستهدافاته

2- مصادر التهديد الداخلية ......

ثانياً:أزمات وتحديات تواجه الأمة  .......

أ. مأزق الأخلاق والقيم ............. \

ب. مأزق الشرعية ..................

جـ. مأزق الانفتاح السياسي ........

ثالثاً: الأبعاد الامنية لآفات وأمراض المجتمع العربي    

أ. لوكيميا السياسية .................

ب. أنيميا الاقتصاد ..................

رابعاً: فيروس الفساد ومنظومة الأمن القومي العربي   

أ. المقدمة ............................

ب. الفساد ودول العالم الثالث .......

جـ. الدول النامية بين نير الاستبداد وآفة الفساد

خامساً: جذور العنف والتطرف وأبعادها الأمنية

سادساً: المسألة الثقافية والأمن الثقافي العربي     

الفصل الخامس: من البيدر القومي

أولاً: الهندسة الجيوبوليتيكية في المنطقة العربية - تحديات وتحديدات  

أ. المقدمة ............................

ب. المناقشة .........................

جـ. الخلاصة والاستنتاجات .........

ثانياً: رسم الجغرافيا السياسية على الرمال العربية المتحركة

ثالثاً: النظام العربي والشرق أوسطية .....

رابعاً: رمال الشرق الأوسط وسياسة النعامة     

خامساً: البورجوازية العربية بين دروس الماضي وعبر المستقبل   

سادساً:الفكر السياسي الإسلامي بين النظرية والتطبيق     

أ. المقدمة ............................

ب. الاجتهاد، المدخل إلى التطوير والإبداع  

جـ. ضرورة إعادة الاعتبار للاجتهاد .

د. الإسلام والعلمانية والغرب ........

هـ. آفاق المستقبل ..................

سابعاً: الشكل والمضمون في البازار السياسي والإعلامي العربي

ثامناً: المثقف والسلطة في الموروث الثقافي العربي

تاسعاً: مفهوم البطل في المنظمة الثقافية العربية    

عاشراً: الرأي العام العربي بين الواقع والتمني    

أحد عشراً: الدولة متوسطة القوة إلى أين؟

الفصل السادس: الشخصية الوطنية والحركة الوطنية "البحث عن الهوية"

أولاً: المقدمة............................

ثانياً: العوامل التي تساعد على تماسك الشخصية الوطنية  

ثالثاً: متطلبات تعزيز الشخصية الوطنية ..

رابعاً: العوامل المؤثرة على تشكيل الشخصية الوطنية

أ. العامل الجغرافي ...................

ب. العامل الاجتماعي ...............

جـ. العامل الاقتصادي ..............

د. العامل السياسي ..................

خامساً: الحركة الوطنية الأردنية والهوية السياسية     

سادساً: الحركة الوطنية وازدواجية الهوية السياسية    

سابعاً: الحركة الوطنية الأردنية في الميزان .

الفصل السابع: الأمن الوطني في ميزان السلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي " الأمن الوطني المرآة العاكسة للأمن القومي "

أولاً: أبعاد الأمن الاقتصادي ............

أ. مفهوم الأمن الاقتصادي ...........

ب. الأمن الاقتصادي بين اقتصاد السوق والاقتصاد الموجه  

1- المقدمة .......................

2- التحديات والآفاق ...........

جـ. السياسات الاقتصادية بين دعم الاستهلاك ودعم الإنتاج

د. آليات السوق ومفهوم تعويم الأسعار

ثانياً: أبعاد الأمن الاجتماعي ............

أ. مفهوم الأمن الاجتماعي ...........

ب. البطالة والأمن الاجتماعي .......

جـ. الآليات الاجتماعية ومبدأ توزيع القدرة والامتيازات   

د. الأمن السليم في المجتمع السليم ....

هـ. فلسفة النظام التعليمي والأمن الاجتماعي    

ثالثاً: أبعاد الأمن السياسي ..............

أ. مفهوم الأمن السياسي .............

ب. الوحدة الوطنية والامن الوطني ...

رابعاً: أبعاد الأمن المائي .................

الفصل الثامن: الديمقراطية " الحسناء بلا خُطّاب "

أولاً: المقدمة ...........................

ثانياً: الديموقراطية بين الظرفية والخيار الاستراتيجي   

ثالثاً: الديموقراطية بين الأساس السياسي والأساس الاقتصادي   

رابعاً: الديموقراطية والتنمية السياسية ....

خامساً: إشكالات الديموقراطية وتحدياتها .

سادساً: مفهوم الحكومة والمعارضة في الإطار الديموقراطي  

سابعاً: المراجعة والتقييم .................

الفصل التاسع: إمكانات العمل السياسي وواقع الأحزاب الأردنية " التيه الفكري والسياسي"

أولاً: إمكانات العمل السياسي ..........

ثانياً: معوقات العمل السياسي الحزبي ....

أ. أزمة النخبوية ........................

ب. أزمة الديموقراطية ضمن الأطر الحزبية

جـ. أزمة الشرذمة والازدحام ..........

د. أزمة عدم الشفافية والانغلاق .........

الباب الثاني: الحصاد الأردني الفلسطيني

الفصل العاشر: العلاقة الأردنية الفلسطينية بين متطلبات المسار ومقتضيات المصير

القسم الأول: المقدمة والخلفية التاريخية والسياسية    

القسم الثاني: الدراسة والتحليل لأبعاد العلاقة الأردنية الفلسطينية   

الفصل الحادي عشر: من البيدر الأردني الفلسطيني

أولاً: فلسطينيو الداخل ومستقبل إسرائيل السياسي  

ثانياً: العرب وإسرائيل بين خيارات الماضي والحاضر والمستقبل  

ثالثاً: التحولات الاستراتيجية في المنطقة والبعد الديموغرافي

رابعاً: الأردنيون والفلسطينيون، المسيرة الواحدة والعلاقة الخاصة    

خامساً: تعويضات أم مناقصة على وطن ..

المحتويات باللغة الإنجليزية ...............

 

 

 

 



بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

 

أصبح مصير المشروع النهضوي العربي الحديث الذي شكل حيزاً كبيراً من جهد وفكر الشعوب العربية ومثقفيها خلال القرن الماضي، وتعلقت به أفئدتهم في مسيرتهم الطويلة المضنية لتحقيق حريتهم ووحدتهم وتقدمهم، يثير القلق لدى العديد من المفكرين والمثقفين العرب، وبخاصة في أعقاب الإخفاقات والانتكاسات التي مني بها هذا المشروع على الرغم من التضحيات المادية والبشرية الجسيمة التي قدمتها الأمة لتحقيقه؛ لذلك بدأ هؤلاء بعملية مراجعة نقدية شاملة لأسس ومنطلقات وتطبيقات هذا المشروع لتقصي أسباب الفشل والتراجع، من خلال عقد المؤتمرات والندوات وحلقات النقاش، وإصدار العديد من الكتب والدراسات، التي تناقش الفكر القومي ومسيرة الحركات والأنظمة والأحزاب التي كانت ترفع الشعار القومي وتطبيقاتها على أرض الواقع بعد استلامها لمقاليد السلطة في أكثر من قطر عربي.

إن الكتابات والدراسات الموضوعية حول تقييم مسيرة التجارب القومية خلال العقود الماضية كانت إما قليلة أو غير موضوعية في بعض منها، وقد يعزى ذلك في جزء منه إلى أن الأنظمة التي كانت ترفع الشعار القومي خلال الحقبة الماضية كانت في سدة الحكم، لذلك ربما لم تكن معنية في تقييم تجربتها وإظهار نواحي الضعف والإخفاق والتقصير التي واكبت هذه المسيرة، لأن هذا المشروع كان يمثل أساس شرعيتها في الحكم، أو أن هذه الكتابات جاءت من فئات سياسية لم تر سوى الجانب السلبية من الصورة، أو أنها كانت تطرح تصوراتها وتحليلاتها في سياق التنافسات الإقليمية والدولية وخدمة لأغراضها، وليس انطلاقاً من الحرص على المصالح الوطنية أو القومية الحقيقية.

إن طموح أمتنا العربية خلال القرن المنصرم لإنجاز مشروعها النهضوي الموعود لم يتحقق للآن، ففي الجانب السياسي من هذا المشروع، لم تتحقق أية وحدة عربية بين قطرين عربيين للآن، وحتى تلك الوحدات التي أبرمت فوقياً عادت وانهارت بعد بضع سنين دون أن تجد من يدافع عنها بصفتها وحدة مقدسة، وجدت لتتسع دائرتها وتستمر وتترسخ وليس ان تموت، وبالتالي زيادة الإحباط لدى الأمة وطعنه نجلاء لطموحاتها وآمالها، وفي الجانب الاقتصادي، وبعد عدة عقود من حصول الأقطار العربية على استقلالاتها وتحكمها بقرارها ورحيل الأجنبي المستعمر الذي كنا نعلق عليه كافة مشاكلنا، فلا زالت الأقطار العربية تعيش خارج منطق العصر وتكافح بشكل فردي أو اعتماداً على صلاتها السابقة مع الغرب، ولم تدرك للآن أن مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية الآن وفي المستقبل مرتبطة ارتباطاً عضوياً وثيقاً مع دائرتها العربية، وفي الوقت الذي نرى فيه دولاً عديدة لا يوجد بينها أية روابط في اللغة أو التاريخ المشترك، ودخلت مع بعضها حروباً طاحنة خلال القرن المنصرم، تتجه نحو التكامل السياسي والاقتصادي وبخطى متسارعة، فإن الإنسان العربي يستغرب ويستهجن هذا التمزق والتشتت السياسي والاقتصادي العربي وعدم وجود رؤيا عربية شاملة لمنظومة اقتصادية متكاملة تعمل على ربط أقطار الأمة ببعضها بحيث يعاد وصل شرايين الربط الحضاري التي عمل الاستعمار على تقطيعها، بحيث احدث نزيفاً اقتصادياً في جسم الأمة لم تتمكن الأنظمة العربية القطرية من وقفه وإصلاحه للآن.

ينبغي على الأمة العربية أنظمة وشعوباً أن تدرك أنها لا يمكن أن تحقق أي إنجاز حضاري يحفظ لها أمنها وكرامتها ويحميها من العدوان الخارجي ويعزز أمنها الداخلي ويوفر لها السلام والأمن، ويحقق لها وزناً إقليمياً ودولياً مؤثراً ورادعاً لكل من تسول له نفسه الإضرار بالأمة، بدون إعادة بعث وتفعيل المشروع النهضوي الحضاري العربي، وبناء موقف تضامني عربي على أسس جديدة ومدروسة تعمل على زج الشعوب العربية لتقوم بدورها الحقيقي من خلال الديموقراطية وإطلاق الحريات، فالبناء السليم لابد وأن يبدأ من القواعد، فلا يمكن ولا يعقل أن نبني الهرم بدءاً من رأسه؛ فقد آن الأوان، وبعد أكثر من قرن من آمال الحمل الكاذب وآلام المخاض الصعب، أن يعود إلى الجماهير العربية دورها المأمول، وهذا المطلب يصب في مصلحة أمتنا العربية أنظمة وشعوباً ودولاً، فالمستقبل يخبئ في طياته مفاجآت عديدة، فالأوضاع السياسية والاقتصادية الضاغطة، لا يمكن مواجهتها، إلا بمشاركة الشعوب العربية في مواجهة هذه القضايا، ممثلة بمجالس نوابها وإداراتها المحلية المنتخبة بشكل ديموقراطي ونزيه.

إن الخطاب القومي الحديث يجب أن يتعلم من دروس التجربة المرّة السابقة، وأن لا ينحى منحاً عاطفياً لدغدغة عواطف الجماهير، وأن لا يقفز فوق حقائق الواقع المر، وأن تنصب كافة جهود الامة شعوباً وأنظمة ودولاً، من أجل بناء مجتمعات عربية ديمقراطية متطورة وواعية لحقوقها ومسئولياتها ضمن وحدات اجتماعية واقتصادية وسياسية متكاملة وانطلاقاً من الدائرة الأقرب باتجاه الدائرة الأبعد، واستناداً على مبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان العربي الأساسية، بحيث تتمكن الأقطار العربية من تحقيق الاندماج الاجتماعي بداخلها، ومكافحة ظاهرة الولاءات المحلية الضيقة، لبناء هوية وطنية متماسكة، أو ما يمكن أن نطلق عليه المشروع الوطني الديموقراطي، قبل الانطلاق لتحقيق فكرة المشروع النهضوي الديموقراطي الشامل، والذي يحتوي كافة شعوب هذه الأمة. إن خلق هوية وطنية ديموقراطية متماسكة ليس مردّه الحرص على الهوية القطرية أو وسيلة لتكريسها ولكن مردّه الحفاظ على المجتمعات العربية من التفتت ضمن هويات عرقية أو طائفية أو إقليمية جديدة؛ فالمشروع القطري العربي الحديث، لم يتمكن للآن أن يرسخ قواعده بالشكل الذي يحافظ على الأمن القطري والرفاه للشعوب العربية وربما يعزى ذلك في جزء منه أن معظم الأقطار العربية لم تصل إلى رشدها السياسي بسبب الأنظمة الاستبدادية التي فرضت وصايتها على الشعوب وترفض أن ترفع هذه الوصاية للآن.

لذلك فإن تعثر الجهود القطرية في أكثر من قطر عربي خلال العقود الأخيرة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أصبح يهدد الوحدة الوطنية للدولة القطرية، كما أحبط التوجهات القومية لتحقيق أي شكل من أشكال التكامل الوحدوي أو حتى التعاون العربي ما بين أقطار الأمة.

إن تعثر الدولة القطرية وانتكاس المشروع القومي أصبح يفرض وبكل قوة فتح النقاش حول مستقبل الدولة القطرية وأهدافها، وكذلك مستقبل المشروع القومي والأسلوب الأمثل لتحقيقه، لأن أحد أسباب الإخفاق في تحقيق حلم وأمل الجماهير العربية في مشروعها النهضوي القومي كان ناتجاً أصلاً عن الفشل في إنجاز المشروع الوطني الديموقراطي الذي يمكن أن يشكل القاعدة والرافعة للوصول إلى المشروع النهضوي والقومي، إن الهدف من دراسة وتحليل السياق الفكري والممارسات التطبيقية ضمن الإطار القطري أو القومي هو لتقويم الأطر الفكرية والتطبيقية السابقة لصياغة أطر فكرية وسياسية على اسس جديدة وفي مقدمتها صون الحرية والاحتكام إلى الديمقراطية في ممارسة الحكم، وكذلك فإن مراجعة السياق التطبيقي يهدف إلى تحديد أسباب الانهيار والفشل لهذه الممارسات التي تعزى في معظمها إلى انسلاخ هذه الممارسات التطبيقية عن مرجعيتها النظرية في المقام الأول، وقيام الساسة أو العسكر الذين وصلوا للسلطة بوسائل غير ديموقراطية بوضع معايير خاصة بهم لتلك المرجعية أو تغييرهم المستمر للمعايير الفكرية، لتتناسب مع مخططاتهم وأهدافهم الشخصية، كذلك عملهم المستمر على تعطيل أو ألغاء الدساتير في اليوم الأول لوصولهم للسلطة، وإلغاء التعددية السياسية التي كانت في أطوارها الأولى تحت شعار " لا حزبية ولا أحزاب".

إن نجاح الأقطار العربية في الحصول على استقلالاتها خلال منتصف القرن الماضي، لم يتم التأسيس عليه للوصول إلى استقلالية حقيقية في القرار السياسي والاقتصادي، لذلك وبعد عدة عقود من التجارب، وبسب العديد من الأخطاء السياسية والاقتصادية واحتدام التنافس ما بين العديد من الزعامات العربية على النفوذ والقيادة، فقد عاد النفوذ الأجنبي مرة أخرى من منافذ المتاعب الاقتصادية أو من الأبواب المشرعة بحجة الأمن والحماية. وقد تفاقم البلاء حتى وصل ببعض الدول أنها أصبحت تطالب بعودة الاستعمار والانتداب لإخراج بعض الدول من محنتها، وهذا ما دعى الكاتب الكيني على المزروعي أن يدعو إلى إعادة استعمار إفريقياً من خلال إقامة نظام استعماري شبيه بنظام الانتداب والوصاية الذي نشأ بظل عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك من خلال مقال له نشر في منتصف عام 1994 في إحدى الصحف الأمريكية، ويظهر أن لهذه المطالبة أساس عندما بدأنا نسمع في وطننا العربي بعض الأصوات التي تترحم على أيام الاستعمار بسبب ما حل بها من المآسي من قبل أبناء وطنها بسبب استشراء الفساد بكل أبعاده، وعدم قدرة الدول على مكافحته أو احتوائه، وكذلك يظهر هذا الأساس عندما أصبح حلم شباب الأمة أن يرحلوا من وطنهم ويلتحقوا بإحدى دول الغرب، وقد وصل بالعديد منهم أن يتعاقدوا مع المافيا الدولية لتهريبهم إلى شواطئ أوروبا مع ما يواجهه هؤلاء من المخاطر الجسيمة على حياتهم وإمكانية أن يتحولوا إلى عبيد في سوق الرقيق الأبيض في أوروبا وغيرها.

هناك أسباب عديدة باعتقادي أدت إلى انتكاس المشروع النهضوي الحضاري العربي، تتطلب من المثقفين والباحثين أن يدرسوها بكل دقة ليقفوا على أسبابها، وأن أول هذه الأسباب، أن مهمة حمل هذا المشروع التاريخي الضخم ألقيت على كاهل بعض القادة، أو أن بعض القادة أرادوا أن يصادروا هذه الفكرة من الشعوب العربية ويحتكروها لأنفسهم، وفي إطار حرصهم على تعزيز مركزهم السياسي والقيادي، فقد اعتمدوا على الحماس الجماهيري العاطفي والأسلوب الخطابي الرنان لدى تعاملهم مع القضايا الاستراتيجية السياسية والاقتصادية والعسكرية، ولم يعملوا على تأطير هذه الحماس الجماهيري ضمن أطر سياسية حقيقية منظمة، وكان همهم الأول كسب التأييد الشعبي لسياساتهم وإضفاء نوع من الشرعية المعتمدة على هيجان الشارع، ولم يحاول هؤلاء القادة أو حتى مستشاريهم التقرب من المشاكل التي تواجه أقطارهم وأمتهم بأسلوب علمي مدروس يستند على جمع كافة المعلومات وتحليلها ودراسة كافة البدائل واختيار البديل الأفضل لمصلحة الوطن والأمة أولاً وأخيراً، كما أن هؤلاء القادة عجزوا أو تعاملوا عن إدراك حجم قوة الأعداء ونقاط القوة والضعف لديهم، لا بل كانوا غير مدركين لقدرات أقطارهم ونقاط قوتها وضعفها لتدارك نقاط الضعف والبناء على نقاط القوة، وحتى لا يستدرجوا مع شعوبهم إلى منطقة القتل، وكما حصل من نتائج حرب عام 1948 وعام 1967 وغيرها.

وأما السبب الثاني لانتكاس المشروع النهضوي العربي، أن الأقطار العربية بعامة والأقطار التي كانت ترفع الشعار القومي بخاصة قد خرجت حديثاً من استعمار غربي استمر لعدة عقود، ولا زالت تلك الدول في طور الدول الرخوة، وتعاني من التخلف في كافة مجالات الحياة، والتي كانت في طور التحول من الدولة الرعوية إلى الدولة الزراعية ولم تتكامل أو تترسخ تراكيبها الإدارية والاقتصادية والسياسية، اعتقدت أنها بمقدورها أن تدخل في معارك وتنتصر فيها في مواجهة دول غربية لها قدرات صناعية واقتصادية هائلة وتسبقها بعشرات السنين في مجال الصناعة وإدارة السياسات والاستراتيجيات العسكرية، ولم تدرك أنها تدخل معارك خاسرة منذ بداياتها، وأن الاعتماد على تحريك الجماهير التي يغلب عليها الأمية والجهل والفقر للهتاف في الشوارع ضد الاستعمار وأعوانه لا يمكن أن يحقق النصر، كذلك لن تدرك تلك الأقطار أن معركتها الحقيقية كانت بداخل أوطانها مع قوى التخلف التي عانى منها المجتمع العربي لمئات السنين. وأن التورط في معارك خارجية أكبر من قدرات شعوبها هو أقرب إلى معارك دون كيشوت مع طواحين الهواء، لأن هذه المعارك أنهكت بنية الدول الرخوة وأعاقت تقدمها لعشرات السنين.

وأما السبب الثالث لانتكاس المشروع النهضوي العربي وكذلك تعثر الدول القطرية فيعزى إلى إخفاق وتشتت وتناحر أدوات العمل الجماهيري، وفي مقدمتها الأحزاب التي كان لها مرجعيات فكرية وسياسية متناقضة، فأدوات العمل الجماهيري العربي كانت قاصرة وعاطفية وبعضها ذيليه، وبذلك فقد ساهمت مساهمة كبيرة في إحباط وتدمير فكرة الوحدة العربية والتضامن القومي الذي كانت تنادي به كشعار وتقاومه ممارسة وأفعالاً، وربما كان لدور أدوات ومنظمات العمل الجماهيري غير المنظم والغوغائي أثراً يفوق دور الأنظمة المتنافسة، بسبب ضعف الآفاق الفكرية وتجمدها والنزق في العمل الحزبي وإقحام الأحزاب نفسها في دائرة الصراع الطبقي المفتعل في المجتمعات العربية، إن استعجال بعض الأحزاب العربية للوصول للسلطة وخارج الإطار الديموقراطي من خلال وسائل الانقلاب وبعيداً عن الإسناد الجماهيري العقلاني المنظم، جعلها تشعر في قراره نفسها أنها معزولة وغير مغطاة شرعياً وشعبياً، لذلك فقد ارتابت بكل شيء وازدادت حساسيتها الأمنية. وفي تقديري أن فك الارتباط ما بين التيارات والأحزاب والقوى القومية وما بين الديموقراطية، كان نقطة الضعف الأساسية في بنية الحركات القومية وتطبيقاتها العملية.

وأما السبب الرابع في تقديري، الذي ساهم في انتكاس المشروع القومي العربي كان بسبب إصرار حملة لواء هذا المشروع على إضفاء العلمانية المطلقة في تناولهم للاطر الفكرية وحتى التطبيقية لهذا المشروع، وعدم إدراكهم للمكونات التاريخية لهذه الأمة وفي مقدمتها الإسلام، وبالتالي إخفاقهم في وضع صيغة قابلة للتطبيق تجمع ما بين العروبة والإسلام تنسجم مع البنية الثقافية والقيمة والتاريخية والاجتماعية للشعوب العربية، وربما يعزى السبب في ذلك، أن منظري الفكر القومي كانوا متأثرين ومنبهرين بالنمط الغربي في الحكم والسياسية وأرادوا أن ينقلوا التجربة ليغر سوها في أرض مختلفة اختلافاً كبيراً عن البيئة الغربية، متجاهلين التطور التاريخي للأمة وأبنيتها الثقافية والقيمية والاجتماعية التي حكمت تطور المجتمع العربي عبر التاريخ، وتمسك هذا المجتمع بالدين والتقاليد، وأن أي نظام أو تنظيم أو حزب لا يحترم عقيدة الأمة أو يتنكر لها ستتنكر له الأمة، لذلك فإن كافة الأفكار والطروحات بما فيها الطروحات القومية التي تجاهلت البعد الديني والحضاري للأمة، فقد تجاهلها الشعب وعزف عنها، وعندما سقطت لم تجد من يدافع عنها.

وأما السبب الخامس الذي ساهم في انتكاس المشروع القومي العربي، أن البعض من حملة لواء هذا المشروع اعتقدوا اعتباطياً أنه بمقدورهم أن ينتقلوا بمجتمعهم القبلي الشديد التمسك بالتقاليد إلى مجتمع ماركسي تختفي فيه النزعات القبلية والفوارق الطبقية بقدرة قادر أو بجرة قلم أو من خلال انقلاب عسكري يعمل على تغيير القيادة، أو بمقدورهم أن يحولوا مجتمعاً ريفياً قبلياً انتشر فيه نظام الإقطاع إلى مجتمع اشتراكي بعدد من قرارات التأميم والمصادرة ونزع الملكية، لقد أرادوا أن يحولوا المجتمع العربي القبلي الرعوي إلى مجتمع ماركسي قبل أن يخلقوا علاقة ما تربطه بالأرض والوطن من خلال تطويره من مجتمع ريفي زراعي إلى مجتمع صناعي وحسب مقتضيات التطور. لقد أرادوا من ذلك المواطن العربي الذي لم تصل إليه الماء والكهرباء والمدرسة والطريق والمستشفى والمصنع والإذاعة والجريدة، ولم يكن يعرف عن أطراف وطنه إلا القليل أو لا شيء، أداه في منظومة البروليتاريا العالمية ليقاتل معاركها، وهو غير قادر على مكافحة الآفات والأمراض التي تفتك فيه في وطنه، لقد أرادوا أن يخلقوا المجتمع الاشتراكي الذي تسوده طبقة الكادحين من العمال والفلاحين، فنجحوا في تحطيم الإقطاع والرأسمالية الوطنية الناشيئه، ولم ينجحوا في صياغة طبقة البروليتاريا الموعودة لتحل محل الطبقة التي جرى تحطيمها، لقد أرادوا أن يعمموا الغنى فعمموا الفقر، إن الأسلوب المعتدل والعقلاني، لم يطرح للأسف كوسيلة لتحقيق المشروع القومي وذلك من خلال إشاعة الديموقراطية، وبدلاً من ذلك فقد تبنوا الانقلابات العسكرية كوسيلة للتغيير، وبذلك فقد اقحموا الجيوش العربية في صلب العملية السياسية دون أن يكون لها أدنى خبرة في ممارسة السياسية، لذلك فقد نكبوا المؤسسة السياسية، من ناحية، وأفرغوا المؤسسات العسكرية من قيادتها من خلال التصفيات المتكررة والإحالة على التقاعد والتعيينات المستندة على الولاء السياسي وليس على مبدأ الكفاءة والجدارة من ناحية أخرى، مما أدى إلى إخفاق الجيوش التي أسست لحماية الأوطان في معظم معاركها مع أعداء الأمة.

وأما السبب السادس وربما يكون السبب الأكثر أهمية، في إعاقة المشروع النهضوي العربي فقد كان انبثاق المشروع الصهيوني على الأرض العربية في فلسطين في مواجهة المشروع القومي العربي، وتحالف هذا المشروع العدواني التوسعي مع الإمبريالية العالمية في الغرب، حيث بدأ هذا المشروع النقيض ومنذ بدايات القرن الماضي يفعل فعله في مقاومة فكرة المشروع النهضوي العربي، وإعاقة عمليات الوحدة العربية، وقد دخل هذا المشروع في منازلة مع المشروع النهضوي العربي ومنذ بداياته، فقد حقق المشروع النهضوي العربي نقطة هامة في مواجهة المشروع الصهيوني عندما قامت الثورة العربية الكبرى وحملت لواء المشروع القومي من أجل توحيد المنطقة العربية في آسيا ضمن دولة واحدة، ولكن وقبل أن تتمكن هذه الثورة من ترسيخ أقدامها وتطوير مشروعها، تمكنت الصهيونية العالمية من تسجيل نقطة مهمة وحاسمة في مواجهتها من خلال اتفاقيات سايكس بيكو عام 1916 ما بين بريطانيا وفرنسا والتي قسمت المنطقة العربية التي كانت ستكون القاعدة للمشروع النهضوي العربي الحديث إلى مناطق نفوذ تحت الانتداب البريطاني والفرنسي، كما تمكنت الصهيونية العالمية من تسجيل نقطة هامة أخرى في مواجهة المشروع النهضوي العربي عندما تمكنت من الحصول على وعد بلفور من بريطانيا عام 1917 من أجل إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، والتي كانت تمثل قلب المشروع النهضوي العربي، وخلال الفترة ما بين عام 1917 وحتى عام 1948 فقد تمكنت العديد من الدول العربية من نيل استقلالاتها عن الاستعمار، وبالتالي فقد تمكنت من تسجيل نقطة ولو بدرجة متواضعة في مواجهة المشروع الصهيوني الذي كان لا يزال في طور الإعداد والتحضير لتشكيل دولته على أرض فلسطين، وأما في عام 1948 فقد تمكنت الصهيونية العالمية من توجيه ضربة حاسمة إلى فكرة المشروع النهضوي العربي عندما تمكنت من إنشاء دولتها على أرض فلسطين، وعجز الدول القطرية العربية من منع قيام هذه الدولة. وفي أعوام الخمسينيات تمكنت الأمة من إحراز بعض النقاط في مواجهة المشروع الصهيوني من خلال قيام الثورة المصرية ومن ثم تحقيق الوحدة المصرية السورية تحت مسمى الجمهورية العربية المتحدة، وكذلك الوحدة ما بين العراق والأردن تحت مسمى الاتحاد العربي، إلا أنه لم يلبث وقت طويل حتى تمكنت الصهيونية العالمية من تسجيل نقاط مهمة لصالحها، عندما نجحت مستفيدة من عوامل ذاتية وموضعية عربية وفي مقدمتها غياب الديموقراطية وانتشار الدكتاتورية والتنافس المدمر الذي احتدم في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ما بين العديد من الأنظمة والزعماء العرب على قيادة ركب الأمة، من إفشال مشروع الجمهورية العربية المتحدة وكذلك الاتحاد العربي، إلا أن النقطة الحاسمة والقاتلة التي وجهتها الصهيونية العالمية إلى فكرة المشروع النهضوي العربي، فقد كانت عندما تمكنت من استدراج الأقطار العربية التي كانت تضع نفسها في موقع قيادة هذا المشروع وهزيمتها عام 1967، وتمكنها من احتلال كامل فلسطين وسيناء والجولان السوري، وأما في عام 1973 فقد تمكن العرب من إحراز نقطة هامة في صراعهم مع المشروع الصهيوني عندما تمكنت مصر وسوريا وبمعونة رمزية عربية ودعم قوي من أقطار النفط العربي، أن تحقق انتصاراً محدوداً على إسرائيل إلاّ أن هذا الانتصار لم يستثمر الاستثمار الأمثل وفقد بعد مدة وجيزة معظم الامتيازات التي حققتها عندما عقد السادات صلحاً منفرداً مع إسرائيل عام 1979، أن الانتفاضة الفلسطينية التي انطلقت عام 1987 ضد الاحتلال الصهيوني. وانتفاضة الأقصى عام 2000 تعد نقاط مضيئة في مسيرة الصراع العربي مع الصهيونية العالمية وإسرائيل، كذلك فإن المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله في جنوب لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي كانت المثال الأكثر وضوحاً على الإمكانات الشعبية عندما تتحلى بالإيمان في مواجهة الطغيان، عندما تمكنت تلك المقاومة من دحر الجيش الإسرائيلي وإجباره على الانسحاب ولأول مرة تحت ضغط المقاومة إلى خارج الحدود وبدون اتفاقيات أو شروط. إن من النقاط المضيئة في مسيرة الصراع العربي الإسرائيلي هي إصرار الأمة العربية رغم الهزائم التي حاقت بها أن لا تركع، وأن تبقى شعلة المقاومة متقدة على الرغم من كافة الضغوطات التي تمارس على شعوبها، ولاشك أن الأمة العربية العريقة والممتدة الجذور عبر التاريخ والتي تمكنت من دحر غزوات المغول والتتار والفرنجة وبعد مواجهات استمرت لعدة قرون دون أن يدخل اليأس إلى نفسها، ستتمكن آجلاً أم عاجلاً من أن تحقق انتصارها الكبير، وأن تعيد بناء مشروعها النهضوي الحضاري الوحدوي على الرغم من كافة المعوقات التي وضعت في طريق تحقيقه.

باعتقادي أن هناك أزمات وتحديات تواجه المشروع النهضوي العربية وكذلك الدولة القطرية العربية ولابد من مواجهة هذه التحديات والأزمات وإيجاد حلول عملية وسليمة لها، وذلك للحفاظ على الأمن القومي والقطري

 والانطلاق لبناء الدولة القطرية الحديثة التي يمكن أن تكون قاعدة الانطلاق للمشروع القومي العربي، وهذه الأزمات التي تعاني منها الأمة هي أزمات مزمنة وتتركز في جوهرها على تردي البعد الأخلاقي والقيمي بمفهومه العام وليس بمفهومه الفردي وإن كان موجوداً أيضاً، لذلك فقد تدهورت التنمية بمفهومها الاقتصادي والاجتماعي والإداري في ظل تدهور القيم والأخلاقيات العامة، وبسبب هذا التدهور فقد تزعزعت النظم السياسية على الرغم من ارتفاع المستوى الثقافي والأكاديمي والتقني لمرتبات هذه النظم، وكذلك تدهورت النظم الاقتصادية على الرغم من خطط التنمية المتتالية وتكليف الأكاديميين الاقتصاديين المتخرجين من أفضل جامعات العالم بوضع هذه الخطط، وتدهورت البنى الاجتماعية من خلال الارتداد إلى التوجهات العرقية والقبلية والطائفية على الرغم من وجود مئات الآلاف من حملة الشهادات الجامعية. الأولى والثانية والثالثة، وغياب الأمية والجهل الذي كان ينسب لهما التدهور الاجتماعي سابقاً. إن كافة الأبنية القطرية والقومية تعاني من أزمة في شرعيتها، والشعوب تعاني من أزمة تتمثل في المراوحة ما بين العقل والنقل والأصالة والمعاصرة، والأحزاب تعاني من أزمة ما بين نخبويتها التي تفرض عليها العزلة والتقوقع والحاجة الملحة للانتشار الجماهيري التي تفرض عليها التنازل عن النخبوية والقيادات التقليدية وإتاحة الفرصة للجماهير لفرز قيادات جديدة بوسائل ديموقراطية، والتوجهات الديموقراطية تعاني من أزمة تتمثل في ضرورة الانفتاح السياسي والاقتصادي وإتاحة المجال للحريات كاستحقاق أساس للديموقراطية، وإمكانية فقدان القيادات السياسية الحالية لمواقعها لمصلحة حركات سياسية إسلامية تتنامى شعبيتها في ظل استشراء الفساد السياسي والمالي والإداري والأخلاقي، والاقتصاد يعاني من أزمة تتمثل في ضرورة تخلي القطاع العام عن مسئولياته الاقتصادية مكرهاً بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة، لمصلحة قطاع خاص تم تحييده وتهميشه لفترة طويلة، وهذا يتطلب من القطاع العام أن يتخلى عن بعض مسؤولياته السياسية إلى القطاع الخاص، والاستراتيجيات السياسية تعاني من أزمة أيضاً لحدوث انعطاف ما في تلك الاستراتيجيات على مستوى النخب والقيادات السياسية، في حين أن انعطاف الشعوب عن ثوابتها أكثر صعوبة ويحتاج لوقت طويل لإنضاجه، كذلك فإن النخب السياسية والقيادية والشعوب في أزمة من ناحية فهمها للدين ورسالته، ففي الوقت الذي تعمل فيه معظم الأنظمة على علمنة دولها بطريقة مسلوقة ومواربة، فإنها بحاجة في إطار تعزيز شرعيتها لإظهار نفسها بأنها الحارس الأمين على الدين أمام شعوبها، في مواجهة تيارات وحركات سياسية إسلامية تضع وصايتها عليه.

أرى أن النظام العربي الحالي بحاجة إلى توفر عدد من الشروط والمتطلبات التي تساعد على تحقيقه، وفي مقدمتها إيجاد آلية عربية فاعلة لحل النزاعات العربية البينية التي تسمم الأجواء بين الأقطار العربية، وكذلك ابتعاد الأقطار العربية عن التدخل في الشؤون الداخلية للأقطار العربية الأخرى، وأن لا تمثل الدول العربية الأكبر تهديداً للدول العربية الأصغر، الأمر الذي يتيح المجال للاخترقات الأجنبية لمنظومة الأمن القومي العربي، كذلك فإن النظام العربي يحتاج إلى قاعدة ارتكاز اقتصادية وبشرية وجغرافية وعسكرية لحماية الأمن القومي العربي وأن غياب قاعدة الارتكاز هذه ربما يدفع مقولة النظام الشرق أوسطي قدماً للأمام، وفي هذه الحالة ربما تتشكل قواعد ارتكاز لهذا النظام من خارج المنطقة العربية وبخاصة من تركيا وإسرائيل، وربما يعطي دور لمصر لعزلها عن محيطها العربي، ولكن هذا الدور لن يتناسب مع حجمها ودورها القيادي ضمن النظام العربي، ومن المعروف أن أي دور لمصر خارج محيطها العربي الطبيعي سيكون محدوداً لوجود منافسين أقوياء وهما تركيا وإسرائيل.

إن سيناريوهات الشرق الأوسط الجديد، قد تتطلب هندسية جيوبوليتيكيه جديدة للمنطقة العربية لتفكيك النظام العربي وإجهاضه، وإعادة صياغة تراكيب جديدة تنسجم مع هذا التوجه، وهذه الهندسة الجيوبوليتيكة الجديدة قد تعمل على إعادة ترتيب المصفوفات العربية بطريقة ضارة بالنظام العربي، لأن هذه المصفوفات ستتركز على عزل وتهميش دور الدول العربية القوية مثل مصر والعراق وسوريا وربطها ضمن مصفوفات جديدة وتوجهات باتجاهات بعيدة عن محيطها العربي الطبيعي.

إنه مهما قيل أو كتب عن المشروع النهضوي العربي الإسلامي الحقيقي، فإن هذا المشروع لم ير النور للآن، وبعد قرن من المحاولات المتكررة لبعثه، وأن الظواهر القومية السابقة التي اجتاحت الوطن العربي خلال الحقبة الماضية، لم تكن سوى زعماء أو أنظمة أو أحزاب ترفع الشعار القومي نظرياً، ولم تستند على مؤسسات شعبية ديموقراطية تدعم وجودها وشرعيتها، إن المشاريع النهضوية الحقيقية لا يمكن أن تستند على الاستبداد والفردية والفساد واحتكار السوق السياسي، فحتى المشاريع القومية الأوروبية التي قامت على هذه الأسس انهارت وخلفتها مشاريع قومية ديموقراطية استطاعت أن ترفع تلك الدول من قاع الهزيمة والدمار إلى ذروة القوة.

إن الآلية الفكرية تعد الأداة التي يتم بموجبها تفعيل وتوجيه الاستراتيجيات السياسية لحشد طاقات الجماهير وتوجييها نحو الهدف المنشود، وعليه فإن ابتداع آلية فكرية تتمكن من حشد طاقات الأمة، يعد أمراً حيوياً وبالغ الأهمية، وهذه المرجعية الفكرية لابد وأن تستند على ركائز أساسية وفي مقدمتها الاحتكام للديموقراطية وتحديد علاقة واضحة ومقبولة تجمع ما بين العروبة والإسلام في بوتقة واحدة وضمن النهج الديموقراطي الذي يحترم حقوق الإنسان وحريته.

اعتقد أن المتطلبات الأساسية لانطلاقة المشروع النهضوي العربي الحضاري ينبغي أن تستند على الركائز الأساسية التالية:

 

1- العمل على إرساء بنية تحتية اقتصادية متكاملة تغطي الوطن العربي، وربما يتم ذلك بشكل متدرج وضمن وحدات جغرافية منسجمة ومتقاربة مثل مجموعة الهلال الخصيب ومجموعة الجزيرة العربية ومجموعة وادي النيل ومجموعة المغرب العربي.

2- توطيد البنية التحتية السياسية من خلال إشاعة الديموقراطية والحريات الأساسية في كافة أرجاء وطننا العربي الكبير.

3-تعزيز البنية التحتية الاجتماعية العربية من خلال إعادة صياغة القيم وإطلاق القوى الاجتماعية الفاعلة والتخلص من الرواسب الاجتماعية التي كبلت المجتمعات العربية وأعاقت تقدمها.

4- تحصين البنية التحتية الثقافية العربية من خلال نشر الثقافة العربية الإسلامية بمضمونها الإنساني السمح وتوطيد النظم الثقافية والتربوية التي تعمل على تعزيز ثقافة الوحدة وتحارب ثقافة التجريئة والعزلة.

إن هذا الكتاب الذي يتناول بالدراسة النقدية بعض جوانب المشروع القومي العربي وجوانب من مسيرة القطر الأردني والحركة الوطنية الأردنية، قد أردت من خلاله تسليط الأضواء على جوانب عديدة تحتاج لمزيد من البحث والدراسة والتقويم في المشروع النهضوي ببعديه القومي والوطني، وقد حرصت ما استطعت إلى ذلك سبيلا، أن أتوخى الحيادية والموضوعية، فأنا عربي، من هذه الأمة العريقة أحاول أن أتلمس نبض الشارع العربي الذي لم تلوثه السياسة وكولساتها، وأنا لا أمثل تياراً سياسياً أو حزبياً بعينه، فالتيارات والأحزاب السياسية العربية اعتادت أن تنظر إلى جانب واحد من المشهد العربي والذي ينسجم مع فكرها وتوجهاتها فقط.

إن الأمر أصبح يتطلب من الباحثين والمفكرين العرب أن يناقشوا ويراجعوا مسيرة المشروع النهضوي العربي ببعديه الفكري والتطبيقي خلال القرن المنصرم، لبيان الممارسات الخاطئة ونقاط الضعف لنأخذ منها الدروس والعبر، فمنطق التاريخ يقول من لا يقرأ التاريخ جيداً ولا يتعلم من أخطائه فإنه لاشك سيكررها مرة أخرى، وكذلك نقاط القوة للبناء عليها للعبور إلى مستقبل أفضل اعتماداً على العقل والخلق وليس على العواطف التي تعطل دور العقل، فالإنسان العربي الذي عانى الأمرين من الاستبداد السياسي والفوضى الاقتصادية والهزائم والدمار خلال القرن الماضي يستحق أن يعيش في وطن أكثر أمناً واستقراراً واطمئناناً على مستقبله ومستقبل أبنائه من بعده.

إن هذا الكتاب يقدم العديد من الأفكار والآراء المطروحة على مفكري الأمة ومثقفيها وسياسييها، ويمثل قاعدة للنقاش والحوار للوصول إلى تصور أكمل يقودنا بعون الله إلى تحقيق مشروعنا النهضوي العربي، وتعزيز المشروع الوطني لأي قطر عربي ليكون قاعدة الانطلاق لتحقيق مشروع الأمة الوحدوي المنتظر.

لقد تناول كتاب العرب وحصاد القرن الضائع عدداً من المحاور التي تناقش بعض مكونات وركائز المشروع النهضوي ببعديه القومي العربي والوطني الأردني، وقد جاء هذا الكتاب في ثلاثة أبواب رئيسية وهي الحصاد القومي والحصاد الوطني والحصاد الأردني الفلسطيني واشتمل على أحد عشر فصلاً وكما يلي:

- الباب الأول: الحصاد القومي، وقد اشتمل على خمسة فصول وهي:

1. الفصل الأول: الشخصية العربية والهوية الوطنية، وقد ناقشت فيه بعض جوانب الشخصية العربية وعلاقتها بالشخصية الوطنية من حيث انه يجب أن لا يكون أي تنافر بينهما، وكذلك تطرقت فيه إلى آثار البيئة المحلية والإقليمية والدولية على الشخصية العربية والأبعاد الثقافية والتاريخية والاجتماعية التي أثرت في تشكيلها.

2. الفصل الثاني: الفكر القومي العربي والمشروع النهضوي العربي، وقد ناقشت فيه بعض جوانب الفكر القومي، ومنها المنطلقات الأساسية والتحديات والآفاق التي تواجه هذا الفكر، كما أشرت إلى ضرورة المراجعة والتقويم للأطر الفكرية والممارسات التطبيقية السابقة لهذا الفكر.

3. الفصل الثالث: الوحدة العربية والتكامل القومي: وقد ناقشت فيه بأسلوب نقدي موضوع الوحدة العربية والتكامل القومي من جوانبها النظرية والتطبيقية، وكذلك تأثير الأبعاد الاقتصادية والثقافية وطفرة النفط على مسيرة الوحدة العربية والتعاون العربي.

4. الفصل الرابع: الأمن القومي العربي، وقد ناقشت فيه الأمن القومي العربي وتطرقت إلى مرتكزات هذا الأمن والتحديات المحلية والإقليمية والدولية التي تواجهه، كما بينت مصادر التهديد الخارجي والداخلي واستهدافاته، والازمات والتحديات التي تواجه الأمة، والأبعاد الأمنية لآفات وأمراض المجتمع العربي وفي مقدمتها لوكيميا السياسية وأنيميا الاقتصاد، وعلاقة فيروسات الفساد بمنظومة الأمن القومي العربي. 

5. الفصل الخامس: من البيدر القومي، وقد ناقشت فيه عدداً من المواضيع المختارة ومنها الهندسة الجيوبوليتيكية في المنطقة العربية، والنظام العربي، ومسيرة البورجوازية العربية، والفكر الإسلامي بين النظرية والتطبيق، وكذلك علاقة المثقف بالسلطة ومفهوم البطل في المنظومة الثقافية العربية.

- الباب الثاني: الحصاد الوطني وقد اشتمل على أربعة فصول وهي:

6. الفصل السادس: الشخصية الوطنية الأردنية والحركة الوطنية، وفيه ناقشت بعض جوانب الشخصية الأردنية والحركة الوطنية، مبيناً العوامل التي تساعد على تماسك الشخصية الوطنية ومتطلبات تعزيز هذه الشخصية، ومسيرة الحركة الوطنية الأردنية وتقييماً لمسيرة وأداء هذه الحركة خلال العقود الأخيرة.

7. الفصل السابع: الأمن الوطني في ميزان السلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي: وقد ناقشت فيه الأمن الوطني بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

8. الفصل الثامن:الديموقراطية، وقد ناقشت فيه الديموقراطية وهل هي خيار ظرفي أم خيار استراتيجي، وكذلك الأبعاد السياسية والاقتصادية وعلاقتها بالديموقراطية، كما تطرقت إلى إشكالات الديموقراطية وتحدياتها وعلاقتها بالتنمية والتنشيئة السياسية.

9. الفصل التاسع: إمكانات العمل السياسي وواقع الأحزاب الأردنية، وقد ناقشت فيه إمكانات العمل السياسي وواقع الأحزاب الأردنية مستعرضاً معوقات العمل السياسي الحزبي وأزمته المزمنة.

- الباب الثالث: الحصاد الأردني الفلسطيني، وقد اشتمل على فصلين وهما:

10. الفصل العاشر: العلاقة الأردنية بين متطلبات المسار ومقتضيات المصير، وقد استعرضت فيه الخلفية التاريخية والسياسية للعلاقة الأردنية الفلسطينية وقدمت من خلاله دراسة وتحليل لمواقف عدد من المثقفين والسياسيين الأردنيين المعلنة ونظرتهم لحاضر ومستقبل هذه العلاقة.

11. الفصل الحادي عشر: من البيدر الأردني الفلسطيني، وقد ناقشت فيه عدداً من المواضيع المتعلقة بالبعد الأردني الفلسطيني، ومستقبل الصراع مع الكيان الصهيوني، ومنها فلسطينيو الداخل ومستقبل إسرائيل السياسي، والعرب وإسرائيل بين خيارات الماضي والحاضر والمستقبل، والتحولات الاستراتيجية في المنطقة العربية والبعد الديموغرافي، والمسيرة الواحدة للأردنيين والفلسطينيين والعلاقة الخاصة والمميزة التي تحكم مسيرة الشعبين التوأم.

إن أي جهد مخلص يبذل لدراسة وتقويم المشروع النهضوي ببعديه القومي والوطني لاستشراف مستقبل أفضل للوطن والأمة، هو خطوة بالاتجاه الصحيح على طريق شاق وطويل، وعليه فإني آمل أن يمثل هذا الجهد المتواضع حافزاً للمفكرين والباحثين العرب لمتابعة الجهود لإثراء الموضوع بالدراسة والتقويم، وتقديم الآراء والتصورات الموضوعية التي لا تنطق عن هوى، للإحاطة بكافة جوانب المشروع النهضوي العربي، الذي كان ولا يزال يمثل الأمل والخلاص لأمتنا العربية الماجدة، للتخلص من تخلفها وتبعيتها وضعفها، ولتنهض من كبوتها التي طال عليها الأمد، واستمرت خلال القرن الماضي، ونأمل أن يكون هذا القرن فاتحة خير للأمة، ومنطلقاً لواقع جديد يكفل وصولها إلى وحدتها وعزتها ودورها الريادي المنشود.

إن أي جهد بشري هو عمل تراكمي يضاف لما سبقه من جهود، كما أن أي جهد مهما كان مخلصاً، لا يمكن أن يصل إلى الكمال، وستبقى فيه ثغرات وهفوات غير مقصودة تقتضيها الطبيعة البشرية، لذلك فإنه لا يسعني كبشر إلا أن أتمثل قوله تعالى:

] رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [ (البقرة:286)

صدق الله العظيم

 

والله ولي التوفيق وهو من وراء القصد ...

 

 المؤلف

سليمان نصيرات

 

الباب الأول

الحصاد القومي

 

1. الفصل الأول: الشخصية العربية والهوية الوطنية " تكامل أم تنافر"؟

 

2. الفصل الثاني: الفكر القومي والمشروع النهضوي العربي... ماذا كنا؟ من نحن؟ ماذا نريد؟

 

3. الفصل الثالث: الوحدة العربية والتكامل القومي " آمال الحمل الكاذب، وآلام المخاض الصعب ".

 

4. الفصل الرابع: الأمن القومي العربي " من هو العدو؟ ومن هو الصديق؟"

 

5. الفصل الخامس: من البيد القومي


 

 

 


الشخصية العربية والهوية الوطنية "تكامل أم تنافر"  

 

 

أولاً: تأملات في الشخصية العربية.

ثانياً: أثر البيئة المحلية والإقليمية والدولية في الشخصية العربية.

ثالثاً: أثر الأبعاد الثقافية والتاريخية والاجتماعية في الشخصية العربية.

أ. المصادر الثقافية.

ب. المصادر التاريخية.

جـ. المصادر الاجتماعية.

رابعاً: الشخصية العربية وبنية الإدراك وبناء التصورات.

خامساً: أثر البعد الاقتصادي في تشكيل الشخصية العربية. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الفصل الأول

الشخصية العربية والهوية الوطنية - تكامل أم تنافر؟

 

 

أولاً: تأملات في الشخصية العربية:

أ- إن معرفة النفس تعد مرتكزاً أساسياً لتطور وتقدم أية أمة وبناء استراتيجيتها في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية، كما أنها تعد مرتكزاً هاماً لمعرفة الآخرين، فلا يمكن أن تعرف الآخرين جيداً ما لم تعرف نفسك أولاً، لقد كانت معرفة الذات الجزء الأضعف في الاستراتيجية العربية المعاصرة وهذا ينطبق على كافة الدول والأقطار والتيارات السياسية والحزبية وكذلك مراكز الأبحاث والدراسات والجامعات وغيرها، فعلى سبيل المثال فإن الدراسات حول نشوء الشخصية العربية المعاصرة وتكوينها وجذورها التاريخية التي كانت مخاضاً لمعاناة الأمة العربية خلال مئات السنين، كانت قليلة وسطحية ولم تتطرق إلى الشخصية العامة للأمة العربية، كما أنها لم ترتق إلى دراسات ابن خلدون حول الشخصية العربية التي مضى عليها عدة قرون. لقد أصبح من الأمور الهامة والملحة أن تبادر كافة الجهات الرسمية والشعبية والخاصة إلى دراسة جذور الشخصية العربية ومكوناتها لمعرفة أسباب الانهيار السياسي والعسكري والاقتصادي والأخلاقي الذي تعانيه الأمة في كافة أقطارها على الرغم من موقعها الجغرافي المميز وثرواتها الهائلة وعناصر القوة العديدة المتوفرة لديها.

ب- إن الشخصية العامة للأمة هي شخصية متغيرة ومتحركة وليست ثابتة كما أنها تتراوح صعوداً وهبوطاً، قوة وضعفاً بين الحين والآخر، وحسب العوامل المؤثرة عليها سلباً وإيجاباً، كما أن الشخصية العامة للأمة قد لا تتطابق مع الشخصية السياسية، فقد توجد شخصية سياسية واحدة للأمة ولكنها تضم تحت القشرة السياسية عديداً من الشخصيات الثقافية المتوثبة، كما أنه قد توجد شخصيات ثقافية سياسية متعددة وتبقى الأمة ذات شخصية عامة واحدة على الرغم من التجزئة السياسية وكما هو الحال مع الأمة العربية.

جـ- هنالك عوامل عديدة تؤثر في بلورة الشخصية القومية العامة أو تمييعها، فالانغلاق أو الانفتاح الثقافي والجغرافي يؤثر سلباً أو إيجاباً على تماسك أو تفكك الأطر العامة للشخصية القومية، كما أن الحروب الداخلية والخارجية وتعرض الدولة إلى حالة من الاستعمار والاحتلال يؤدي إلى إحداث تغييرات أساسية في بنية الشخصية الوطنية والقومية، لقد أدت عزلة الصين جغرافياً وثقافياً لفترة طويلة إلى بلورة شخصية صينية مميزة، وكذلك الأمر بالنسبة للشخصية اليابانية، التي حافظت على تمايزها وحتى الحرب العالمية الثانية وانتشار الثقافة الغربية ضمن دوائر الثقافة اليابانية. إن الأمم التي تفاعلت بشكل واسع ومباشر مع الأمم الأخرى من خلال الحروب والاستعمار والتلاقح الثقافي والاقتصادي قد تطورت شخصيتها من الإطار الضيق إلى الإطار العالمي الواسع للشخصية الإنسانية.

د- لقد تمكنت اللغة العربية ومن خلال عمودها وذروة سنامها وهو الشعر في عصر ما قبل الإسلام أن تحافظ على الشخصية العربية الثقافية، بحيث مثل الشعر سجلاً للتاريخ والقيم والسجايا والحياة الاجتماعية والاقتصادية للعرب، لذلك فقد أطلق عليه ديوان العرب، هذا من ناحية الشخصية العربية ببعدها الثقافي، أما الشخصية القومية أي الامة في مفهومها الحالي وضمن إطارها الجغرافي والحضاري، فهي لم تتشكل إلا بعد انبثاق الدعوة الإسلامية وظهور مفهوم الأمة ببعدها العربي الإسلامي، وبعد  انبثاق الدعوة الإسلامية حتى الآن حمل القرآن الكريم هذا الدور، من حيث الحفاظ على اللغة العربية، وبالتالي صون الشخصية العربية الثقافية من الاندثار، وقد ظهر ذلك من خلال صمود الثقافة العربية الإسلامية في المغرب العربي أمام استعمار سياسي وعسكري واقتصادي استمر عشرات العقود من الزمن.

هـ- بدأت ملامح الأمة العربية الإسلامية تتشكل كما ذكرت آنفاً بعد انبثاق الدعوة الإسلامية وانتشارها، حيث انتقل العرب فجأة من مجتمع القبائل التي لا تجمعها أية رابطه سياسية أو اجتماعية إلى مفهوم عالمية الأمة متجاوزة الإطار القومي للشخصية، وبخاصة في فترة حكم الخلفاء الراشدين. لقد كان المشروع العربي الإسلامي أول مشروع في التاريخ ينادي بعالمية الشخصية وبالمفهوم الإنساني للشخصية. في يحين أننا بدأنا حالياً نرى بعض الأمم تحاول صياغة ملامح لشخصية عالمية وفق ثقافتها بقيادة الولايات المتحدة وبغطاء الديمقراطية وحقوق الإنسان مستفيدة من ثورة الاتصالات وتفوقها العسكري والتقني ونظام القطب الواحد الجاذب، الذي مكنها من أن تصل إلى الإنسان متجاوزة بذلك نظامه السياسي ومخترقة خطوطه الدفاعية الثقافية والاجتماعية.

لقد مثلت جزيرة العرب تاريخياً الخزان البشري والثقافي للأمة العربية حيث كان هذا الخزان يدفع بهجرات متتالية لقبائل عربية تربطها ببعضها صلات الدم والنسب في اتجاه الشمال والغرب، واستوطنت هذه القبائل معظم المنطقة المعروفة حالياً بالوطن العربي وصبغته بالصبغة العربية، ولقد تمكنت بعض هذه القبائل من تشكيل دول محلية متناثرة في منطقة الهلال الخصيب أو شمال إفريقيا عبر التاريخ، ومما يدل على أن العرق العربي قد صبغ هذه المنطقة بالصبغة العربية، أن حدود الشخصية العربية امتدت ثم توقفت على حدود بلاد فراس شرقاً، وبيزنطية شمالاً والمحيط الأطلسي غرباً والصحراء الكبرى والحبشة جنوباً في حين أن الدين الإسلامي الذي حمله العرب قد تجاوز هذه الحدود إلى آفاق بعيدة.

و- ولقد تشكلت عبر التاريخ ملامح عامة لشخصية عربية إسلامية واضحة تمثل القاسم المشترك لكافة العرب، وكما تعزز هذا الشعور واكتسب طابعاً يومياً خلال هذا القرن مع ازدهار الفكر القومي والحركات القومية، في حين مثلت الثورة العربية الكبرى في مطلع هذا القرن إطاراً واضحاً ومميزاً لمشروع نهضوي عربي إسلامي محدد المعالم، إلا أنه لاحقاً وبسبب عوامل تاريخية وسياسية وثقافية وانقطاع التواصل الحضاري والجغرافي وخضوع أجزاء من الوطن العربي لأنماط مختلفة من الاستعمار، قد أدى إلى ظهور ملامح لشخصيات ثقافية ثانوية ضمن الإطار العام للشخصية العامة للأمة، الأمر الذي أدى إلى ظهور الدولة القطرية العربية.

ز- من الملاحظ أن الشخصية العامة للأمة ليست ثابتة، وإنما هي متغيرة مع تغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ودرجة التواصل والتكامل الحضاري ونوع التحديات وطبيعة علاقة الأمة بالأمم الأخرى، وكذلك طبيعة الجغرافيا التي تسهل الانتقال أو تحد منه، علماً بان العامل الجغرافي وإن كان مهماً في تشكيل ملامح الشخصية القومية في الماضي، إلا أن تأثيره بدأ يتضاءل حالياً مع تطور وسائل الاتصال بحيث أصبح من المستحيل على أية جماعة أن تبقى ضمن منطقة جغرافية مغلقة، إن التغير الذي يطرأ على الشخصية القومية والوطنية يمكن تسريعه من خلال الثورة الثقافية والعلمية والتحديث الاجتماعي وتغيير أنماط الفكر والسلوك والقيم السائدة والتطور الاقتصادي والحراك الاجتماعي المستمر الذي يمثل بوتقة الصهر للولاءات الضيقة لمصلحة الإطار الأشمل للشخصية العامة.

ح- إن الشخصية الثقافية العامة للأمة لا تنفي أو تتناقض مع وجود شخصيات ثقافية جزئية ضمن الإطار العام للشخصية القومية العامة، وذلك بسبب العوامل الجغرافية والأثنية والتطور غير المتكافئ لأجزاء الأمة واختلاف التحديات. لذلك يجب على الأمة أن تعترف بوجود أنماط من الشخصيات الثقافية الجزئية التي تصب في نهر الأمة العظيم، وكذلك فإن الحدود الفاصلة بين الطرفين ليست ثابتة، في حين أن التسامح والديمقراطية والعدالة وازدهار الدولة القومية وقوتها تساعد على اندماج الشخصيات الثقافية الجزئية ضمن الإطار العام للشخصية العامة للامة، في حين أن التعصب والاستبداد والهيمنة وضعف منظومة الدولة تساعد على استفزاز الشخصيات الجزئية وزحفها على حساب الدائرة القومية أو الوطنية. 

ثانياً: أثر البيئة المحلية والإقليمية والدولية في الشخصية العربية:

أ- لا تختلف العوامل التي أثرت في تكوين الشخصية العربية والعقل السياسي العربي المعاصر كثيراً من منطقة عربية إلى أخرى، وإن كان لكل منطقة عربية خصوصيات معينة تختلف قليلاً أو كثيراً عن المناطق الأخرى، ولكن المؤثرات العامة الثقافية والدينية والتاريخية واللغوية متشابهة تقريباً، لذلك عندما نتكلم عن العوامل المؤثرة على تشكيل الشخصية العربية في إطارها العام، فإن هذا ينطبق بدرجات متفاوتة على الشخصية الأردنية أو السورية أو العراقية أو المصرية مثلاً.

ب- لقد كانت معظم القرارات السياسية الهامة التي ظهرت في المنطقة العربية تبدو وكأنها نتاج لاعتبارات ذاتية وشخصية وردود فعل تلقائية وغير مدروسة وذلك في غياب المناخ الديمقراطي وطغيان الفردية على أسلوب الحكم وغياب الرقابة الشعبية، فعلى سبيل المثال ظهرت معظم الأحداث السياسية الراهنة في منطقتنا العربية بشكل درامي ومفاجئ وبدون مؤشرات منطقية دالة عليها أو بدون تسلسل منطقي لبناء هذه الأحداث ومن هذه الأحداث عملية تأميم قناة السويس عام 1956 والتصعيد الدرامي المفاجئ للموقف قبل حرب 67 والهجوم المصري السوري عام 1973 والزيادة الدراماتيكية التي قام بها السادات إلى إسرائيل عام 1977 والهجوم العراقي المفاجئ على الكويت عام 1990.

جـ-  لقد كان يغلب على موضوع الصراع العربي الإسرائيلي، الذي كان يحتل العامل المشترك ما بين معظم الثروات والإنقلابات والاضطرابات الداخلية في المنطقة العربية، طابع الانقطاع والتوقف ومن ثم الفوران المفاجئ، ومن الواضح أن عملية القرار السياسي كانت تأخذ نمطاً عاماً متأثراً وإلى حد كبير بالعوامل الثقافية والاجتماعية السائدة في المجتمعات العربية.

د- إن التناقضات الواضحة والانعطافات الحادة غير المفسرة في السياسات العربية بما فيها التركيز الشديد على ردود الفعل الكلامية المبالغ فيها يمكن أن تجد لها تفسيراً إذا ما تم تحليلها كنتاج لنظام تصورات عام وهذا النظام مؤسس على شكل طبقات من التصورات المتراكمة التي يغلب عليها طابع الميل نحو التعميم والتنميط، وهذه التصورات تعمل على تزويد صانعي القرار العرب بخرائط إدراكية لبيئتهم وأنفسهم وترسم وتحدد نوعية العلاقة ما بين الفرد وبيئته المحيطة. إن أي تخطيط للأهداف أو عملية للاختيار من بين بدائل متعددة، أو أسلوب الاستجابة لموقف ما في البيئة، يمكن تفسيره جزئياً على ضوء كيفية إدراك صانع القرار للواقع، فالفرد بعامة يتصرف أو يقوم بردود فعل وفقاً لتصوراته للبيئة وأقصد هنا بالتصور كيفية إدراك الفرد لشيء أو حقيقة أو حالة وكذلك كيفية تقييمه لذلك الشيء أو الحقيقة أو الحالة، على ضوء خيرها أو شرها وحسناتها أو سيئاتها وودها أو عدائها وكذلك المعنى المتصل أو المستنبط من ذلك الشيء أو الحقيقة أو الحالة(1).

هـ- إن تصورات الفرد لا توجد من فراغ، وإنما هي نتائج أنظمة ثقافية واجتماعية متفاعلة من جانب، كما أنها استجابة لتدافع الأحداث السياسية من جانب آخر، إن المتقصي لعملية تشكيل التصورات لدى الإنسان العربي وكذلك صانع القرار يجد أنه كان يطغى عليه عنصر الشعور بالتهديد وهذا الشعور نجم عن عدد من العوامل منها(2):

1- الصراعات الداخلية المنتشرة في المنطقة العربية، ويعزى جزء منها إلى التراث التاريخي والديمغرافي للمنطقة العربية وبعضها الآخر يعزى إلى العوامل الاجتماعية التي تسهم إلى حد كبير في تشكيل ما يمكن أن نطلق عليه الإدراك التصعيدي المتسارع للأحداث.

2- السياسيات العربية البينية، والتي اخذت نمطاً واسعاً من التداخل والتشابك بالإضافة إلى النسق السياسي العربي والذي أضاف دفعة قوية للسلوك التصعيدي للمواقف.

3- إن هذه الأمور وغيرها قد أدت إلى تطوير نظام من الإدراك ينظر إلى الذات والأفراد الآخرين على أنهم محصورون في بوتقة من الصراع المستمر.

و- يقدم النموذج الفكري العربي، أو بمعنى آخر ذلك النظام من الإدراك وبناء التصورات للإنسان العربي بوظيفة تحديد وتعريف البيئة السياسية الملائمة وكذلك العلاقة ما بين العالم العربي والإسلامي من ناحية، والنظام العالمي من ناحية أخرى، وكذلك العلاقات الداخلية ضمن المنطقة العربية نفسها والأنماط السياسية، وأخيراً المعايير الخاصة لصانع القرار العربي، أن هذا النموذج الفكري يحدد ويعرف خيارات صانعي القرار العرب وفق العوامل التالي:

1-البيئة التي يتوجب دراستها لتحديد المخاطر والمنافع من قبل النخبة السياسية.  

2- تحديد درجة تحمل المواطن العربي لسياسيات الحكومات او للحكومات نفسها.

3- تحديد أنماط الاتصال السياسي ما بين النخب العربية من جانب والنخب العربية والجماهير من جانب آخر.

ثالثاً:أثر الأبعاد الثقافية والتاريخية والاجتماعية في الشخصية العربية:

أ- يحلل المفكر وعالم الاجتماع روبرت جارفيس (Robert Jarvis) بعض نظريات صنع القرار فيقول إن مصدر الإدراك وهو المثير، يمكن أن يقسم إلى قسمين، وهما: المثير الخارجي والدافع الداخلي، فالمثير الخارجي، أو ما يمكن أن يطلق عليه العوامل الجغرافية والسكانية والموارد التي تركز عليها العلاقات السياسية وهذه العوامل إذا ما أضيف إليها الأنماط التنظيمية والسياسية والتي تميز كل نظام عربي عن غيره تصلح كأداة لوضع معايير يتم بموجبها التعامل مع الخيارات السياسية على المدى القريب أو البعيد، وفي حين أن هذه المعطيات التي يرى بها المراقب الخارجي تحديدات موضوعية على السياسية فإن أمر تحويل هذه المعطيات إلى قرارات من قبل صانع القرار العربي تخضع في العادة إلى تفسيرات انتقائية وغير موضوعية، وبهذا المعنى فإن عملية صنع القرار العربي هي مزيج من استجابات لبيئة موضوعية يتم إخضاع هيكلها وبنيتها لعمليات التنقيح والتصفية والإضافة بواسطة تعريفات غير موضوعية للموقف أو الحالة(3). إن عالم الاجتماع مونرو بيرجر (Monroe Berger) يرى أن الخاصية المهيمنة على طبيعة الحياة العربية والشخصية العربية هي الشك الواسع في البيئة المحيطة وأن ذلك الشك يعزى إلى مصادر منها(4):

1-المصادر الثقافية: إن نزعة الشك لدى الإنسان العربي هي نتاج مزيج من نزعات سلوكية تعود إلى الأصول العربية البدوية الموغلة في القدم، ومنها التناقض الصارخ بين نزعة التركيز المبالغ فيه على الفردية، من ناحية ومطالبة الفرد بالامتثال الشديد لأعراف وتقاليد العشيرة أو القبيلة من ناحية أخرى.فكل من نزعة الذاتية الفردية والانصهار في بوتقة العشيرة تنبثق منهما مواقف وظيفية متناقضة في مجتمع يواجه باستمرار معضلة التكيف في ظروف صعبة وقاسية، وعلى أية حال، فإن من الآثار الجانبية لذلك التناقض هو السلوك الفردي الذي يتميز بحس التنافس الشديد واحتدام الأحقاد والعداوات، والإدراك الحدي في تقسيم البيئة إلى أصدقاء وأعداء، وعلى ذلك فإذا ما وصف فرد بأنه صديق فإنه يتلقى ضيافة غامرة، وإذا ما وصف بأنه عدو فإنه يواجه بعداوة ضارية.

2- المصادر التاريخية: هيمنت على التاريخ العربي قديماً وحديثاً الحروب والفتن الداخلية وموجات الغزو  المتلاحقة، وهذه التجارب التاريخية المتراكمة كونت تراثاً عربياً يتصف بعدم الثقة بأي موقف أو شخص لا يمكن الوثوق في نياته، أو لا تتم تزكيته من قبل قريب أو صديق موثوق، وبناء على هذه التجارب، فقد نظر إلى الحكومات على أنها أجهزة لا يمكن الوثوق بها ويجب تجنبها، لقد كان من نتيجة ذلك أن أصبح من المتعذر على أية حكومة عربية معاصرة أن تجمع البيانات عن السكان، أو أن تحظى بتعاون إيجابي من قبل عديد من المواطنين(5).

3- المصادر الاجتماعية: توجد أنماط اجتماعية عديدة وتسهم في تعزيز الشعور بعدم الأمن للفرد العربي، ومن هذه الأنماط أسلوب الزواج العربي وأسلوب تربية الأطفال، فعلى سبيل المثال فإن أسلوب الزواج العربي ما يزال يغلب عليه طابع الزواج بين الأقارب، الأمر الذي أدى على المدى البعيد إلى تطوير نظام اجتماعي يتكون من وحدات عائلية محكمة وممتدة، لقد كان من حسنات هذا الأسلوب توفير أكبر قدر ممكن من التضامن الاجتماعي ضد أية بيئة معادية، ومن سيئاته تعزيز النزعات الثقافية الراهنة التي تركز على الفردية من ناحية والخضوع للعائلة أو للعشيرة من ناحية أخرى، أما أنماط تربية الأطفال فإنها تتراوح بين الإهمال وغض الطرف عن الانضباط في مراحل الطفولة المبكرة إلى نقله مفاجئة نحو المطالبة بانضباط صارم وتعسفي في سن السابعة، إن هذا التذبذب عزز الاستجابات ذات الصفة التسلطية في سلوك الطفل، وفي المفهوم النفسي، فإن من نتائج هذه الممارسات التربوية للأطفال، إنتاج أطفال ينزعون إلى الهيمنة التسلطية أو الخضوع المقموع. إن هذه العوامل أدت إلى إنتاج أنماط ثقافية تتمحور حول حالة من الصراع والبحث المستمر عن الأمن(6).

ب- وهكذا فإن عوامل الثقافة والفكر والتاريخ والدين قد تراكمت عبر القرون لإنتاج سلوك للفرد العربي يتمحور حول الأمن، كما أن المؤسسات العربية والإسلامية قد ساهمت في تعزيز نظام الأمن الأساسي الذي يتركز على أنواع مختلفة من الواقع العملي المؤثر الذي تبرزه الأنظمة المؤسساتية المختلفة، التي يتطلب كل منها نوعاً مختلفاً وقد يكون متناقضاً من التكيف، لضمان أمن الفرد ضمن بيئته، إن نظام الأمن للفرد يمكن أن يعرف بأنه ذلك النظام من التكيف الذي يضمن قبول الفرد في المجتمع، ويقدم له الدعم عند الضرورة وإدامة وصيانة منزلته الاجتماعية، أما نظام أمن الجماعة، فيمكن أن يعرف بأنه تلك النشاطات والمواقف المتوقعة من كل فرد التي تساعد في محصلتها على حماية الجماعة من الأخطار الداخلية والخارجية(7).

جـ- تقدم الأنظمة الأمنية، الآليات السلوكية لكيفية استجابة الفرد العربي للبيئة، فالنزعة العربية لإضفاء الشخصانية على العالم أو على معسكر الأعداء أو النزعة لإدراك البيئة على ضوء صلات القربى أو وفق المعايير الشخصية الذاتية، تعد ظواهر لهذا النمط الذي يفرض على صانع القرار العربي أن يتبنى مواقف سياسية أو فكرية متشددة ولو على حساب الاعتبارات السياسية الأخرى(8).

رابعاً: الشخصية العربية وبنية الإدراك وبناء التصورات:

أ- يرى عديد من الباحثين أن عملية التصور للإنسان العربي منظمة هيكلياً على شكل هرم من الصراعات تتألف من مستويات مختلفة من الإدراكات التي تبدأ من الصراعات المتعلقة بالنطاق الثقافي الشامل أو العالمي، وتنتهي بأنماط الصراع المحلية والداخلية(9).

فعلى النطاق العالمي، يهيمن على التصور العربي للبيئة، الشعور المتواصل للصراع ما بين العالم العربي والإسلامي من ناحية والعالم الغربي المسيحي من ناحية أخرى(10)، مع وجود فوارق ملحوظة في الإدراك ما بين دولة وأخرى ومجتمع وآخر، ويوجد لهذا الصراع مظهران وهما المظهر السياسي والمظهر الديني، وأن غلبة أحدهما على الآخر تعتمد على مدى العلمانية النسبية للنخبة السياسية أو القادة. إن تلك الظاهرتين تنحيان في المجال العربي وتأخذان شكل صراع لا شعوري وعدم ثقة في الغرب بعامة، ومن الجدير بالملاحظة أن أبعاد النزعة الدينية عادة ما تشتد في أوقات الأزمات السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية وبشكل كبير. أما من الناحية السياسية، فقد نظر العرب للغرب على أنه خصم قوي ومهيمن، كان قدر العرب والمسلمين أن يواجهوه من حين إلى آخر، من جانب آخر فقد نظر له أيضاً على أنه الخصم الذي يثير الإعجاب بتقنيته وبعض جوانب ثقافته على الرغم من خطورتها.

لقد كان من نتائج هذه الصورة السلبية التي تعززت مع مطامع الغرب الاستعمارية في المنطقة العربية خلال القرن المنصرم، هو تحديد خيارات القادة العرب تجاه التعامل الصريح معه بعامة، ففي الظروف العادية فإن العديد من القادة العرب لم يكن بإمكانهم أن يتحملوا وصفهم بأنهم موالون للغرب وسياسته أمام الرأي العام العربي، ولو أنهم كانوا مقتنعين أن ذلك لمصلحتهم الوطنية، لأن الإعلان عن ذلك يجعلهم مكشوفين لهجمات مجموعات المعارضة الخارجية والداخلية التي تستفيد من هذه الصورة السلبية للنظرة للغرب.

ب- أما المستوى الثاني للتصورات فقد كان البيئة العربية، لقد كان الوضع السائد في المنطقة العربية وما يزال هو المطالبة المزمنة بمراجعة الحدود القطرية في إطار وحدوي شامل أو إقليمي، من قبل القوى والتيارات والأنظمة القومية. وذلك لأن معظم الحدود القطرية العربية رسمت من قبل القوى الغربية، وهذه الحدود تتعارض مع السياق التاريخي والديمغرافي للمنطقة العربية، وتمثل أساساً دائماً لمطالب التغيير لأنها عدت غير شرعية كونها فرضت من قبل الغرب المستعمر المعادي للأمة العربية وآمالها في الوحدة. إن هذا الوضع شجع النخب السياسية العربية على تخطي الحدود المصطنعة للتدخل بالشؤون الداخلية للأقطار العربية الأخرى. إن التصورات حول السياسات العربية داخل كل قطر عربي كانت تأخذ شكل حالة من الصراع الدائم نسبياً ما بين مجموعات النخب السياسية المتنافسة، والتي لكل نخبة سياسية منها القدرة على تهديد النخب السياسية الأخرى، كما أن هذه النخب كانت معرضة بصورة أو بأخرى للتهديد الخارجي ومن اتجاهات مختلفة. إن هذه العوامل جميعها جعلت الخيارات السياسية ما بين الدول العربية وبخاصة قيما يتعلق ببناء التحالفات أو صنع الوحدة أو تشكيل جبهة عسكرية موحدة محدودة. كذلك فإن علاقات الدول العربية مع الدول الأخرى كانت مثار شك من بعضها بعضاً بالضرورة، لأن تلك العلاقات كانت تحلل وتفسر على ضوء تأثيرها المحتمل على السياسات العربية البينية.

جـ- واما على المستوى الثالث من التصورات، وهو المستوى المحلي، فعلى الصعيد السياسي، كانت هنالك العديد من النخب السياسية العربية التي كانت كل نخبة سياسية منها تواجه العديد من المجموعات المتنافسة التي تشكك في بعضها بعضاً، إن التعددية المستندة على الأسس الثقافية واللغوية والدينية والقبلية في المجتمعات العربية جعلت هذه المجتمعات عرضة للانقسام بناء على هذه الأسس. الأمر الذي خلق حساسية عالية لدى النخب السياسية والقادة تجاه ذلك، وقد تميز ذلك في جانب منه بالشعور بعدم الانسجام بين هذه المجموعات، وفي جانب آخر، برغبة للسيطرة على هذا الشعور وكبته.

وبناء عليه فإن معظم السلوك سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي العربي، كان يتركز في تصورات الساسة العرب لبيئتهم على أنها بيئة تتميز بالحساسية والفوضى السياسية النسبية من جانب وتعج بالأعداء الحقيقيين أو المتصورين من جانب آخر.

د- أما في الجانب السياسي، فإن هذه الصراعات التي استحوذت على المجتمعات العربية ساعدت على فرز قاعدة محتاجين دوماً للموازنة المستمرة ما بين مطالب واحتياجات الجماعات المختلفة. وفي حالة عدم توفر الموارد لذلك فإنهم كانوا يلجأون إلى غلق هذا الخيار، من خلال استخدام أسلوب القمع لمواجهة هذه الطلبات، والسيطرة على وسائل الإعلام وتوجيهها من أجل حرف الاستياء الشعبي نحو أهداف عربية أو أجنبية وحسب ما يتطلبه الموقف في حينه، وبناء على ذلك فإن الخطاب السياسي العربي بعامة كان يتصف بالشعاراتية والغموض في وصف المعاضل الداخلية، وأما على صعيد صانع القرار السياسي العربي، فقد طغت صورة الذات وذلك من خلال الاهتمام الشديد بمفهوم الشرف ببعده الذاتي أو الاجتماعي أو السياسي، وهذا المفهوم الذي يأخذ أشكالاً عديدة منها حفظ ماء الوجه أو تقطيع الوجه بالعرف التقليدي، قد اتخذ أبعاداً سياسية لدى العديد من القادة العرب، والذين لم يفصلوا ما بين صورة الذات ببعدها الشخصي وصورة الشخصية ببعدها السياسي والوطني، إن هذا الشعور الذي يركز بصورة كبيرة على صورة الذات جعل الإنسان العربي ينظر للعالم الخارجي على أنه يمثل تهديداً مستمراً لصورة الذات، إن هذه الصفة السلبية في الشخصية العربية قد فهمها الغرب، واستغلت مراراً لاستدراج بعض القادة إلى منطقة التقتيل السياسي من خلال استفزازهم والإساءة لصورة الذات لديهم.

هـ- يقدم البناء الثقافي العربي الذي يركز على أسلوب الصراع كمعيار للتعامل ما بين الأفراد والجماعات والبيئة، مساهمة فعالة في صياغة نموذج الصراع في الجانب السياسي العربي، كما أن معايير نموذج الصراع التي تركز على الذات والفردية في عملية صنع القرار أدت إلى تحديد كيفية استجابة صانع القرار العربي لبيئته وأضفت نوعاً من الميوعة السياسية والوظيفية على السياسات العربية، وأسهمت في آليات التصعيد الإدراكي(11)، وأما في المجال التطبيقي العملي، فإن نموذج الصراع أنتج سياسات عربية معقدة جداً وحساسة، وذلك لأن مستويات الصراع التي أشرت لها تتقاطع أحياناً وتتعارض أحياناً أخرى وتسهم في إنتاج أنماط معقدة من الاصطفاف السياسي. لقد اعتمدت المعايير العربية للعمل السياسي على درجة استقرار السلوك التحالفي من الناحية البرجماتية، وعلى ذلك فإن الحلفاء يتم اختيارهم عادة على ضوء قيمتهم السياسية الفورية دون الأخذ بعين الاعتبار الموقف على المدى البعيد، وعليه فإن العديد من الساسة العرب، عادة ما يقيمون على ضوء قدرتهم على المناورة والتكيف على ضوء المتغيرات السياسية، وليس على ضوء المضمون العملي لسياساتهم. لقد كانت النتيجة لهذه السلوكيات خلق بيئة سياسية مائعة  تتصف بالتغير المستمر للتحالفات المحكومة بالاعتبارات البراجماتية الوقتية الضيقة والمعرضة للتصفية في أية وقت، بسبب أزمة الثقة المتبادلة(12).

خامساً: أثر البعد الاقتصادي في تشكيل الشخصية العربية:

أ- يتجه العالم حالياً وبسرعة متجاوزاً معنى الامة بمفهومها القومي الذي كان سائداً في السابق إلى العولمة في المفاهيم السياسية والاجتماعية والثقافية، من خلال طروحات الديموقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان، والعولمة في الاقتصاد من خلال فتح قنوات التجارة الحرة وإنشاء التكتلات الاقتصادية الكبرى التي تتجاوز الإقليم وسن التشريعات التي تتيح حرية الانتقال الحر للبضائع والخدمات ورأس المال والإنسان، أي أن العالم يتجه حالياً إلى تحديد معالم الشخصية العالمية تحت ضغوطات الاقتصاد ومخاطر البيئة وانتهاء الحرب الباردة وحالة القطب الواحد، ولكن هذا لا يعني أن مفهوم الشخصية العالمية قد يتحقق في المستقبل المنظور، وهذا يعتمد إلى درجة كبيرة على مدى التعاون والتكامل الذي يتحقق ما بين التكتلات العالمية الكبرى الثلاثة وهي التكتل الاقتصادي الأمريكي بقيادة الولايات المتحدة والتكتل الاقتصادي الأوربي بقيادة ألمانيا وفرنسا والتكتل الاقتصادي لجنوب شرق آسيا بقطبيه الصين واليابان وعلاقة هذه التكتلات مع دول الجنوب التي تعاني من التدهور الاقتصادي المستمر.

وضمن هذا الإطار الشامل لمفهوم الشخصية العالمية من حيث بعدها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي أين تقع الشخصية العربية؟ إنه على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت خلال القرن المنصرم لتشكيل شخصية عربية واحدة، فإن الشخصية العربية لم تستقر إلى الآن وبخاصة في مفهومها السياسي والاقتصادي، وقد يعود ذلك إلى خطأ ارتكبه العرب وما يزالون يعانون منه، وهو ترتيب الأولويات ما بين السياسة والاقتصاد، وأن السؤال المطروح هل الشخصية السياسية منطلقاً للشخصية الاقتصادية أم أن الشخصية الاقتصادية منطلقاً للشخصية السياسية؟ لم يتم الإجابة عنه بشكل علمي ومحدد إلى الآن، وإن بدأت تسمع أصوات عديدة حالياً تقدم المصالح الاقتصادية والتكامل الاقتصادي على البعد السياسي، كذلك فإن العديد يتحدثون عن ضرورة توفر الإرادة السياسية لبناء الشخصية الاقتصادية وهنا أود أن أقول بأن الإرادة السياسية لا تتكون من فراغ، وإنما هي ترجمة وانعكاس لحقائق الواقع العملي أكثر منها ترجمة للمثل العليا المجردة.

ب- وعودة إلى الشخصية العربية المعاصرة، إن الدارس لظروف وواقع الشخصية العربية المعاصرة يجد أنه داخل الشخصية العربية الثقافية العامة المنبثقة عن الدين واللغة، يوجد اثنان وعشرون شخصية سياسية قطرية مستقلة، كذلك فإنه يوجد ضمن هذا الإطار تعددية في الشخصية الاقتصادية العربية فلكل قطر عربي تجربته في الاقتصاد، كما أنه يوجد له شخصية اقتصادية مستقلة منبثقة عن شخصيته السياسية المستقلة، وإن تجربة إنشاء مركبات لشخصيات اقتصادية أكبر مثل مجلس التعاون العربي والاتحاد المغاربي ومجلس التعاون الخليجي قد فشلت تحت مطرقة السياسية ولم يبق منها للآن سوى تكتل مجلس التعاون الخليجي كإطار اقتصادي غير مستقر ومحكوم بظروف سياسية وليست ذاتية حكمت وجوده واستمراره حتى الآن.

جـ- إن الحديث عن وجود شخصية عربية واحدة في الإطار الثقافي، والإدعاء بأن هذه الشخصية كافية لتحقيق الوحدة العربية، وكما يطرحه منظرو الفكر القومي العربي هو طرح مثالي وعاطفي بسيط وبعيد من الواقعية أو إمكانية التحقيق، لقد أثبتت التجارب السابقة وخلال عقود فشل هذا الطرح، وذلك لانه لم يوجد للآن داخل إطار الشخصية الثقافية العربية العامة أي محاولة جدية لتطوير شخصية اقتصادية عربية تربط ما بين مصالح الشعوب العربية وتجعلها أكثر اعتماداً على بعضها بعضاً، تمهيداً لبلورة شخصية سياسية أكثر تكاملاً، إن قوة أي تكتل وبروز شخصية مؤثرة له قادرة على صنع الأحداث وفرض الواقع، أصبح يعتمد وبشكل متزايد على بروز شخصية اقتصادية قوية ومتكاملة تستطيع أن تقف بقوة تفاوضيه أمام التكتلات الاقتصادية الكبرى الأخرى، وأن قوة الشخصية الاقتصادية تزداد بمتوالية هندسية عندما تتكامل الاقتصاديات مع بعضها بعضاً، لأن عملية جمع القدرات الاقتصادية ليست عملية ضم بسيطة، وإنما هي عملية ضم مركبة تؤدي إلى مضاعفة القوة إلى آفاق جديدة.

د- إن ظهور شخصية اقتصادية عربية متماسكة لا تهيمن عليها السياسات المحلية المتغيرة، يجب أن يكون الهدف الأسمى الذي تسعى إليه الأقطار العربية قيادات وشعوب وأحزاب وتنظيمات فلا يقبل بعد الآن أن تبقى الشخصية الاقتصادية العربية مبعثرة ومستغلة ومستلبة والمواطن العربي في حالة من التدهور والفقر وازدياد البطالة، الأمر الذي يؤدي إلى التطرف وفتح قنوات العنف بكافة أشكاله في المنطقة العربية.

إن ما هو مطروح حالياً من تحديات على الأقطار العربية أنظمة وشعوباً، هو إما التكامل الاقتصادي البناء والانفتاح الكامل ما بين الأقطار العربية وتشجيع الاستثمار والانتقال الحرّ للسلع والبضائع وحرية التملك للإنسان العربي في كافة أقطار الوطن العربي، او توقع كارثة اقتصادية عربية، وأن هذه الكارثة لن تنتظر طويلاً حتى نبدأ نرى مؤشراتها المختلفة وذلك بسبب تدني النمو الاقتصادي العربي وازدياد البطالة وتراكم المديونية وانهيار الطبقات الوسطى، وذلك مع توجه القطاع العام في عديد من الأقطار العربية بسبب الضغوطات الاقتصادية إلى الهروب من مسؤولياته في دعم الطبقة الوسطى والحفاظ على التوازن الاجتماعي المطلوب والاتجاه نحو التخاصية التي تؤدي إلى نمو رأسمالية كبرى في قمة الهرم.

هـ- يجد الدارس لظروف معظم الأقطار العربية باستثناء الدول النفطية أن هذه الأقطار ما زالت تعتمد في صمودها الاقتصادي للآن على المساعدات والقروض الخارجية من الدول الغربية واليابان، والتي تعاني نفسها حالياً من متاعب اقتصادية داخلية لن تمكنها خلال الأعوام القادمة من الاستمرار في تقديم المساعدات والقروض، لذلك على هذه الدول أن تهيئ نفسها منذ الآن لتحمل مسؤولياتها في الحفاظ على رفاهية شعوبها واستقرارها.

و- إنه على الرغم من التقدم الهائل للعديد من دول العالم في مجالات الحريات السياسية والاقتصاد والتقنية والمعلوماتية، فإن الأقطار العربية ما زالت تعيش خارج منطق العصر وتكافح بشكل فردي أو اعتماداً على صلاتها التاريخية مع دول الغرب، ولم تدرك للآن أن مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية الحقيقية في الأمن والاستقرار والرفاه والبقاء تعتمد على بناء علاقات وثيقة مع دائرتها العربية، وأن بناء العلاقات العربية البينية الذي كان سائداً في السابق بأسلوب إدارة الأزمات والاعتماد على الأسلوب المرحلي القصير والمتغير تبعاً للمواقف السياسية لا يمكن أن يستمر، لأنه لن يؤدي في أي وقت من الأوقات إلى أي تكامل اقتصادي عربي حقيقي. إن الأساس في العلاقات العربية المستقبلية هو البناء فوق الاقتصاد ووضع المتغيرات السياسية جانباً، وهذا يعني عدم تسييس العلاقات الاقتصادية، فقد عانت الأقطار العربية جميعها من إخضاع الاقتصاد ومصالح الشعوب العربية للسياسة وهو ما نتج عنخ خلخله الصف العربي وتخريبه، إن السياسة الحقيقية الواعية التي تحقق مصالح الشعوب يجب أن تخدم الاقتصاد لا أن تتعارض معه، ومن الملاحظ أنه ما لم يتم إشاعة الديمقراطية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في كافة أقطار الوطن العربي، فإن الاستبداد وامتهان حقوق الإنسان العربي وانتشار النزعات القطرية أو الطائفية أو الجهوية الضيقة لا ينتج عنها سوى بيئة سياسية متشنجة وغير مستقرة لا تخدم الاقتصاد، وإذا ما بقيت الديموقراطية غائبة عن العديد من الأقطار العربية فإن الشعوب العربية ستبقى بعيدة عن صنع قرارها وصياغة مستقبلها. وإن الشخصية الاقتصادية العربية لن تتحقق؛ لأن الشعوب العربية هي صاحبة المصلحة الحقيقية في التكامل الاقتصادي العربي أولاً وأخيراً.


الهوامش والمصادر 

 

1- K.H. Holtsi, International politics, A Framework for Analysis, 2nd ed. England cliffs, N.J. Prentice Hall ic. 1971, P, 360.  

2- Peter, Berger, And Thomas Luckmann. "The social Construction of Reality". New York, Double day And company Inc. 1967.

3- Joseph. De Rivera, "The Psycological Dimension of Foreign Policy". Columbus ohio, chareles E. Merrill publishing company - 1968.

4- Monroe, Berger, "Arab World today". Garden City, Doubleday 1954, P136.

5- Daniel, lerner, "The passing of Traditional society. "Glencoe, The Free Press, 1958.

6- Berger, Monroe, "Arab world today". P146.

7- Abram, Kardiner, "The psycological Frontiers of society". New York, Columbia uni-press 1945, PP 109 FF.

8- Sana Hammady,"Temperature and character of the Arabs". New York, Twayne publishers, 1969.

10- Bernard lewis, "The Middle East And The West". new York, Harper and Row, 1966.

11- Jarvis, Robert, "perceptions And Misperceptions". PP62 FF.

12- Y.Harkabi, "Basic Factors In The Arab Collapse During The Six Day War. Orbis, 11, No3, Fall 1967, P677.



 

 

 

 

 


الفكر القومي والمشروع النهضوي العربي "ماذا كنا؟

من نحن؟ ماذا نريد؟ "

أولاً: الفكر القومي والمشروع النهضوي العربي.

أ. المقدمة.

ب. المنطلقات الأساسية.

جـ. التحديات والآفاق 

ثانياً: المشروع النهضوي العربي إلى أين؟

أ. المقدمة.

ب. ضرورات المراجعة والتقويم.

جـ- الفكر القومي بين أزمة الفكر وأزمة التطبيق

1. أزمة الإغراق في الأدلجة.

2. أزمة تحديد الأوليات

3. أزمة الحرية والديمقراطية.

4. أزمة العلاقة ما بين العروبة والإسلام.

5. أزمة الوحدة العربية.

ثالثاً: الخطاب القومي وضرورات التجديد.

رابعاً: الكتلة الحرجة ومفهوم قاعدة الارتكاز.

أ. استراتيجية تحقيق الكتلة الحرجة أو قاعدة الارتكاز.

ب. الكتلة الحرجة ومفهوم قاعدة الارتكاز.

خامساً: ديالكتيك القومي والقطري.

سادساً: المشروع النهضوي العربي وآفاق المستقل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الفصل الثاني

الفكر القومي والمشروع النهضوي العربي ماذا كنا؟

 من نحن؟ ماذا نريد؟

 

 

أولاً: الفكر القومي والمشروع النهضوي العربي.

أ- المقدمة:

1- هناك أمر يجمع عليه معظم المفكرين والباحثين العرب في هذه الأيام، أنه لا يمكن للامة العربية أن تحقق أي إنجاز حضاري يحفظ لها أمنها وكرامتها ومستقبلها ويحميها من العدوان الخارجي ويوفر لها السلام والأمن ويحقق لها وزناً إقليمياً ودولياً مؤثراً بدون إعادة الحياة إلى المشروع الوحدوي العربي،  وبناء موقف تضامني عربي على أسس جديدة ومدروسة، تعمل على ربط مصالح الشعوب العربية ببعضها بعضاً، فالبناء السليم يبدأ من القواعد، وهنا يتبادر للذهن السؤال التالي: ما هي الآليات المثلى التي يمكن اتباعها لإعادة الحياة إلى المشروع الوحدوي العربي؟ وهل يمكن أن يتم من خلال إعادة الفاعلية إلى الجامعة العربية والمؤسسات الاقتصادية والثقافية والتربوية المنبثقة عنها وهي مؤسسات ذات صفة دائمة ومستقرة؟ أم سيتم ذلك من خلال العودة إلى مؤتمرات القمة العربي وإجراء مصالحة عربية شاملة ما بين القيادات المتنافرة والمتناحرة؟ علماً أن هذه المؤتمرات ذات صبغة وقتية وقراراتها توافقية، لا تلبث أن تنطفئ بأسرع مما تلمع به، أم سيتم ذلك من خلال العودة إلى المؤتمرات الشعبية الديمقراطية التي تعمل كأداة ضاغطة على القيادات والنخب السياسية للالتقاء والعمل لما فيه مصلحة هذه الجماهير التي ما زالت للآن مغلوبة على أمرها ومغيبة عن الفعل والتأثير؟

2- إنه من الملاحظ وكما يرى البعض، أنه في هذا التصور، والذي يستند على تفعيل دور الجامعة العربية التي هي في جملتها ترجمة لمجموعة من التوافقات العربية لا يمكن أن تجدي نفعاً للمريض بقدر ما تفعل من التحذير ولا تعالج المرض، وبخاصة أن الجامعة العربية مضى على تأسيسها أكثر من ستة عقود ولم يتسن لها أن تفعل شيئاً ذا قيمة لحل الخلافات العربية العربية أو توسيع دائرة التعاون العربي والتقدم بصيغة الجامعة العربية لترتقي إلى مستوى الجامعة الأوروبية التي تضم أمماً شتى وقوميات مختلفة دخلت حربين عالميتين ضد بعضها بعضاً خلال القرن المنصرم فقط. كما أن العودة إلى مؤتمرات القمة وكما يطالب العديد لن تكون حالها أفضل من حال مؤتمرات الجامعة العربية، وذلك لأن مؤتمرات القمة ليست إلا ترجمة أمينة لحالة التنافر والشقاق والتناحر ما بين العديد من القيادات العربية لأسباب أيديولوجية وشخصية ومصلحية وتدخلات خارجية لا تضمر خيراً لهذه الأمة. إن تانك الحالتين التي أشرت إليهما لا تعطيان أهمية لدور الشعوب العربية، كما أنهما محاولة لإعادة الزمن إلى الوراء لعدة قرون، فالشعوب العربية في مطلع القرن الواحد والعشرين لا ترغب أن تجلس على المدرجات لتراقب الممثلين وهم يؤدون أدوارهم على المسرح السياسي العربي، ولا يكون لها من دور سوى التصفيق إذا كان ذلك الدور يدغدغ العواطف أو التثاؤب والملل إذا كان ذلك الدور جاداً وواقعياً، لقد تمكن عمالقة المسرح القومي العربي خلال الحقبة الماضية وبما يتحلون به من نفوذ وكريزما شخصية وبما تحظى به الشعوب من ضعف واستلاب وتبعية من التلاعب بعواطف الجماهير ولفترة طويلة تحت شعارات الحرية والديمقراطية وتحرير فلسطين، ولكن ما إن أفاقت هذه الشعوب من سباتها واستلابها، حتى فوجئت بأن الحرية المنشودة أصبحت استبداداً يفوق استبداد الأجنبي والديمقراطية صارت حكماً فردياً أو حزبياً مطلقاً لا مجال للشعب فيه سوى التصفيق والتهريج للقائد الفذ أو الحزب العقائدي الذي سيخرج الأمة من الظلمات إلى النور، وإن تحرير فلسطين كان الكذبة الكبرى التي سوقت للشعوب لاكتساب الشرعية وممارسة الاستبداد والفردية واستلاب الحرية بذرائع الأعداد لمعركة المصير، وبالتالي فقد كان من نتيجة ذلك، ضياع كامل فلسطين بدل تحرير كامل فلسطين، وكما كانوا يزعمون ويعدون الشعوب.

3- لقد آن الأوان لأن يعود إلى الجماهير العربية دورها، وهذا مطلب يصب في مصلحة الأمة أنظمة وشعوباً ودولاً، فالمستقبل يخبئ مفاجآت عديدة والأوضاع السياسية والاقتصادية الضاغطة لا يمكن تلطيف آثارها إلا بمشاركة الشعوب في مواجهة هذه القضايا وإسناد واجب البحث عن حلول لها على كامل الشعوب، ممثلة بمجالس نوابها المنتخبين ديمقراطياً، والذين يعملون لجسر الثقة ما بين الشعوب والأنظمة والدول وأن هذا يفرض أن تبادر الشعوب العربية بمختلف مؤسساتها المدنية والحزبية، وفي كافة أنحاء الوطن العربي، لفرض طبيعة دورها المستقبلي، وأن تضع السيناريو الصحيح للسياسيين وبما يتناسب مع مصالحها ومن خلال الوسائل الديمقراطية وإتاحة المجال للجماهير للمشاركة في صنع قرارها وصياغة مستقبلها وتحديد أسلوب حياتها.

ب- المنطلقات الأساسية:

1- تعد الديمقراطية ممثلة بالتعددية الفكرية والسياسية ومظهرها العام الأحزاب، العمود الفقري للمجتمع المدني الحديث، فلا يمكن بأي حال من الأحوال تصور ديمقراطية بدون تعددية في الآراء والأفكار والمناهج السياسية والاقتصادية التي تقدم حلولاً مختلفة للمعاضل التي تواجه المجتمع، وفي هذا المجال فإذا ما كانت الأحزاب السياسية مظهراً من مظاهر الحياة الديمقراطية وجزءاً من الحل للأشكال السياسي المتمثل بمن يحكم وكيف نحكم، فماذا يمكن وصف الأحزاب التي ظهرت على الساحة العربية خلال الحقبة الماضية؟ هل كانت جزءاً من حل للإشكال السياسي والاجتماعي والاقتصادي؟ أم كانت جزءاً من ذلك الإشكال المزمن؟ يرى العديد من الباحثين والدارسين لمسيرة الأحزاب العربية خلال العقود الماضية، أن الأحزاب العربية لم تقدم الحل ولم تكن الحل وإنما كانت جزءاً من المشكلة السياسية العربية المزمنة، وربما يعزى ذلك إلى الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نشأت بها الأحزاب العربية، فقد شهدت المنطقة العربية أنماطاً فريدة من الأحزاب العقائدية التي ادعت الوحدانية ونفت الآخر، كما أنها عرفت الأحزاب الكومبرادورية الحاكمة التي كانت تتشكل وتتكاثر حول الحاكم، والذي عادة ما يكون العرّاب لذلك الحزب الحاكم، إن المتعارف عليه في الظروف الاقتصادية ان الحزب الفائز بالأكثرية البرلمانية يفرز الحاكم، في حين أن ما يحدث ولا يزال يمارس للآن في معظم منطقتنا العربية الفريدة في أوضاعها، أن الحزب ينمو ويتكاثر حول الحاكم وأجهزته. وأن الحالة التاريخية الوحيدة التي كان يظن أنها حالة حزبية ديمقراطية كانت لبنان، والتي تبين بعد أول صدمة أنه كانت تحت قشرة الديمقراطية الرقيقة تركيبة متنوعة من الأحزاب الطائفية المتناحرة.

2- أرى أن ما هو مطلوب حالياً، أن تبنى الديمقراطية العربية من القواعد، وفي كافة المجالات الحياتية والتربوية والثقافية والسياسية آخذين بعين الاعتبار الأوضاع الخاصة الاجتماعية والاقتصادية والقيميه للمجتمعات العربية، وهذا يتطلب أن نعيد بناء مناهجنا التربوية في المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام المختلفة بما يخدم التربية الديمقراطية الصحيحة، وكذلك العمل على إعادة صهر منظوماتنا السياسية، التي تم بناؤها سابقاً على أسس غير سليمة بحيث كثر فيها العيوب وأصبحت آيلة للسقوط، وأن تقوم التنظيمات الشعبية العربية وفي مقدمتها الأحزاب التي تؤمن بالديمقراطية والقوى ذات الانتماء الوطني العروبي بتعزيز وجودها على الساحة السياسية وتحطيم الحواجز المادية والمعنوية التي بنيت خلال فترات سابقة بسبب التوجهات الفكرية المتعارضة والممارسات الخاطئة والحساسيات والطموحات الشخصية ومحاولات تصدير الأفكار بالقوة، وذلك لإعادة الحياة إلى العلاقات ما بين الشعوب العربية، التي كانت علاقاتها أفضل حالاً قبل تشكل الدول العربية الحديثة الوطنية منها والقومية. وهذا يتطلب أيضاً أن تكثف الأحزاب والتيارات الديمقراطية من وجودها في الشارع العربي، وأن تتحسس قضايا ومشاكل المواطن العربي وتقدم له حلولاً عملية ومدروسة تنعكس إيجابياً على أمنه واستقراره ورفاهيته.

كما أن المسؤولية تفرض على هذه الأحزاب أن تكثف صلاتها وعلاقاتها مع التيارات والأحزاب الوحدوية الديمقراطية في الأقطار العربية في مواجهة الاستبداد والانعزالية والنفعية وقوى الشد العكسي، التي نجحت خلال الحقبة الماضية من دحر فكرة الوحدة العربية وخربت علاقات التضامن العربي وألحقت أفدح الأضرار بالأمن القومي العربي، التي لا زلنا نعاني منها حتى الآن.

3- لقد جاءت مبادرة حزب المستقبل الأردني بدعوة هذا الحكم الكبير من قيادات الأحزاب العربية لعقد مؤتمر عام في عمان العرب، خطوة إيجابية تصب في مصلحة تفعيل العمل الجماهيري الديموقراطي العربي الذي تم تغييبه ومصادرته لفترة طويلة، إلا أن اللقاء والاجتماع لا يعد فضيلة بحد ذاته. وإنما الأهم من ذلك ما يمكن أن ينتج عن هذه اللقاءات من آثار إيجابية وقرارات عملية قابلة للتنفيذ، لقد تم تجميع الأحزاب العربية في عمان أحزاباً قائدة وحاكمة وطائفية وديمقراطية، وهذا بحد ذاته تشكيل هجين وغريب، لوجود العديد من التناقضات ما بين أطراف هذه التركيبة، وذلك لتعارض الاستراتيجيات الفكرية والسياسية وعدم انطلاق هذه الأحزاب من قاعدة استراتيجية واحدة، والقاعدة الاستراتيجية الوحيدة التي يمكن أن تكون منطلقاً للأحزاب العربية هي الديمقراطية بما تتيحه لكافة القوى والتيارات والأحزاب من التفاعل البناء المثمر في مناخ طبيعي من الفهم والتفهم المتبادل وسماحة إبداء الرأي وقبول الرأي الآخر.

إن ميل العديد من الأحزاب العربية خلال العقود الماضية إلى التطرف والتمترس خلف شعارات الأحزاب القائدة أو الحزب الحاكم، لم يساعد على خلق مناخ صحي يساعد على إنجاح المؤتمرات العامة وبخاصة إذا ما عرفنا أن الخلافات ما بين هذه الأحزاب أصبحت خلافات تاريخية مزمنة وتتفوق على خلافاتها مع القوى الأخرى المعادية للامة.

4- إن هذا البلد الذي يتقدم بخطى ثابتة نحو الديمقراطية، وعرف عنه الاعتدال والوسطية خلال مسيرته التاريخية، يجب على أحزابه الديموقراطية أن تعمل على فتح خطوطها مع الأحزاب الديمقراطية الحقيقية وأن تجعل من الالتصاق بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان العربي وحريته شرطاً أساسياً في التواصل والتفاعل.

5- لا تعد الاجتماعات واللقاءات لقيادات الأحزاب العربية هدفاً في حد ذاتها، وإنما تقاس الأمور بمقدماتها ونتائجها، لأن التحضير الشامل والمدروس يؤدي في النهاية إلى النجاح، فلا يعقل ولا يقبل ونحن على أعتاب القرن الواحد والعشرين أن نجتمع تحت شعار العاطفة أو كرد فعل لظروف أو مواقف معينة فحسب، لأن الشعوب العربية وقد عاصرت عشرات اللقاءات والمؤتمرات وعلى كافة المستويات ولم تر نتائج إيجابية ملموسة أصبحت تنظر بعين الحذر والترقب، فهي لا تريد أن تبني آمالاً وتوقعات عالية لا تلبث أن تتحول إلى مزيد من الإحباط واليأس الأمر الذي قد يفسد أية محاولة لتفعيل الدور الشعبي مستقبلاً.

إن التلاعب بالعمل الشعبي الجماهيري العربي في الماضي وفبركته وتوظيفه باتجاهات خاطئة لخدمة مصالح شخصية أنانية إرضاء لشهوة تمجيد الذات أو خدمة لأغراض حزبية لا تمت بصلة لمصالح الشعوب العربية، أدى إلى ضعف فاعلية العمل الجماهيري وفشله، لذلك ينبغي على الجميع أن يدرسوا أسباب الفشل لتلافيه، والذي جاء معظمه بسبب غياب الخيار الديمقراطي وضمور الشرعيات السياسية واهتزاز صورتها، الذي جعل بعض الفئات الحاكمة تلجأ لتعزيز شرعيتها المتآكلة من خلال انتهاج وسائل القهر والتلاعب بعواطف الجماهير تحت شعارات جوفاء طنانة لا مضمون عملي لها.

6- إن البناء الحالي ينبغي أن يكون على أسس جديدة وصلبة، وليس على قصور من الورق أو من خلال الأوهام والأبراج العاجية، فالبناء يجب أن يؤسس على قواعد شعبية صلبة مسلحة بالديمقراطية والشرعية الحقيقية وليست المزيفة، كما يتوجب على المنظمات الجماهيرية العربية وفي مقدمتها الأحزاب الديمقراطية أن تدرس تجارب الماضي بكل عثراتها وإخفاقاتها وهزائمها بكل عناية ودقة وموضوعية. وان تدخل إلى المحرمات وعدم إعطاء هالة من القداسة للأفراد أو الأحزاب، كما ينبغي عليها أن تعيد تحديد الثوابت القومية التي تمثل القواسم المشتركة التي يمكن أن يتفق عليها الجميع وتكون منطلقاً لهم، ويأتي في مقدمة هذه الثوابت، الحرص الأكيد على الأمن القومي العربي الشامل بأبعاده العسكرية والجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والغذائية والمائية، والإيمان بالديمقراطية والوسطية والاعتدال كوسيلة للحكم وتداول السلطة سلمياً، وتحريم استخدام القوة في حل المشاكل البينية العربية، وكذلك اعتبار الأرض العربية وحدة جغرافية واحدة لا يمكن التفريط بأي جزء منها، وأن تأخذ العلاقات العربية البينية الأولوية والرعاية على أية علاقات إقليمية ودولية، كذلك تحريم استخدام او تشجيع التوجهات الطائفية والإقليمية والقبلية في المجتمعات العربية، والسعي لإيجاد مجتمع عربي مدني تحكمه المؤسسات والقوانين، إن هذه الثوابت تمثل الأرضية المشتركة التي يمكن أن ينطلق منها أي عمل عربي ناجح سواء اكان ذلك العمل عملاً جماهيرياً أم رسمياً.

7-  إن من أساب فشل جهودنا الشعبية والرسمية في السابق، أن البعض كان يبدأ عن قصد أو غير قصد في إثارة نقاط الخلاف لدى كل لقاء في محاولة منه لجر بعض الاطراف إلى موقفه، وبالتالي خلق محاور عربية متناقضة ومتناحرة، الأمر الذي أفقدنا في السابق القدرة على صياغة استراتيجية عربية متناغمة، وأدى إلى إيصال الأمة إلى هذا الحال من التردي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، على الرغم من إمكاناتها الاقتصادية والمالية الكبيرة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي الحيوي وهذا الكم الهائل من القوى البشرية المهمشة وغير الفاعلة.

جـ- التحديات والآفاق:

1- لقد حاول عديد من المفكرين والسياسيين العرب أن يلقوا باللوم على ممارسات الأنظمة العربية لدى دراستهم لأسباب الفشل والإخفاق التي عانت منها التجارب القومية العربية بخاصة، وأسباب التردي التي وصلت لها الأمة العربية بعامة، ولكن الدارس لأوضاع المنطقة العربية وسياق تطورها الاجتماعي والسياسي خلال العقود الماضية، يجد أن العديد من أدوات العمل الجماهيري وفي مقدمتها الأحزاب كانت قاصرة وعاطفية وساهمت مساهمة كبيرة في إحباط وتدمير فكرة الوحدة العربية والتضامن العربي الذي كانت تنادي به كشعار وتقاومه ممارسة وأفعالاً، وربما كان لدور أدوات العمل الجماهيري غير المنظم والعقلاني أثر يفوق دور الأنظمة المتنافسة، وذلك بسبب ضيق الآفاق الفكرية وتجمدها وعزلتها واحتكار السوق السياسي والنزق في العمل الحزبي وإقحام الأحزاب العربية نفسها في دائرة الصراع الطبقي في المجتمعات العربية ومحاولاتها تأليب طبقات اجتماعية ضد طبقات اجتماعية أخرى تحت مسميات وذرائع عديدة، وبدلاً ن أن تتشكل هذه الأحزاب من كافة فئات المجتمع لتصل إلى صيغة تمثيلية حقيقية لشرائح المجتمع، فإنها تشكلت على شكل واحات وجزر مهجورة لا يسكنها إلا القليل من الصفوة والمثقفين الذين عزلوا أنفسهم عن قضايا المجتمع العربي، ولم يكلفوا أنفسهم عناء التعرف على طموحاته وآماله ومعوقاته، أو أنها تشكلت من البورجوازية الصغيرة التي أعلنت الثورة على المجتمع بتقاليده وتنظيماته وقيمه، أو أنها تشكلت من تحالف البورجوازية الصغيرة مع العسكرتاريا الذين لم يلبثوا أن وضعوا يدهم على هذه الأحزاب وأصبحت امتداداً مدنياً لهم.

2- إن استعجال بعض الأحزاب العربية للوصول للسلطة وخارج الإطار الديمقراطي باستخدامها وسائل الانقلاب والعنف بعيداً عن الإسناد الجماهيري الحقيقي، جعلها تشعر بقرارة نفسها أنها معزولة ومستهدفة وغير مغطاة شرعياً وشعبياً، لذلك فقد ارتابت بكل شيء وازدادت حساسيتها الأمنية وعملت بشكل عنيف وتعسفي على نفي الآخر والشك في نواياه وحتى تصفيته، وهنا عندما أتكلم عن نفي الآخر فإنني لا أتكلم عن مجموعة من الأفراد المعارضين المستهدفين، وإنما أتكلم عن محاولة بعض هذه الأحزاب والقوى تحطيم نظم اجتماعية واقتصادية وقيم دينية قائمة ومترسخة في صلب المجتمع العربي ومنذ مئات السنين، دون تمحيص أو تمييز أو تقدير للمخاطير المترتبة على ذلك وآثارها على المجتمعات العربية على المديين المتوسط والبعيد.

إن إدعاء الوحدانية الفكرية والسياسية واحتكار شرعية الحكم والقيادة وأد بذرة الديمقراطيات العربية في مهدها كما أن ممارسات بعض الأنظمة والأحزاب وحرصها على تصدير الفكر بالقوة فاقم من الفرقة والتمزق في المواقف العربية وعلاقات الأقطار العربية ببعضها بعضاً، الأمر الذي انعكس سلباً على الإنسان العربي وإمكانية حركته وتنقله أو عمله داخل الأقطار العربية.

3- في تقديري أن هناك إجماع بين المثقفين القوميين المتنورين والنقدين بأن فك الارتباط سواء في الإطار الفكري أو في الممارسات التطبيقية ما بين التيارات والأحزاب والقوى القومية وما بين الديمقراطية كان نقطة الضعف الأساسية في بنية الحركات القومية وتطبيقاتها العملية، لذلك فإنهم يصرون أنه لا مخرج لأزمة الحركات القومية إلا بإدخال الديمقراطية كعامل أساس في الإطار النظري والعملي لهذه الحركات والأحزاب، وأن هذا المطلب كلما تحقق في وقت أقرب كلما قللنا من المخاطر المترتبة على المنطقة العربية وعملنا على تعزيز أمتنا الوطني والقومي.

4- إن استشراء الفردية والاستبداد وكبت الحريات وامتهان الحقوق الأساسية للإنسان العربي منع من تشكيل إطار معارضة حقيقية داخل البني الحزبية أو حتى داخل المجتمعات العربية، بحيث تستطيع أن تقدم الإنذار المبكر عن الأخطاء والانحرافات وتعمل على تصويبها قبل استفحال أمرها، وبدلاً من ذلك فقد عملت على ترحيل وهروب المعارضة إلى الخارج سواء إلى دول عربية منافسة أو إلى دول أجنبية طامعة وأدخلت نفسها في إطار التنافسات العربية والإقليمية والدولية وأصبحت أداة طيعة في أيدي هذه القوى، إن هذه الظواهر والممارسات الاستبدادية شجعت أيضاً على ظهور جماعات انتهازية وصولية منتفعة داخل هيكلية الأحزاب والتيارات أو الأنظمة ساعدت على تفاقم الأزمة الداخلية من خلال الترويج، للاستبداد والفردية وجعلت منه قمة الديموقراطية، وزينت الانحراف وجعلت منه قمة الاستقامة، وبررت وسوغت للهزيمة وجعلتها النصر المؤزر مستفيدة بذلك من وسائل الإعلام الرسمية، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية سواءً، وجعل الأمة مكشوفةً أمام كافة الأعداء المتربصين بها.

5- أصبح البعد الديمقراطي ركناً أساسياً في مكونات أي مشروع نهضوي وطني أو قومي، كما أنه الوسيلة الأمثل لتعزيز شرعية ذلك المشروع وتسويقه جماهيرياً، لأن مشاركة الجماهير من خلال الديمقراطية في بناء هذا المشروع يزيد من التحامها به كما أنه يعزز شرعية القائمين عليه ويرسخ شرعية المشروع نفسه، إن أي طرف عربي رسمي أو شعبي يرغب عملياً في تصدر قيادة هذه المهمة، فلابد له من الاستناد على الديمقراطية بأبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لأن زمن التلاعب بعواطف الجماهير من خلال الكاريزما الشخصية واستعمال الشعارات الرنانة التي استخدمت في الخمسينيات والستينيات وقد ولى إلى غير رجعة، أن مطلب المراجعة الشاملة لكافة ظروف وأبعاد المرحلة السابقة هو مطلب له ما يبرره رسمياً وشعبياً، وذلك لأن رؤية الأخطاء والتغاضي عنها أو محاولة تخطيها دون دراستها ومعالجتها ومعرفة أسبابها وظروف نشوئها يعني احتمال تكرارها مرة أخرى، لذلك فإن تشجيع الدراسات الموضوعية الناقدة للأطر الفكرية والتجارب السياسية الرسمية والجماهيرية خلال الحقبة الماضية أصبح ضرورة وطنية وقومية وذلك مع تدهور حالة الأمن الوطني والقومي في المنطقة العربية واشتداد الهجمة الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة، وتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأقطار العربية، والتي تنذر بأشد العواقب للأمن الوطني والقومي العربي حاضراً ومستقبلاً.

وهذا يفرض على المفكرين والمثقفين العرب أن يفتحوا ملف الحركات والأحزاب القومية الحديثة، لإجراء مراجعة دقيقة لهذه التجارب للوقوف على أسباب الفشل والإخفاق التي منيت بها، وكذلك ملف الدولة القطرية العربية في هذا الزمن الذي تسرع فيه الدول للالتقاء لإنشاء تجمعات اقتصادية كبرى، إن الدولة القطرية إما أن تكون آلية للوصول إلى صيغة وحدوية عربية ناجحة، أو مشروعاً لمزيد من الانقسام والتجزئة.

6- باعتقادي فإن هذه المراجعة لأبعاد العمل العربي الجماهيري والرسمي التي لم يتم التطرق لها في اجتماع الأحزاب العربية الأخير في عمان، تعد الخطوة الأولى لوضع أسس جديدة تتسم بالواقعية والموضوعية تعمل على تنظيم العمل العربي الجماهيري، وتدفع بالعمل العربي الرسمي قدماً باتجاه التوصل إلى صيغة جديدة لإحياء المشروع العربي النهضوي بحده الأعلى أو تفعيل مشروع التضامن والتعاون العربي بحده الأدنى، فقد آن الأوان لإعطاء الأولوية للعمل المنظم المدروس، والتوقف عن طرح الشعارات الجوفاء التي أوصلت الأمة إلى هذا التردي الذي لا نحسد عليه.

 ثانياً: المشروع النهضوي العربي إلى أين؟

أ- المقدمة:

1- أصبح مصير المشروع النهضوي الوحدوي العربي الحديث الذي شغل حيزاً كبيراً من جهد وفكر الشعوب العربية ومثقفيها خلال هذا القرن وتعلقت به أفئدتهم في مسيرتهم الطويلة المضنية لتحقيق حريتهم ووحدتهم وتقدمهم يثير القلق لدى العديد من المفكرين والمثقفين، وبخاصة في أعقاب الإخفاقات والانتكاسات التي مني بها هذا المشروع بالرغم من التضحيات المادية والبشرية الجسيمة التي قدمتها الأمة لتحقيقه، لذلك بدأ هؤلاء بعملية تقييم ومراجعة شاملة لأسس ومنطلقات وأهداف وتطبيقات هذا المشروع خلال العقود الماضية لتقصي أسباب الفشل والتراجع من خلال عقد المؤتمرات والندوات وحلقات النقاش وصدرت العديد من المقالات التي تناقش الفكر القومي والحركات القومية الحديثة وممارساتها على ارض الواقع.

2- فالكتابات والدراسات الموضوعية حول تقييم التجربة القومية العربية خلال العقود الماضية كانت إما قليلة أو غير موضوعية في بعض منها. وقد يعزى هذا في بعض منه إلى أن الأنظمة العربية التي كانت ترفع الشعار القومي خلال تلك الحقبة كانت في سدة السلطة في أكثر من قطر عربي، لذلك ربما لم تكن معنية في تقييم تجربتها وإظهار نواحي الضعف والإخفاق والتقصير، لأن هذا المشروع كان يمثل أساس شرعيتها في الحكم. إن هذا الوضع أدى إلى إحجام بعض المفكرين والمثقفين العرب عن الخوض في هذا المعترك الذي يضعهم في موقع الصدام مع الساسة، أو إن هذا الكتابات جاءت من فئات سياسية معارضة لم تر سوى الجوانب السلبية من الصوره أو أنها كانت تطرح تصوراتها وتحليلاتها في سياق التنافسات الإقليمية والدولية وخدمة لأغراضها، وليس انطلاقاً من الحرص على المصالح الوطنية أو القومية الحقيقية.

3- إن تشجيع النقد الموضوعي البناء للأطر الفكرية والتجارب السياسية للأنظمة والأحزاب والتيارات القومية الماضية أصبح ضرورة قومية وذلك مع تداعي معم معاقل الحركة القومية العربية وفقدانها للمواقع التي كسبتها في الحقبة الماضية، الأمر الذي يتطلب من المفكرين والمثقفين العرب أن يفتحوا ملف الحركات القومية الحديثة لإجراء مراجعة شاملة ودقيقة لهذه التجارب للوقوف على أسباب الفشل والإخفاق التي قسم منها يعزى إلى الإطار الفكري غير المرن الذي لم يستجب للمتغيرات، ولكن القسم الأكبر منها يعزى إلى الممارسات والتطبيقات المخطوءة للتيارات القومية التي وصلت إلى سدة الحكم وكانت تمسك بيدها باللحظة التاريخية لترجمة الأفكار والطروحات الفكرية إلى واقع عملي على أسس علمية مدروسة، إن هذه المراجعة تعد الخطوة الأولى لوضع أسس فكرية جديدة تتسم بالواقعية والموضوعية تكون المرجعية للقائمين على إحياء لمشروع العربي النهضوي الحديث.

ب- ضرورات المراجعة والتقويم:

1- إن الظروف الاجتماعية والسياسية والتي كانت تمر بها المنطقة العربية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين والتحديات التي واجهتها الأمة العربية بسبب ظروف الاحتلال الأجنبي والاستعمار وانتشار الفقر والمرض والجهل قد أثرت في طبيعة نشوء الحركة القومية العربية التي كانت تركز على تحرير المنطقة العربية من نير الاستعمار وتوحيدها في دولة واحدة، فلا مجال لطرح البرامج الاجتماعية والاقتصادية في ظل الاحتلال وفقدان الحرية، وعلى ذلك فقد أخذ الخطاب التحرري الوحدوي صدارة الأولويات، كذلك فإن الحركات الثورية العربية انتهجت الخطاب القومي كرسالة وكذلك كآلية للوصول إلى تلك الأهداف، ولقد بقي الخطاب القومي رائجاً وسائداً وبعد تشكل الدول القطرية العربية بعد تقسيم المنطقة العربية إلى مناطق نفوذ تحت الانتداب البريطاني والفرنسي، حيث عمل هذا الخطاب كآلية لمقاومة الاستعمار الجديد أيضاً، وحيث أن الدولة القطرية التي تشكلت والحدود التي رسمت لها وضعت من قبل الدول الاستعمارية، فإن الدولة القطرية بقيت حالة غير مستقرة في نظر منظري الفكر القومي واعتبرت محطة مؤقتة للانتقال منها إلى حالة الوحدة العربية الشاملة المنشودة وعليه فإن الحدود القطرية بقيت مرفوضة وكذلك فإن الهويات الوطنية عدت هويات تمزيقية ولم تحظ بالاحترام والقبول.

2- إن المجتمع العربي الذي لم يشكل دولة خاصة به منذ مئات السنين وجد نفسه ينتقل نظرياً من حالة الهوية الاجتماعية القبلية أو الإقليمية إلى الهوية القومية متجاوزاً الإطار الوطني للهوية، في حين أنه عملياً أصبح يعيش داخل دول وطنية تحاول أن تتلمس طريقها وتبرز خصوصيتها.

3-لقد تمكن التيار القومي من أن يجسر ما بين النظرية والتطبيق في بعض الأقطار العربية عندما انطبق الشعار القومي على الشعار الوطني في بعض الأقطار العربية والشعار الوطني الوحدوي مع الشعار القومي في حالة الوحدة ما بين الأردن والعراق وسوريا ومصر عام 1958.

ولكن مع فشل التجارب القومية وانهيارها في بعض الأقطار العربية وتراجعها عن مواقعها، ومع ضعف الهويات الوطنية وعدم استقرارها أو عدم احترامها، باعتبارها نتاجاً لمعاهدة سايكس بيكو، وبسب انشغال رجال الفكر والسياسة بالمسائل القومية الكبرى على حساب القضايا والبرامج الداخلية المتعلقة بالحياة اليومية للشعوب العربية، فقد وجدت النخب السياسية نفسها ترتد متراجعة ليس إلى خط الدفاع الثاني، وهو الدولة الوطنية بمفهومها الحديث ولكن إلى خطوط الدفاع الداخلية التي لم تكن مستقرة وهي الاحتماء بالولاءات المحلية الضيقة أو الولاءات ما دون الهوية الوطنية، كون الهوية الوطنية لم يتم ترسيخ قواعدها لتمثل خط الدفاع الثاني للحركة القومية المتراجعة.

4- إن أي تحليل للتجارب القومية السابقة للوصول إلى منطلقات فكرية عملية وموضوعية جديدة للانطلاق من الخاص الوطني إلى العام القومي كما أرى، يجب أن يأخذ باعتباره، أن تبني خطوط الدفاع عن المجتمعات العربية بالعمق وبدءاً من الداخل من الدائرة الأقرب باتجاه الدائرة الأبعد، وهذا يتطلب تغييراً جوهرياً في الاستراتيجيات السابقة، التي كانت تنظر أن البناء يبدأ من الدائرة العربية أولاً ثم ننتقل إلى المجتمع المحلي، وكذلك تغيراً أساسياً في العقلية وأسلوب التفكير وبناء مدرسة جديدة تنطلق من مفهوم جديد وهو أن المشروع النهضوي العربي لا يمكن أن يبني إلا على مشاريع نهضوية وطنية ديمقراطية، وليس على أنقاض المشاريع القائمة حالياً، وهذا الأمر يعيدنا مرة أخرى إلى ضرورة تحديد أولويات المجتمع العربي بشكل موضوعي، وأن شعار الوحدة طريقنا إلى التقدم أم أن التقدم طريقنا إلى الوحدة بحاجة أيضاً إلى مراجعة جذرية، فلا يمكن تحقيق الوحدة في ظروف الفقر والتخلف والجهل وغياب الحريات، وحتى إذا ما تحققت هذه الوحدة في مثل هذه الظروف فإنها ستبقى معرضة للانتكاس مع ما ينتج عن ذلك من آثار مدمرة على فكرة الوحدة نفسها على المدى البعيد.

جـ- الفكر القومي بين أزمة الفكر وأزمة التطبيق:

1- لقد حاول كثير من الباحثين والمفكرين العرب أن يناقشوا ويحددوا أبعاد أزمة المشروع النهضوي العربي الحديث ويتقصوا أسباب انتكاس تجارب الحركات القومية العربية خلال العقود الماضية، على الرغم من وصول بعض أقطابها إلى سدة الحكم في أكثر من قطر عربي لقد حدد الباحثون أسباباً عديدة لهذا التراجع أو الفشل وهذه الأسباب ذات أبعاد فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية نتجت في الأصل عن عدة عوامل منها، مكونات الفكر القومي الحديث نفسه، وممارسات التيارات القومية وقوى الشد العكسي الداخلية والخارجية، وبذلك فقد تم تحديد عدد من الأطر لهذه الأزمة وهي أزمة المرجعية المتعلقة بالأطر الفكرية المختلفة وأزمة التطبيق المتعلقة بمسار التيارات القومة والقوى الخارجية المعادية لفكرة هذا المشروع وعليه فإني أرى أن مأزق الحركات القومية قد نشأ بسبب عدد من الأزمات المركبة والمتداخلة وهي:   

أ- أزمة الإغراق في الأدلجة: يأخذ العديد من المفكرين على الفكر القومي العربي الحديث، أنه كان ميالاً للانغماس في القضايا الفكرية وإثارة حالة من الجدل العقيم حول قضايا هي أقرب إلى الترف الفكري المجرد منها إلى الواقع العملي المستند على التقييمات الموضوعية والمنطقية للأوضاع والمواقف ومعسكر الأصدقاء ومعسكر الأعداء، وفي غمرة هذا الجدل الفكري المجرد فإن الواقع العملي ومشاكل وهموم الإنسان العربي لم تدرس الدراسة الكافية التي تستحقها الأمر الذي عزل المفكرين القوميين عن مجتمعاتهم وجعل منهم نخباً من المثقفين تعيش في زنازن أو أبراج فكرية مغلقة صنعوها بأبديهم.

إن التخطيط السليم يبدأ بمعرفة النفس ومن ثم معرفة القوى المعادية والظروف المحيطة المؤثرة وحيث أن مرحلة التخطيط كانت متضاربة أو غير مدروسة فإن التنفيذ جاء مشوهاً أو مخطوءاً، لذلك فإن حلقة التخطيط لدى منظري الحركات القومية والفكر القومي العربي كانت من أضعف الحلقات ولم تستند على أسس علمية بقدر ما كانت تستند على اجتهادات فردية يغلب عليها الطابع الحماسي العاطفي. لذلك فإن التعبير كان في معظمه عاطفياً انصب على تمجيد العروبة والتركيز على الإثبات للأعداء بوجاهة هذا المفهوم كإطار لتوحيد العرب، أي أن التنظير في معظمه كان دفاعياً سلبياً ولم يكن تعرضياً إيجابياً، لقد استهلك المنظرون والمثقفون العرب وقتاً وجهداً كبيراً في القضايا النظرية وكان الأجدر بهم أن يركزا على الأبحاث العملية التي تعزز الوحدة العربية وبيان الكيفية المثلى لتحقيق هذه الوحدة وبناء الدولة القطرية الحديثة والتي يمكن أن تمثل الرافعة الحقيقية لتحقيق ذلك.

لقد اتجه الفكر القومي والقيادات المنبثقة عنه في تعامله مع القضايا المصيرية إلى الحل التاريخي دفعة واحدة. وقد ظهر ذلك في معالجته لقضايا مهمة جداً تمثل صلب الفكر القومي وهي قضية الوحدة العربية وقضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي وقضية التحديث الاجتماعي.

إن لجوء القيادات القومية إلى المطالبة بالحل التاريخي السريع دون وجود المقومات العملية لهذا الحل، أو بنظرية حرق المراحل في إطار التغيير الاجتماعي، دون تقدير صحيح لمكونات وإمكانات القوى الكابحة والمضادة في المجتمع العربي وابتعادها عن النهج المرحلي في التعامل مع القضايا ضمن الإطار العام للهدف القومي، قد ساعد على جر التيارات القومية وهي طرية العود وغير مهيأة بالشكل الكافي إلى منطقة القتل ولقد كان ذلك من الأخطاء الرئيسة التي ارتكبها منظرو الفكر القومي في السابق والتي يجب أن يعيها العاملون على إحياء المشروع النهضوي الحديث.

ب- أزمة تحديد الأولويات: عندما حاول المفكرون والساسة العرب أن يضعوا الإطار الفكري للمشروع النهضوي العربي فقد اختلفوا في ترتيب الأولويات بين قضايا الوحدة والحرية والاشتراكية، وكذلك فإنهم اختلفوا في أولويات التطبيق لكل عامل من هذه العوامل، فقد وضعت بعض التيارات القومية الوحدة العربية في أعلى سلم أولوياتها، وبعضها الآخر وضع الاشتراكية في أعلى سلم أولوياتها، وعلى ذلك فقد احتدم جدل واسع بين أطراف الفكر القومي أضاع الكثير من الجهد والوقت والإمكانات حول هل يجب أن تكون الوحدة شرطاً للاشتراكية أم أن الاشتراكية يجب أن تكون شرطاً للوحدة، إن هذا الجدل الفكري العقيم حول الأولويات أضر بمسيرة الوحدة العربية كما ألحق ضرراً بالغاً بالتيارات القومية المختلفة، وكان من نتيجته المحتومة المراوحة في نفس المكان بحيث أننا لم نتمكن من تحقيق الوحدة لأننا ننتظر تحقيق الاشتراكية ولم نحقق الاشتراكية لأننا ننتظر تحقيق الوحدة.

جـ- أزمة الحرية والديمقراطية: لقد كانت الحرية شعاراً من شعارات الحركات القومية الهامة وبخاصة أثناء مقاومة الاستعمار، ولكن هذا الشعار فقد مضامينه العملية لدى نيل العديد من الدول العربية استقلالها ورحيل الاستعمار، وهنا فإن مفهوم الحرية بدأ يأخذ أبعاداً جديدة في الفكر القومي، فأصبح يقصد بالحرية على الصعيد الخارجي دعم الدول والجماعات الأخرى في العالم التي تصارع الاستعمار لنيل حريتها. وفي هذا البعد فإن قرب عهد الأقطار العربية بالاستقلال وضعف منظوماتها الاقتصادية والإدارية وبنيانها الاجتماعي وتدني مستوى المعيشة وانتشار الفقر والمرض والجهل لم تمكن هذه الأقطار والتيارات من التصدي لهذا الشعار الذي يحتاج إلى إمكانات اقتصادية وسياسية وعسكرية كبيرة لتطبيقه. وعلى ذلك فإن الشعار لم يخرج عن كونه تنظيراً، كما أنه أوجد مبررات قوية للدول الكبرى المهيمنة على مقاليد العالم للتدخل في الشؤون الداخلية للأقطار العربية بحجة الحفاظ على مصالحها في مواجهة هذه الادعاءات والمزايدات الكلامية الجوفاء الخالية من اي مضمون.

واما على الصعيد الداخلي فإن الحرية كإطار فكري وشعار لم توضع لها آليات عملية للتطبيق، وكان الأمر المنطقي أن الدول العربية التي ناضلت لأكثر من قرن لنيل حريتها من الأجنبي أن تحصل على حريتها في داخل أوطانها، وذلك عن طريق فتح المجال للديمقراطية والتعددية السياسية واحترام حقوق الإنسان العربي، إلا أن هذا لم يحدث وبعد عدة عقود من نيل العديد من الأقطار العربية حريتها من المستعمر الأجنبي، لا زالت تناضل لنيل حريتها من الأنظمة الحاكمة، وهنا أيضاً فإن الحركة القومية العربية وتياراتها المختلفة وقعت في الخطيئة الكبرى القاتلة، وهي عدم تحديد الإطار الفكري السليم لمفهوم الحرية. إن الدارس لتاريخ الفكر القومي والحركات القومية العربية وتطبيقاتها المختلفة يجد أن فك الارتباط ما بين موضوع الحرية والديمقراطية الحق أذى كبيراً بمصداقية الفكر القومي ومعتنقيه وساعد على انتكاسه وشكل تهديداً خطيراً لمستقبله.

د- أزمة العلاقات ما بين العروبة والإسلام: إن موضوع تحديد علاقة صحيحة وسليمة قابلة للتطبيق ما بين العروبة والإسلام كان من أهم العوامل التي فشل الفكر القومي والحركات القومية العربية في تحقيقه. فقد فشل في تقديم وصفه ناجحة ومقنعة للجماهير العربية حول هذا الموضوع الحيوي. ولقد كانت تتراوح الطروحات حول هذا الموضوع في الفصل الكلي ما بين العروبة والإسلام من خلال الطرح العلماني، إلى النظر للبعد الإسلامي على أنه جزء منهم من تراث الأمة وتاريخها الحضاري فقط. وبسبب ذلك فقد بقيت قضية العلاقة ما بين العروبة والإسلام لم تحل للآن وتمثل تحدياً للمنظرين والمفكرين القوميين وبخاصة بعدما تفاقمت أزمة هذا الفكر من جهة وتصاعد تيار الإسلام السياسي من جهة أخرى.

لقد كان التيار القومي العربي في فترة الخمسينيات والستينيات هو التيار الأقوى على الساحة العربية لوصوله للسلطة في أكثر من قطر عربي الأمر الذي جعل مناصريه يعتقدون أن العروبة شقت طريقها وترسخت واكتسبت وجوداً مستقلاً عن الإسلام، وكذلك فإن هزيمة أقطاب التيار القومي عام 67 ونتائج حرب الخليج الثانية عام 1991، وما تلاها من أحداث أدت إلى إضعاف التيارات القومية وتراجعها ونمو تيار الإسلام السياسي كرد فعل تلقائي للتيار القومي المهزوم والمأزوم فكرياً وسياسياً واقتصادياً.

إن هذا الموقف يفرض على التيارات القومية أن تفتح مرة أخرى ملف العلاقة ما بين العروبة والإسلام، وذلك لوضع إطار جديد لهذه العلاقة ينسجم مع تطلعات الغالبية العظمى من الشعب العربي. إن معادلة الإسلام والعروبة هي المعادلة القادرة على توحيد المنطقة العربية التي تقطنها أغلبية مسلمة كما أن الطوائف الدينية الأخرى هي مسلمة حضارة وثقافة وعادات وتقاليد وتاريخ، فمفهوم العروبة يمكن أن يجد صلة توحيد مع العرب غير المسلمين ومفهوم الإسلام يمكنه أن يجد صلة توحيد مع الفئات الإسلامية غير العربية في الوطن العربي.

 

هـ- أزمة الوحدة العربية: إن حماس الجماهير العربية لقضية الوحدة كان حماساً شديداً وخاصة في فترة الخمسينات والستينيات عندما كان المد القومي في أوجه وكانت الكيانات القطرية هشة ولم تترسخ قواعدها، لقد عزز هذا الحماس الأخطار والتحديات التي كانت تواجه الأمة العربية.

1- تمثل الوحدة العربية هدفاً مرجواً ومأمولاً للعرب وأنصار الفكر القومي العربي، ولا شك أن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب إتباع الوسائل الملائمة لذلك. إن تحدي الوسيلة كان من أحد العثرات التي منيت بها الحركات القومية والفكر القومي التي ركزت على العنف كوسيلة لتغيير الأنظمة السياسية المنافسة أو لتصفية المعارضة، في حين أن الديمقراطية كوسيلة للوصول إلى الحكم أو الوحدة العربية لم تطرح كآلية عملية على الرغم من أهمية هذا العامل. إن مهمة تحقيق الوحدة العربية تقع على عاتق كافة الشعوب العربية وفي مقدمتها القوى القومية التي تؤمن بأهمية وضرورة المشروع النهضوي العربي، وهذه الوحدة لن تتم إلا بتوفر الإرادة الشعبية التي تخلق الإرادة السياسية الديمقراطية الوحدوية، أو توفر الإرادة السياسية القومية التي تخلق الوعي الجماهيري العاقل الذي يؤمن بالوحدة العربية ويسعى إلى تحقيقها.

2- إن التلاعب بالمفهوم القومي والفكر القومي وتفسيره على ضوء المصالح القطرية قد أوجد أكثر من فكرة قوميه وظفت لخدمة المصالح القطرية. إن هذا الاستخدام الانتهازي لفكرة القومية بالإضافة إلى عدد من العوامل منها، اختلاف وتناحر الأنظمة العربية وتضارب المصالح واختلاف مستويات التطور الاجتماعي والاقتصادي والاختراقات الإقليمية والدولية، قد ساهم بشكل مباشر بانتكاسه الفكر القومي والحركات القومية وعرقل عمليات الوحدة العربية خلال العقود الماضية.

3- إن الفجوة ما بين النظرية والتطبيق في موضوع الوحدة العربية كان كبيراً، فعلى الرغم من أن الوحدة العربية رفعت كشعار لمعظم الأقطار العربية، فإن الممارسات كانت مختلفة تماماً ولا تنطبق مع الشعارات، فمعظم مشاريع الوحدة العربية التي كانت تطرح كشعار من قبل العديد، لم تكن تهدف إلى تحقيق وحدة عربية جدية بقدر ما كانت تهدف إلى تعزيز الشرعية، حيث ان الطروحات الوحدوية كانت تبرز إلى الواجهة عندما تتعثر البرامج السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية وتهتز أسس الشرعية، أو عندما تتعرض الدولة أو النظام لخطر خارجي، ولدى انتهاء الأزمة أو زوال الخطر أو استقرار الأوضاع الداخلية كانت تتنصل من طروحاتها.

ثالثاً: الخطاب القومي وضرورات التجديد:

أ- إن الظروف الاجتماعية والسياسية التي مرت بها المنطقة العربية خلال القرن التاسع عشر والعشرين والتحديات التي واجهتها الأمة العربية بسبب ظروف الاحتلال الأجنبي والاستعمار وانتشار الفقر والمرض والجهل قد أثرت على طبيعة نشوء الحركة القومية العربية وحددت إلى درجة كبيرة أهدافها المباشرة التي كانت تتركز على تحرير المنطقة العربية من نير الاستعمار وتوحيدها في دولة واحدة.

ب- إن وقوع الجناح الشرقي تحت نير الحكم التركي وانحراف هذا الحكم وبخاصة في مطلع القرن العشرين ولدى وصول جماعة الاتحاد والترقي للحكم ومناداتهم بالقومية الطورانية ومحاولات تتريك العرب وطمس هويتهم، قد حدد شكل الخطاب القومي العربي في ذلك الوقت، والذي بدأ يأخذ شكل مقاومة عمليات التتريك ومحاولة الإصلاح من الداخل ومن ثم الثورة والبحث عن الاستقلال. أما في الجناح الغربي للوطن العربي الذي كان يخضع لسيطرة الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين فإن الخطاب العربي أخذ شكلاً آخر ذا مضمون إسلامي بسبب طبيعة التحدي حيث كان يتركز على مقاومة الاستعمار الغربي بكل أشكاله وصوره. ولم يكن هناك ظهور واضح في هذا الخطاب بالنسبة لموقفه من الحكم التركي وسلوكياته في المشرق العربي، لأنه لم يكن يواجه هذا التحدي مباشرة، وبناء عليه فقد كان هناك أكثر من خطاب وطني عربي واعتماداً على طبيعة الخطر ونوعية التهديد، إن الصورة الأمثل والواضحة لخطاب قومي فكري وتطبيقي كان انطلاقه الثورة العربية الكبرى عام 1916 من أجل تحرير العرب واستقلالهم ووحدتهم، ولقد تبعت الحركات القومية التي ظهرت لاحقاً الخطاب القومي للثورة العربية الكبرى أو استلهمت شعاراتها وأهدافها من مبادئ هذه الثورة وإن حاولت إضفاء طابع الحداثة والتقدمية على خطابها شكلاً.

جـ- من المعروف أن أي خطاب فكري وسياسي هو نتاج للظروف والأحوال والتحديات والقوى والإمكانات المتوفرة في ذلك الوقت وحيث أن الأوضاع المحلية تتغير اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً والأوضاع الإقليمية والدولية دائمة التغير فإن ما يمكن أن يصلح كخطاب في الخمسينيات قد لا يكون صالحاً في السبعينيات وما هو صالح في السبعينات قد لا يكون صالحاً مطلع القرن الواحد والعشرين.

د- إن الخطاب القومي الحديث يجب أن لا ينحى منحاً عاطفياً ويقفز فوق حقائق الواقع، وأن تنصب كافة الجهود على ضرورة بناء مجتمعات عربية ديموقراطية متطورة وواعية لحقوقها ومسؤولياتها ضمن وحدات اجتماعية واقتصادية وسياسية متكاملة انطلاقاً من مبادئ الديمقراطية واحترام الإنسان العربي، تكفل صهر وتذويب الولاءات المحلية الضيقة وبناء هوية وطنية متماسكة تمثل الخطوة الأولى قبل الانطلاق إلى المجال العربي الرحب، لتحقيق فكرة الوحدة العربية أو التكامل القومي العربي وضمن وحدات جغرافية متكاملة تمثل قاعدة الانطلاق إلى التكامل القومي الشامل، إن خلق هوية وطنية متماسكة يحترمها الجميع ليس مرده الحرص على الهوية القطرية أو وسيلة لتكريسها ولكن دافعه الحفاظ على المجتمعات العربية من التفتت والتمزق ضمن هويات طائفية أو إقليمية جديدة. ومن هذه الهوية الوطنية المتماسكة والمستقرة، ومن خلال المشاريع النهضوية الوطنية الديمقراطية ننطلق باتجاه تحقيق المشروع النهضوي العربي الديمقراطي العتيد تدريجياً وبالوسائل الديمقراطية واعتماداً على خلق المصالح المشتركة ما بين الشعوب العربية والاعتراف بخصوصيات كل مجتمع لأن ظروف تطور هذه المجتمعات لم تكن واحدة وأن مستويات التطور والتحديث لم تكن متكافئة ويأتي هذا انسجاماً مع التقييم الموضوعي الشامل لمسيرة التيارات القومية وأخطاءها السابقة التي كانت تقدم العام القومي على الخاص الوطني، بحيث إننا لم نتمكن من إنجاز العام القومي الذي كنا ننشده، ولم نبني الدولة القطرية الرائدة التي يمكن أن تشكل الرافعة الحقيقية لمشروعنا القومي الوحدوي المنتظر.

رابعاً: الكتلة العربية الحرجة ومفهوم قاعدة الارتكاز:

أ- استراتيجية تحقيق الكتلة الحرجة أو قاعدة الارتكاز:

1- لقد انتهج المفكرون القوميون العرب خلال الحقبة الماضية نهجاً رومانسياً طوباوياً في نظرتهم لموضوع الوحدة العربية ومفهوم الأمة، ولم يتعاملوا مع تلك القضايا بنظرة واقعية تحليلية لمعرفة الظروف والعوامل التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والتحديات التي كانت تواجه المجتمعات العربية كلاً على حدة والتي أثرت على تطورها. لقد نظر هؤلاء المفكرون إلى الأمة كما يريدونها أن تكون وليس لما هي كائنة عليه فعلاً، حيث نظروا إلى الأمة ومجتمعاتها على أنها متجانسة ومتوازنة اجتماعياً واقتصادياً وبشرياً وهذا أيضاً كان بعيداً عن الواقع العملي، لذلك لم يتمكنوا من رؤية التمايز والفوارق داخل المجتمعات العربية في إطار سعيهم إلى إثبات أو تحقيق التماثل والتكامل الشامل. فعلى سبيل المثال فإن ظروف تطور المجتمعات في جنوب الجزيرة العربية تختلف عن ظروف تطور المجتمعات العربية في العراق أو سوريا أو الجزائر أو المغرب الأمر الذي يجعل هناك تمايزاً وخصوصية لهذه المجتمعات.

2- إن المشاعر العاطفية ليست وحدها كافية لتجاوز التمايز، وذلك بسبب ظروف الواقع وتحدياته وتعقيداته، وأن مقولة أن ما يحدث في بلد عربي يهز مشاعر الأمة العربية وإن كان صحيحاً فإنه ليس كافياً لتجاوز الواقع المتمايز للشعوب العربية.

لقد أصبح الأمر يتطلب من الباحثين والمفكرين والسياسيين العرب أن يعيدوا مراجعة فرضياتهم السابقة ويعملوا على ترتيب أولوياتهم على ضوء التجارب والخبرات التي مرت بها الأمة واستخلاص الدروس والعبر من التاريخ القريب والبعيد بحيث يتم النظر إلى المنطقة العربية وضمن دوائر أو كتل عربية حيوية متجانسة بحيث يتم الانطلاق من الدائرة الأقرب إلى الدائرة الأبعد، وذلك لترتيب الأولويات واستخدام الإمكانات المتاحة بما يحقق الأمن الوطني والإقليمي والقومي العربي، وهذه الدوائر تبدأ من القطر المعني إلى دائرة التأثير الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي العربي، ومن ثم إلى دائرة الاهتمام العربي الأبعد فالدائرة الإسلامية ثم الدائرة الإنسانية، وهذا يتطلب أن تعمل الأقطار العربية على تطوير وتنمية التكامل الاقتصادي والاجتماعي والبشري ما بينها وعلى ضوء هذا الترتيب.

3- إن الظروف الراهنة والحرجة حالياً تفرض وبشكل ملح أن تقوم كتلة حيوية عربية متكاملة جغرافياً واقتصادياً وبشرياً لتشكيل قاعدة ارتكاز عربية تتمتع بقدرات فعالة وكامنة معقولة تحافظ على الأمن الإقليمي العربي، تتكون من كتلة الهلال الخصيب أو الجناح الشرقي للوطن العربي في حدها الأدنى،وإذا ما أردنا تطوير هذا المفهوم بحيث يتم الحديث عن كتلة عربية حيوية ذات قوة عربية وإقليمية يحسب حسابها فلابد أن تستند هذه القوة على جناح غربي لها وهي كتلة وادي النيل، حيث يكون الجناحان كتلة عربية حيوية أو قاعدة ارتكاز ذات قوة تأثير محلي وإقليمي ودولي كبير.

4- إن تشكيل الكتلة الحرجة بقدراتها الفعالة والكامنة لا يأتي من عملية ضم بسيطة لمساحات جغرافية وإعداد بشرية وقدرات اقتصادية، بل إن الأمر يتطلب عملية تأهيل وتطوير تنموي اجتماعي وسياسي واقتصادي متكافئ ومتوازن لمجتمعات الكتلة الحيوية، وإلا فإن تشكيل الكتلة الحيوية يصبح أقرب ما يكون إلى لعبة الليجو أي يصبح عملية، تجميع بدلاً من أن يكون عملية صهر وإعادة تشكيل. وهذا يفرض أن تتوازن القدرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الأقطار العربية المستطرقه ضمن الكتلة الحيوية مع الكتل العربية الأخرى، بحيث تعمل إعادة التأهيل على تجسير الفجوات ما بين المجتمعات العربية، وهذا ما لمسناه في منظمة الجماعة الأوروبية عندما كانت تؤجل دخول أي طرف إلى الجماعة حتى يتم تأهيله سياسياً واقتصادياً واجتماعياً للدخول في الجماعة، وهذا لا يتم إلا بفتح الحدود والمنافذ وسن التشريعات الوحدوية وإطلاق الحريات واتباع النهج الديمقراطي الذي يحترم حقوق الإنسان العربي والعمل على توسيع دائرة التكامل بين المجتمعات العربية وفي كافة الجوانب، الأمر الذي يعزز الأمن الإقليمي والقومي العربي ويوفر الرفاه والاستقرار والأمن للإنسان العربي حاضراً ومستقبلاً، بحيث نتفادى الكوارث والصعوبات الاقتصادية والاستلاب والنهب والتنافس الإقليمي والدولي على مواردنا وثرواتنا.

5- إن الدارس لأوضاع الأقطار العربية يستطيع أن يتبيّن مدى الخلل الموجود في المنظومة العربية الراهنة حيث هناك فجوة ما بين الاحتياجات والموارد إما لصالح الموارد على الاحتياجات بسبب قلة السكان، وزيادة الفائض الاقتصادي أو أن الفجوة ما بين الاحتياجات والموارد محدودة بسبب تناسب المتطلبات مع الموارد أو لصالح الاحتياجات على الموارد بسبب قلة الموارد وزيادة السكان أو بسبب التحديات التي مرت بها هذه الدول خلال العقود الماضية والتي أدت إلى استنزاف مواردها. إن هذه المقارنة العامة لا تعني أن الدولة ذات الميزان الإيجابي في علاقة الاحتياجات بالموارد هي دولة قوية، وأن الدولة ذات الميزان السلبي في هذه العلاقة هي دولة ضعيفة. إن عامل القوة لا يرتبط بشكل مباشر بنوعية العلاقة ما بين الاحتياجات والموارد رغم أهمية هذه العلاقة. وإنما يرتبط كما ذكرت بمفهوم هل الدولة أو مجموعة الدول تشكل كتلة حيوية بالمفهوم الاستراتيجي للقدرة، وهذا يتطلب أن تتوفر مساحة جغرافية معينة وعدد ونوعية معينة من السكان وكمية معقولة من الموارد الاستراتيجية، لنتمكن من أن نحدد فيما إذا كانت دولة أو مجموعة من الدول يكن أن تشكل كتلة حيوية، ومن هنا فإن دولة مثل سويسرا ورغم ضخامة إمكاناتها ورجحان كفه مواردها على احتياجاتها لا تشكل كتلة حيوية بمفهوم القوة، وهذا ينطبق أيضاً على دول النفط العربية.

6- إن القوة الفعالة ترتبط عادة بحجم ونوعية وكفاءة القدرات الإدارية والتنظيمية والإنتاجية لكافة المؤسسات الرسمية والخاصة والشعبية المشاركة، وحيث أن هذه المؤسسات تشكل جزءاً من الدولة فإن القوة الكامنة تمثل قوة الدولة أو الأمة الكاملة في حال تفعيلها، وهذا يتطلب إيجاد تنظيمات إدارية وإنتاجية جديدة ومتطورة ذات رؤية شاملة تستطيع ان ترتفع باستغلال قدرات الدولة أو الأمة بحيث تقارب ما بين قدراتها الفعالة وقدراتها الكامنة، وأن الدولة التي تنجح بشكل أكبر في هذا التجسير تعد دولة متطورة في استغلال إمكاناتها المادية والبشرية. وعليه فإن القدرة الفعالة للدولة ترتبط بكفاءة وحيوية الأجهزة الحكومية والخاصة في الدولة، في حين أن القوة الكامنة ترتبط بكفاءة وفاعلية الشعب أو الأمة بعامة.

ب- الكتلة الحرجة ومفهوم قاعدة الارتكاز:

1- يتطرف المفكر العربي المغربي محمد عابد الجابري في كتابه إشكالية الفكر العربي المعاصر، إلى الموضوع الأهم الذي شغل الأجيال العربية المعاصرة، وهو موضوع الوحدة العربية حيث يقول أنه كان من المستحيل عملياً قيام وحدة عربية أثناء الحكم التركي وخلال فترة الاستعمار، وكان يستحيل عملياً الانتقال مباشرة من الاستعمار إلى الوحدة في الوطن العربي، كما أنه يستحيل عملياً قيام وحدة بين دول حديثة العهد بالاستقلال، ودول كان من المحتم عليها أن تنصرف إلى بناء كيانها وتحقيق ذاتها.

إن فرضيات الجابري التي أوردها حول موضوع الوحدة واعتبرها مستحيلة من الناحية العملية لم تترك إلا خياراً واحداً لتحقيق نوع من الوحدة العربية أو التكامل القومي العربي، وهو أن تنجح الدول القطرية العربية في بناء وتطوير ذاتها وتحقيق الاندماج الوطني، والوحدة الوطنية، أي تحقيق ما تعارف على تسميته بالمشروع النهضوي الوطني الديمقراطي ليكون الأساس ونقطة الانطلاق لتحقيق فكرة المشروع النهضوي العربي الوحدوي الديمقراطي.

2- لذلك فإن بناء المشروع النهضوي العربي الديمقراطي يتطلب تحقيق شرط مسبق له وهو بناء الدولة القطرية المؤهلة للدخول في هذا المشروع، وأن الانتقال إلى أي شكل من أشكال الوحدة العربية يتطلب أن ننجح في مرحلة وسيطة وهي إنشاء الكتل العربية الحيوية وهذه الكتل تتألف من الأقطار العربية المتقاربة جغرافياً والمتوازنة والمتماثلة والمتكاملة اقتصادياً واجتماعياً وتاريخياً.

3- إن الكتلة العربية الحرجة لابد لها من نواة أو من قاعدة ارتكاز أو مركز الثقل وهذه النواة ستمثل النموذج والقدوة، ولهذه النواة مقومات جغرافية وسياسية واقتصادية واجتماعية، فالدولة المحورية يفترض أن تمثل القلب للكتلة الحيوية، فوجود الدولة جغرافياً على الحواف الخارجية للكتلة الحيوية لا يساعد على تشكيل مركز الثقل الجغرافي المطلوب، واما المقوم السياسي لقاعدة الارتكاز فلابد وأن يستند على أسس عديدة منها الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان العربي وإعادة الاعتبار للشعب ومؤسساته وتمكينه من حكم نفسه من خلال مجالسه ومؤسساته الشعبية المنتخبة بشكل حر ونزيه، الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز الأمن والاستقرار للدولة. إذ من المعروف أن الاستقرار الأمني المستند على الأسس الديموقراطية يخلق علاقة احترام وولاء ما بين المواطن ووطنه في حين أن الاستبداد وكبت الحريات والقمع يؤدي إلى اغتراب المواطن في وطنه، ويؤثر سلباً على الأمن والاستقرار من حيث أنه ينقل التنافس من تنافس شرعي داخل النظام إلى تنافس وتناحر مدمر عليه.

4- اعتقد أن الدولة المحورية هي تلك الدولة التي تنجح في الارتقاء بالمواطن والوطن مادياً ومعنوياً وتجعل من الوطن نموذجاً متطوراً في كافة مرافق بنيته التحتية بداءً بالمواصلات والاتصالات والماء والكهرباء وانتهاء بالتعليم والصحة والضمان الاجتماعي وغيره، إنها الدولة التي تمثل موقع القلب جغرافياً وموقع العقل والضمير سياسياً وموقع الوجدان تاريخياً وموقع الاعتدال فكرياً وعقائدياً.

5- أرى أن الأردن هذا الوطن الصغير في حجمه، المتواضع في إمكاناته المادية والغني بإنسانه والثري بقيمه والكبير في أثره الإيجابي البناء في محيطه العربي والإقليمي والدولي، وبما يمثله من موقع جغرافي مميز وحيوي، يشكل حلقة الوصل ما بين المشرق العربي والمغرب العربي وما بين الجزيرة العربية والهلال الخصيب، وبما يمثله من عمق تاريخي، فإنه شكل معبراً وقاعدة انطلاق للأمة العربية ومنطقة الحسم التاريخي بدءاً بجيوش الفتح الأولى وانتهاء بجيوش الثورة العربية الكبرى وبما يمثله من نقطة إشعاع ديمقراطي في منطقة عربة متعطشة للحرية والديمقراطية، فإنه يمكن أن يمثل القدوة والنموذج ومركز الاستقطاب كأحد أعمدة قاعدة الارتكاز العربية والتي لن تتكامل إلا بمشاركة حقيقية لكل من فلسطين وسوريا ولبنان والعراق وبتوافق حثيث وحضور فاعل لكل من مصر بثقلها البشري والتاريخي والسعودية بثقلها المالي ونفوذها الكبير في شبه الجزيرة العربية.

خامساً: ديالكتيك القومي والقطري:

أ- لا يزال النقاش محتدماً منذ أكثر من قرن من الزمان حول مصير الوطن الذي تسكنه الأمة العربية حالياً فأجزاء من هذا الوطن وعبر التاريخ الطويل شكلت وحدات سياسية بعناوين مختلفة لفترات زمنية، وأجزاء أخرى وقعت تحت نير الاستعمار الأوروبي بأشكاله المتعددة، وأجزاء أخرى وقعت تحت الحكم العثماني باسم مظلة الإسلام، وفي كافة الحالات فإن الكيان السياسي العربي الواحد لكافة الأرض التي يسكنها العرب اليوم لم تتحقق للآن. وأن التواصل الوجداني والحماس العاطفي ورغبات النخبة والمفكرين لم تكن ولن تكون كافية في يوم من الأيام لتحقيق وحدة الأمة. فالشعوب العربية وضمن مساحة الوطن العربي الكبير خضعت لعمليات تطور ونظم حكم وأسلوب حياة مختلفة عن بعضها بعضاً. كما أعاقت عوامل التخلف الثقافي والحضاري والجهل ولا زالت تعيق عمليات الربط الحضاري العربي للآن. فلا زلنا ونحن في نهاية القرن العشرين نجد ذلك الفراغ الكبير الذي يربط الحواضر الرئيسية العربية مثل دمشق وبغداد وعمان والقدس والقاهرة، وعُمان والمدينة ومكة ,والرياض وغيرها فشرايين وأعصاب الربط الحضاري الحديث ما بين نقاط الاستقطاب الرئيسية في الوطن العربي مثل السكك الحديدية والطرق الحديثة وشبكات الخطوط الجوية متخلفة ولا يمكن مقارنتها بأي حال من الأحوال بتلك المنظومة التي تربط دول أوروبا المختلفة، التي مثلت قاعدة للانطلاق إلى مفهوم أوروبا المتكاملة اقتصادياً والتي تسير باتجاه الوحدة.

ب- ومن هذا الواقع المرير ظهرت الدولة القطرية العربية ومؤسساتها البيروقراطية، وفي ظل وقوع الوطن العربي تحت نير الاستعمار وبذريعة الاستقلال، ومن هذا الواقع أيضاً ظهرت فكرة القومية العربية وضمن أوساط المثقفين والمفكرين وقطاعات شعبية معينة مثل لها الفكر القومي وحتى الماركسي وسيلة للخلاص من بؤسها وشقائها وتخلفها، فسارت خلفه بشكل فوضوي عاطفي غير منسق أو منظم أو مؤطر على أسس ومنطلقات عملية تعمل على توظيف الحماس الشعبي الواسع ضمن مسارب تخدم الفكرة العربية المثالية التي تنادي ببعث أمة العرب من جديد. إن القومية العربية كفكرة مثالية رومانسية ونقيضها القطرية كفكرة واقعية يتم التأسيس لها ورعايتها وترسيخ جذورها، عاشت فترة طويلة من الصراع، فتارة تكسب القومية مواقع لها على حساب المفهوم القطري وتارة أخرى تنجح القطرية في دحر التوجه القومي ومحاصرته وإعادة الاستيلاء على المواقع التي خسرتها، وضمن السياق التاريخي للصراع دخل بعد ثلاث مثل النقيض أيضاً للاثنين معا وهو البعد الإسلامي السياسي، والذي أخذ مؤخرا يتلمس طريقة وأن أصبح أكثر قرباً ولو على الصعيد التكتيكي من الإطار القومي منه من الإطار القطري، أن عمليات التفاعل والصراع ما بين هذه الأبعاد بعامة والبعد القومي والقطري بخاصة، قد دخلت بها أطراف خارجية عديدة عملت على تسريع التفاعل أو توقيفه أو ترجيحه لمصلحة جهة ضد أخرى بحيث أصبح الصراع العربي الداخلي حول تحديد أطر المستقبل للشعوب العربية صراعا دولياً أيضاً، الأمة العربية كانت فيه أحد أطراف هذا الصراع.

جـ- ان الصراع ما بين القومية والقطرية في المنطقة العربية لم ينته للآن ولاشك أنه سيستمر لفترة غير منظورة وانسجاماً مع الجدلية التاريخية والواقع العملي الناتج عن ضعوطات الاقتصاد وتدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية في معظم أرجاء الوطن العربي، ولاشك أن هذا الصراع أمام احتمالين.

الأول: أن يستمر التفاعل والصراع سلميا تطوريا حتى نصل إلى حل توفيقي لهذا الإشكال والثاني أن تدخل عوامل جديدة تعمل على حرف أو تسريع التفاعل، استعجالاً لنفي الآخر أو لحسم الموقف لصالحه وبشكل حاد ومتطرف، ولن تكون تيارات الإسلام السياسي بعيدة عند هذا التفاعل وما قد يتأتى عنه من مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية لا يمكن التنبؤ بمداها. إن النزق في التعامل مع قضايا التحديث والتطور كان أحد سمات عقدي الخمسينيات والستينيات من هذا القرن، عندما كانت تتلمس التفاعلات طريقها لتتطور بشكل طبيعي داخل جسم المجتمع العربي ما بين القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكان من المفترض أن تحتاج الشعوب العربية لعدة عقود لتصل إلى حل توفيقي يكفل حقوق كافة الأطراف المشاركة في هذه التفاعلات، عندما دخلت عمليات جديدة لتسريع عمليات التفاعل واستباق الوليد بعملية قيصرية قسرية من اجل نفي الآخر كلية والخروج بحلول فجه ومفروضة وبعد عدة عقود من الوليد القيصري لم يكتب له الحياة وخصرنا عدة عقود من الزمان في تجارب سياسية واقتصادية واجتماعية مفروضة فوقياً وقسرياً، والآن بعد هذه المدّة عاد الجدل القطري يفرض نفسه بقوة وبنفس المنطق الذي مارسه الجدل القومي في مراحله السابقة وهو نفي القومي عمليا والحلول محله، ولا شك أن الديالكتيك الإسلامي النامي يفرض ضغوطه على هذه الأطراف ويطرح نفسه بديلاً، وبخاصة بعدما أخذ الصراع القومي والقطري مداه والإحباطات المتكررة والإخفاق المتتالي لكل من الطرح القومي والقطري والذي لم يتمكن للآن أن يقدم الحلول العملية لأمن واستقرار الإنسان العربي وبكافة أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والغذائية والمائية وغيرها.

سادساً:المشروع النهضوي العربي وآفاق المستقبل:

أ- إن هذا الجو الكالح وحالة التشرذم العربي وما ينتج عنها من تضارب في الأهداف والمصالح لابد وأن يؤدي إلى مخاطر أساسية على الأمن القومي والقطري سواء بسواء، الأمر الذي سيدفع بالمشروع العربي النهضوي إلى مقدمة الأوليات آجلاً أم عاجلاً، كونه الامل المنشود للامة العربية التي ترنوا إلى الأمن والاستقرار والرفاه والتحرر من التبعية والتدخلات الإقليمية والدولية في مصيرها ومستقبل حياتها.

ب- لقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك لكافة المفكرين والمثقفين وحتى القواعد الشعبية أن المشروع القطري لا يمكن أن يمثل الحل للأمن القومي أو القطري مهما كان حجم المشروع القطري سكانياً واقتصادياً وجغرافياً، وهذا يفرض العودة لإحياء المشروع النهضوي العربي الإسلامي، إلا أن هذه العودة لابد وأن يسبقها مراجعة شاملة لأسس هذا المشروع الفكرية وممارساته العملية وذلك للاستفادة من الدروس والعبر السابقة التي أدت إلى إخفاق هذا المشروع وتراجعه.

إن إعادة بعث المشروع النهضوي العربي الإسلامي تتطلب العودة إلى القواعد الشعبية لتعبئتها وإعادة الأمل الذي فقدته بسبب الإحباطات المتكررة التي عانت منها، وأن التيار الذي ينجح في ذلك سيكون الملاذ والأمل الذي ستتعلق به كافة الجماهير العربية المحرومة إذا استند في عملية البعث والبناء على أسس ديمقراطية تراعي حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وتحترم قرار الشعوب التي تم تغييبها لفترة طويلة عن معالجة مصيرها بيدها وحسب مقتضيات مصالحها.

جـ- إنه مهما كتب أو قيل عن هذا المشروع فإن المشروع النهضوي العربي الإسلامي الحقيقي لم ير النور للآن، وأن الظواهر السابقة التي اجتاحت المنطقة خلال الحقبة السابقة لم تكن سوى قادة أو أنظمة ترفع الشعار القومي نظرياً، ولم تستند على مؤسسات شعبية شرعية تدعم وجودها. إن المشاريع النهضوية الحقيقية لا يمكن أن تستند على الفردية والاستبداد والفساد، فحتى المشاريع القومية الأوروبية التي قامت على هذه الأسس انهارت وخلفتها مشاريع قومية ديموقراطية استطاعت أن ترتفع بتلك الدول من قاع الهزيمة إلى ذروة القوة.

د- إن مستقبل الأمة العربية حالياً يعتمد وإلى حد كبير على تمكن الشعوب العربية من ترتيب بيتها من خلال إيجاد مشاريع وطنية ديمقراطية تدفع باتجاه تحقيق مزيد من التعاون والتكامل الاقتصادي والاجتماعي والبشري بين شعوب أمتنا.

هـ- إن الآلية الفكرية هي الأداة التي يمكن بموجبها تفعيل وتوجيه الاستراتيجية السياسية لحشد طاقات الجماهير وتوجيهها نحو الهدف المنشود، وعليه فإن إيجاد آلية فكرية تتمكن من حشد جماهير الأمة عليها يعد أمراً حيوياً وهذه الآلية ولابد وأن تستند على ركائز أساسية في مقدمتها تحديد علاقة واضحة ومقبولة ما بين العروبة والإسلام أو المادة والروح وضمن النهج الديمقراطي السليم الذي يحترم حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

 



 

 

 

 

 


الوحدة العربية والتكامل القومي

 " آمال الحمل الكاذب، وآلام المخاض الصعب"

 

 

أولاً: المقدمة.

ثانياً: التجربة السياسية العربية بين التنظير والممارسة العملية.

ثالثاً: الوحدة العربية بين الحماس العاطفي وعقلانية الاقتصاد.

رابعاً: التكامل الوحدوي العربي والمنظومة الثقافية.

خامساً:التكامل الوحدوي العربي والبعد النفطي.

سادساً:الفكر القومي والمنعطف التاريخي الحاسم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الفصل الثالث

الوحدة العربية والتكامل القومي

"آمال الحمل الكاذب وآلام المخاض الصعب!"

 

 

 

 

أولاً: المقدمة

أ- أن حلم تحقيق الوحدة العربية كان ولا يزال وسيستمر أيضاً في المستقبل الشغل الشاغل للأجيال العربية،  وحتى تتحقق هذه الوحدة الحتمية، لتتمكن الأمة العربية أن تتبوأ موقعها الطبيعي الذي تستحقه في هذا العالم، الذي أصبح يتجه بخطى متسارعة لتشكيل تكتلات سياسية واقتصادية جديدة وحتى ما بين أمم غير متجانسة، وشهد تاريخها القريب والبعيد مواجهات عسكرية دامية. وذلك في إطار بحثها عن تعزيز عوامل قوتها لإتاحة المجال لها في التأثير على مجرى الأحداث في العالم. من هذا المنطلق فإن على العرب أن يكونوا أكثر حرصاً على تحقيق وحدتهم وتعزيز وسائل قوتهم. وذلك لحماية أوطانهم وثرواتهم وقرارهم السياسي لتحقيق الرفاه لشعوبهم وخاصة أن العوامل الأساسية في تشكيل الأمة متوفرة لدى العرب وهي الانسجام العرقي والديني والثقافي والتاريخي والآمال المشتركة والرغبة الأكيدة لدى الشعوب العربية لتحقيق هذا الحلم. إن حالة التجزئة والقطرية والأنانية والاستسلام للواقع الراهن الذي يسود العام العربي سيؤدي إلى زعزعة الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للعديد من الأقطار العربية، وستصبح المنطلقة العربية ميداناً فسيحاً لصراعات مختلفة تفتح المجال أمام التدخلات والاختراقات الإقليمية والدولية. إن المشكلة الرئيسة أمام تحقيق الوحدة العربية كانت الفجوة الواسعة ما بين ما كان يطلق كشعار لأغراض متعددة وما بين التطبيق العملي لهذا الشعار. لقد كانت المحاولة الأولى العملية في العصر الحديث لتحقيق نوع من الوحدة العربية في هذا القرن بالتوفيق ما بين الشعار والممارسة هو انطلاقه الثورة العربية الكبرى عام 1916 عندما طرحت شعاراً لها التحرر من الحكم الأجنبي وتحقيق الوحدة العربية، ولكن وبعد نجاح الجانب العملي للثورة وتحرير المنطقة العربية من الحكم التركي، فقد واجهت قوى مضادة عديدة داخلية وخارجية لإحباط خطط الوحدة العربية وتجزئة المنطقة العربية مرة أخرى فيما عرف بمعاهدة سايكس بيكو.

ب- إن المعوقات الرئيسة التي وقفت أمام إنجاز أي مشروع وحدوي عربي باعتقادي يمكن تلخيصها فيما يلي:

1- إن معظم مشاريع الوحدة العربية التي كانت تطرح من قبل بعض الزعماء أو الأنظمة العربية، لم تكن تهدف إلى تحقيق وحدة عربية جدية بقدر ما كانت تهدف إلى تعزيز الشرعية لتلك الأنظمة.

2- ادى الغموض العقائدي للعديد من الأحزاب والتوجهات السياسية سواء في المرجعية الدينية أو القومية أو الاقتصادية، إلى تبني توجهات سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية مختلفة، مما ساعد على ظهور مجموعات وتنظيمات متباينة تعمل باتجاهات متعارضة.

3- عمل تشكيل النخب السياسية في العديد من الأقطار العربية على أساس كومبرادوري نفعي قطري كقوة مضادة للمصلحة القومية، كما أنه أدى إلى بروز رأسمالية محلية لها مصالح قطرية نفعية مقدمة على المصلحة القومية العليا مما أعاق برامج تحقيق الوحدة العربية .

4- حرص العديد من الأنظمة العربية على توطيد علاقات اقتصادية ومالية مع العالم الغربي وعلى حساب علاقاتها الاقتصادية والمالية مع الأقطار العربية الأخرى، مما ساعد على أضعاف الروابط الاقتصادية والاجتماعية ما بين الدول العربية.

5- لقد كان تغييب مفهوم الديمقراطية عن المنطقة العربية خلال الحقبة الماضية، وبما تعنيه من التعددية الفكرية والسياسية ومشاركة الشعوب في تقرير مصيرها واحترام حقوق الإنسان واختفاء وسائل الرقابة الشعبية والنيابية عن أجهزة الحكم التنفيذية وظهور بعض الانظمة والأحزاب العربية التي ترفع شعار الحزب القائد أو حكم النخبة القائدة، التي نصبت من نفسها وصيا على مشروع النهضة العربية والوحدة العربية، وقامت بتأميم الفكر واحتكار الحقيقة وممارسة الدكتاتورية، أثر سيئ على مسيرة الوحدة العربية، فمع بدء انهيار نظرية الحزب القائد ووصول أنظمة الحكم النخبوية إلى أزمة حقيقية، فإن هذا الفشل والانتكاس أثر سلباً على مسيرة الوحدة العربية وأصاب الشعوب العربية باليأس والإحباط.

6- إن توزع الرأي العام العربي ضمن العديد من الأقطار العربية وتعرضه لحملات وبرامج إعلامية مختلفة ومتناقضة جعله مشتتاً، وهذا انعكس أيضاً على الأوضاع السياسية والاجتماعية العربية وزاد من خلخلتها. كما أن توجه العديد من الأنظمة العربية إلى توسيع بنيتها الإدارية والإعلامية، لتتمكن من التأثير على شعوبها وتوجيهها بالاتجاهات التي ترغبها، أدى إلى قيام وسائل الإعلام والثقافة في العديد من الأقطار العربية بتكريس نوع معين من الولاء للعروبة صمم للإيحاء بأن النظام المحلي هو النظام العربي الصحيح القادر على تحقيق المصالح العربية.

جـ- إن هذه العوامل التي ذكرتها هي جزء من عوامل عديدة أخرى أدت إلى أحباط مشروع النهضة العربية، ومنعت تحقيق حلم الوحدة العربية إلى حين. لذلك فإن الحاجة ماسة أن يتصدى المثقفون العرب القوميون والإسلاميون منهم لدراسة الظروف والأسباب الحقيقية التي أدت إلى فشل الجهود لتحقيق الوحدة العربية، وذلك بصياغة آلية عملية وعلمية جديدة تطرح على الجماهير العربية لتخدم كوسيلة متفق عليها لتحقيق الوحدة بحيث تستلهم هذه الآلية وحيها من قواعد الفكر الإٍسلامي ومنطلقات الفكر القومي العربي، لأن العرب هم مادة الإسلام ولأن الإسلام هو رسالة العرب لكل العالمين.

ثانياً: التجربة السياسية العربية بين التنظير والممارسة العملية:

أ- إن القومية كفكرة هي النظرية التي تتوافق فيها الحدود السياسية والعرقية لدى الشعب الذي يكون الأمة، في حين أن الحركة القومية هي الوسيلة التي بموجبها يتم وضع هذه النظرية موضع التطبيق. لقد كانت المحاولات العملية لحل القيود والحدود السياسية وإنشاء هياكل سياسية عربية كبيرة الشغل الشاغل للمفكرين وأنظمة الحكم والأحزاب العربية، وقد مثلت الروابط اللغوية والثقافية والاجتماعية والدينية والتاريخية الأرضية للسياق السياسي الذي انبعثت منه حركة القومية العربية. لقد بلورت الثورة العربية الكبرى عام 1916 والحكم الفيصلي في سوريا عام 1919 وبشكل عملي فكرة القومية العربية، وشكلت المحاولة الأولى لتأسيس كيان سياسي عربي مستقل في العصر الحديث، كما كانت الثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي لسوريا مثالاً آخر على استجابة عربية قومية محددة للتحدي الأجنبي الجديد بعد التصدي العربي الأول للأتراك في الثورة العربية الكبرى. لقد كان لتجزئة وتقسيم المنطقة العربية التي حررت من الأتراك ما بين فرنسا وبريطانيا فيما عرف بمعاهدة سايكس بيكو أثراً كبيراً في حشد وتوجيه الطاقات العربية باتجاه الخطر الداهم الجديد، مما أعاق برامج العمل القومي السياسي لتشكيل حركات سياسية أو أحزاب لمتابعة العمل القومي العربي بهدف تحقيق الوحدة العربية. إن أهم الملامح السياسية التي طغت على المنطقة العربية في تلك الفترة هي:

1- معارضة بعض الأنظمة العربية لخطط الوحدة ضمن منطقة الهلال الخصيب وبخاصة ما بين سوريا والعراق أو الأردن والعراق.

2- التصادم ما بين الحكام والأنظمة العربية بسبب التنافس الشديد حول من هو المؤهل لقيادة ركب الأمة العربية، مما أضر بالجهود القومية العربية وساعد في ظهور التوجهات والمصالح القطرية.

3- الخلاف المستمر في الاجتهادات حول الشكل الذي سيأخذه أي اتحاد عربي، فبعض الأنظمة العربية ضغطت باتجاه شكل فضفاض من العلاقة العربية وساعدها في ذلك بعض الدول الأجنبية المؤثرة في المنطقة وفي مقدمتها بريطانيا، مما أدى إلى ظهور الحل التوفيقي الذي نشأت بموجبه جامعة الدول العربية.

أما على الصعيد الشعبي فقد استمر الشعور القومي العربي في النمو ضمن قطاعات عريضة من الشعب العربي، بسبب تطور وسائل النقل والاتصالات والإعلام، كما أن الخطر الصهيوني والأطماع الاستعمارية أيضاً ساعدت على تعبئة الجماهير العربية. أما على صعيد الأنظمة العربية فإن الكيانات العربية المتعددة التي ظهرت وما تبع ذلك من تنافس شديد على الصعيد القومي والإقليمي ساعد على تقليص الروابط السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة قبل إنشاء هذه الكيانات، وعندما كانت الشعوب العربي منفتحة على بعضها بعضاً بشكل كامل. لقد أصبح ينظر لأي عربي يذهب إلى أي قطر عربي آخر ويحصل على إقامة أو عمل أو يشارك في نشاط سياسي على أنه يمثل تهديداً لنفوذ القوى المحلية والمصالح القطرية في تلك الكيانات، الأمر الذي أدى إلى ردود فعل منها زيادة الرقابة على التحركات العربية الداخلية ووضع القيود الشديدة على منح المواطنة أو الجنسية أو الإقامة. 

جـ- أما في أعقاب الحرب العالمية الثانية وما ترتب عليها من نتائج، فقد تم مراجعة الأسلوب الذي كانت تدار به السياسيات العربية في المنطقة، وذلك لأسباب منها حصول بعض الدول العربية على استقلالها وكذلك فشل الأنظمة العربية في مواجهة المخططات الصهيونية في فلسطين، حيث شكلت هذه الظروف الأرضية لنشاطات سياسية جديدة منها محاولة الأحزاب والحركات السياسية التي كانت ترفع شعارات القومية العربية تعبئة الجماهير العربية تجاه الخطر الصهيوني، وشدها مع أو ضد البرامج والتوجهات الاقتصادية والسياسية المختلفة التي أنتجتها. وفي هذا المجال تجدر الإشارة إلى أن المظاهر الرئيسة لهذه التوجهات والبرامج التي وظفت لنيل الدعم الشعبي في تلك الفترة، كانت على النطاق الأيديولوجي، الحماس للعروبة والوحدة العربية، وعلى النطاق الاجتماعي، الإصلاح الاجتماعي، وعلى النطاق السياسي، محاولات التكتل والاتحاد.

د- أما في فترة الخمسينيات فإن الدعوة للوحدة العربية بدأت تحتكر وبشكل متزايد من قبل رؤساء الأنظمة العربية أكثر من إعطائها الصبغة المؤسسية التنظيمية المرتبطة ارتباطاً مباشراً مع مصالح الشعوب العربية، والتي لم يكن لها من دور سوى تقديم الإسناد والحماس الجماهيري العاطفي لمخططات القادة كلما دعت الحاجة، إن ظهور دولة ما بعد الاستقلال قد ساعد على خلق مجموعات اجتماعية واقتصادية معينة لها مصالح مشتركة في استمرار هذه البنيات مما كان له العديد من النتائج الهامة منها:

1- تمحور عدد من الدول العربية في اتجاهين الأول يحاول أن يحقق أي نوع من الاتحاد والثاني يحاول إحباط خطط الأول بأية طريقة. وقد دخلت معظم الدول العربية في خضم هذه اللعبة المدمرة للذات.

2- أثار ظهور مصر في فترة الخمسينيات والستينيات كأكبر دول عربية بالإضافة إلى طروحاتها القومية والسياسية والاجتماعية مخاوف العديد من الأنظمة العربية فاستنفرت للمقاومة والبحث عن الخلفاء.

3- تزايد عدد الدول العربية التي تبحث عن مركز قيادي لها باسم القومية العربية والوحدة العربية مما أدى إلى تزايد الميل نحو التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة بقصد تشكيل مجموعات من الأنصار المؤيدين، الذين يمكن أن يؤثروا على القرارات السياسية أو يعملوا على منع أية محاولة لإثارة نشاطات معادية لهم في أقطارهم.

هـ- وبهذا المجال تجدر الإشارة إلى أن المنطقة العربية تعد من أكثر مناطق العالم تنوعاً وكثافة في العلاقات السكانية عبر الحدود بين دول مستقلة. إن وجود هذه العلاقات مضافاً لها وجود مجموعات سياسية أو دينية عديدة تدين بالولاء لقيادات خارج حدودها مع وجود قادة سياسيين عرب يبحثون عن الإسناد والدعم لهم في الدول العربية المجاورة من خلال تقديم الدعم المالي أو المعنوي لأنصارهم، أدى إلى حدوث انشقاقات وانقسامات في العديد من الدول العربية ما بين مؤيد للنظام السياسي، المحلي ومؤيد للقوى السياسية الخارجية والذي أدى بدوره في كثير من الأحيان إلى حدوث صراعات دموية بين أطراف هذه الولاءات المختلفة.

و- وأما في أعقاب حرب 67 فقد وسعت الأنظمة العربية من بنيتها الإدارية والإعلامية لتتمكن من التأثير على شعوبها وتوجيهها بالاتجاهات التي ترغبها، كما وضعت المجموعات والتنظيمات المعارضة أو التي لها ولاءات خارج الحدود تحت الرقابة الصارمة. وفي هذا الإطار فقد سخرت وسائل الإعلام والثقافة لخدمة أهداف الدولة القطرية ولو تحت غلاف رقيق من الشعارات القومية المخصصة للاستهلاك الجماهيري، وأما في المسارات الأخرى فقد تم استبدال المفاهيم العربية القومية تدريجياً لتتوافق مع أفكار ومفاهيم صممت لإلقاء الضوء على الجوانب القطرية والخصوصية المحلية لبعض الدول العربية، ومع مرور الوقت فإن الشعوب العربية أصبحت تكيف نفسها وبشكل قطري وتتقبل الحقيقة الدائمة للهويات القطرية الخاصة والخطط والبرامج الوطنية المنفصلة. وأخيراً فإني أرى أن المرتكزات الأساسية للتضامن العربي والوحدة العربية يمكن إيجازها بما يلي:

1- التكامل الاقتصادي ما بين الدول العربية، حيث أن هذا الجانب يعد أحد الأعمدة الرئيسة لتحقيق الوحدة، ومن مرتكزات هذا التكامل، زيادة التبادل التجاري ما بين الأقطار العربية، وتوسيع دائرة الاستثمار والعمالية والمشاريع المشتركة ما بين هذه الأقطار، وإيجاد شبكة من المؤسسات المالية والمصرفية العربية. إن موضوع العمالة العربية والمتمثل في انتقال أعداد كبيرة من العمال العرب بين الدول العربية، يمكن أن يمثل جسر ثقة وتفاهم ما بين الشعوب العربية.

2- إفساح المجال للديموقراطية واحترام الحقوق الأساسية للمواطن العربي، بما فيها حرية الرأي والمشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بحاضره ومستقبله، في جو من العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

3- إفساح المجال للمواطن العربي للتنقل بحرية ما بين الدول العربية بدون قيود أو مضايقات.

ز- وفي الختام فإني أرغب التنويه إلى حقيقتين هامتين وهما:

1- إن الاعتقاد بالقومية العربية والسعي لإيجاد وحدة عربية شاملة له جذوره في الوجدان الشعبي العربي في الماضي والحاضر، ولاشك أنه سيتعزز في المستقبل مع تشابك مصالح الشعوب العربية الاجتماعية والاقتصادية، مع ما نلمسه من اتجاه العديد من شعوب العالم وحتى غير المتجانسة لتشكيل تجمعات سياسية واقتصادية كبرى.

3- لقد تم التلاعب بمفهوم التضامن العربي والشعور القومي وتمزيقهما بسبب المصالح الشخصية والقطرية لبعض الأنظمة العربية، والمتمثلة في حماية المصالح المحلية ومقاومة حركة الانسياب العادي للمواطنين العرب ضمن الأقطار العربية.

ثالثاً:الوحدة العربية بين الحماس العاطفي وعقلانية الاقتصاد

أ- أعتقد أن الحماس العاطفي قد طغى على معظم القضايا العربية خلال الحقبة الماضية وبخاصة في فترة الخمسينيات والستينيات، حيث تم التعامل مع القضايا المصيرية العربية وفي مقدمتها قضية الوحدة العربية والقضية الفلسطينية وقضية التحديث الاجتماعي والاقتصادي، بأسلوب عاطفي ومثالي بعيداً عن الواقع وحقائقه الموضوعية وتعقيداته وتحديداته، بحيث أننا فشلنا في حل أي من تلك القضايا، لا بل في الكثير من الأحوال قد عملنا على زيادة التعقيد وابتعدنا عن الحل، وبدلاً من أن نسير للأمام محتكمين إلى عقولنا راوحنا في مكاننا أو سرنا للخلف محكومين بعواطفنا وغرائزنا وأهوائنا المتناقضة والمتعارضة.

ب- أن الدارس لتاريخنا السياسي الحديث يمكن أن يتوصل إلى أن حماس مثقفينا ونخبنا السياسية كان في أوجه عندما كانت الشعوب العربية في أطوارها الأولى لتأسيس دولها،ولم تكن تلك الدول قد استقرت سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، وأنه من حالة عدم الاستقرار هذه حاولنا الانطلاق لبناء وحدة عربية ومشروع نهضوي عربي منطلقين من مشاريع نهضوية وطنية رخوة لم تتكامل بنيتها الأساسية، الأمر الذي أدى إلى الفشل، والفشل أدى بنتيجته إلى الإحباط، وبخاصة في صفوف النخب السياسية والثقافية التي استهلكت معظم قوتها وزخمها في غير تاريخه، وعلى أرض لم تمهد في ذلك الوقت لاستيعاب النبتة الجديدة، وهكذا فإن هذه النخب وقبل أن تصل إلى نهاية الشوط أصابها الملل وأصبحت تعاني من حالة من الشيخوخة السياسية معتقدة أنها أدت دورها وكفى الله المؤمنين شر القتال.

جـ- وفي الحقيقة، وعلى الرغم مما يثيره العديد من المثقفين والنخب السياسية التي أصابها الملل وأعراض الشيخوخة السياسية، فإني أرى الواقع العربي الحالي إذا ما تم تحليله تحليلاً علمياً منطقياً هو أفضل بكثير منه قبل عقود، حيث أن معظم الشعوب العربية تسير باتجاه رشدها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، كما أن البني التحتية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدول القطرية قد انتقلت نقلة نوعية كبيرة بحيث أن العديد من الأقطار العربية تتطور باتجاه أن تصبح مشاريع وطنية مستقرة، إذا ما أكملت بنائها السياسي على أسس ديمقراطية تستند على احترام حريات وحقوق شعوبها، كما أن الظروف الاقتصادية حالياً تفرض على الأقطار العربية أن تعيد وصل المنظومات الاقتصادية القطرية العربية ببعضها بعضاً لتشكيل تكتل اقتصادي عربي، لتمكين الدول القطرية وضمن هذه المنظومة العربية الشاملة من الحفاظ على أمنها واستقرارها ورفاه شعوبها.

د- إن هذه الأرضية الحالية تفرض على المثقفين والنخب السياسية العربية أن تعيد حساباتها وتستفيد من الظروف التي تمر بها المنطقة والاستفادة القصوى من وسائل الاتصالات الحديثة، والتي أصبحت تذوب الحدود ما بين الأقطار العربية، لا بل بين الأقطار العربية والعالم، وكذلك الاستفادة واستثمار حالة الإدراك والوعي التي أصبح يتمتع بها الإنسان العربي، والتي تؤكد على أهمية التكامل الاقتصادي العربي كضرورة عربية حتمية، فالتكتلات الوحدوية الراهنة لا تسيرها العواطف، وإنما الحاجة والاقتصاد وتوفير الرفاه للشعوب، فبدون الرفاه والعدالة والمساواة لا يمكن أن يكون هناك أمن أو استقرار وحتى داخل الدولة القطرية أو ضمن المنظومة العربية ككل، لارتباط الأقطار العربية ببعضها ذلك الارتباط الذي يجعل من الأمن والاستقرار لدولة عربية يؤثر على الأمن والاستقرار للأقطار العربية الأخرى. إن ما هو مطلوب حالياً ليس طرح النظريات الفكرية والسياسية بمفهومها المجرد فقط، وإنما المطلوب أن تبادر الأقطار العربية بوضع البنية الأساسية لمشروعها النهضوي الوحدوي من خلال ربط البني الأساسية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية القطرية ببعضها بعضاً مع إعطاء الأولوية لتماسك البني الأساسية الاقتصادية نظراً لأهميتها لحياة الإنسان العربي.

هـ-  يعد الاستثمار العاطفي الفكري والسياسي بدون بنى أساسية راسخة استثماراً مهدوراً لا قيمة له، شأنه شأن الاستثمار الاقتصادي قبل استكمال البنى التحتية الأساسية التي تمكن من انطلاق الفعل الاقتصادي البناء. إن الاستثمار السياسي الخارجي، بمعنى قابلية الدول الأخرى للتعامل معنا على أسس سياسية راسخة بما يخدم مصالحنا لا يمكن أن يتحقق ما لم تكن هناك بنى أساسية سياسية ثابتة في المنطقة العربية، ومن المعروف أن هذه البني السياسية الأساسية لا يمكن أن تتحقق بدون بنى اقتصادية عربية متماسكة ومتعاونة. ومن هنا نعود مرة أخرى إلى أهمية الاقتصاد في إنشاء البنية الأساسية للمشروع النهضوي الوحدوي العربي.

و- اعتقد أنه من الأسباب الأساسية لفشل المشروع النهضوي العربي في السابق، أنه انطلق بدون بنية تحتية لنكتشف بعد مدة إننا حاولنا أن نعمل تمثالاً للوحدة العربية إقدامه من الفخار ورأسه من الحديد الصلب، وكذلك فإن عدم نضج المشروع الوطني لم تمكنه من الانطلاق إلى العام القومي، الأمر الذي يفرض على كل قطر عربي ان يعمل على تطوير بنيته التحتية الأساسية التي يمكن البناء عليها، للانطلاق إلى العام القومي وعليه فإن استمرار واستمراء الطائفية والقبلية والجهوية والروح الكومبرادورية، تعد أمراضاً لا تشجع على إرساء بنى اجتماعية واقتصادية وسياسية لديها القدرة على الصمود والتقدم. ومن هنا فإن الكوتات والكونتوتات السياسية بناء على هذه الأسس هي مظهر من مظاهر التخلف، وبخاصة ونحن ندخل القرن الواحد والعشرين وعصر العولمة.

ز- وعليه فإني أرى أن المتطلبات الأساسية لأي مشروع نهضوي وطني أو قومي تتخلص بما يلي:

 

 أولاً: البنية التحتية الاقتصادية: ويتم ذلك من خلال خلق تكتل اقتصادي عربي، وتفعيل السوق العربية المشتركة، وإنشاء شبكة من الطرق والسكك الحديدية والجوية التي تصل الأقطار العربية ببعضها بعضاً، وذلك لأن البنية التحتية للطرق والسكك الحديدية والنقل الجوي والتي تمثل شرايين الربط بين الأمة متخلفة ولا يمكن مقارنتها بالبنى التحتية التي قامت عليها السوق الأوروبية المشتركة مثلاً.

ثانياً: البنية التحتية السياسية: وهذه لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال انتشار الديمقراطية والحرية والتعددية السياسية وإعادة الكرامة للإنسان العربي، الذي عانى الأمرين من فترات الاستعمار والدكتاتورية والاستبداد، وهذا يفرض أن تتوازى الحريات السياسية والفكرية بين كافة الأقطار العربية.

ثالثاً: البنية التحتية الاجتماعية: وهذه لن تتم إلا من خلال إعادة صياغة القيم وإطلاق القوى الاجتماعية الفاعلة والتخلص من الرواسب الاجتماعية التي كبلت المجتمعات العربية ومنعتها من التقدم، فهناك نظم اجتماعية متوارثة يجب إعادة النظر فيها ومنها النظام الأبوي البطريركي الأسري والإداري، الذي يعتمد في كل شيء على رب الأسرة أو القائد أو الشيخ وإرساء المجتمع المدني الحديث، الذي لا مكان فيه للتمييز ما بين المواطنين بالعرق أو الدين أو الجغرافيا.

رابعاً: البنية التحتية الثقافية: وهنا تأتي أهمية إشاعة الثقافة العربية الإسلامية بمضمونها الإنساني السمح وتوحيد النظم التربوية والثقافية وإنشاء شبكة من العلائق الثقافية ما بين الشعوب العربية، وإن نجاح الجهود لإنشاء منظومة البنى التحتية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية سيعتمد إلى حد كبير على نجاح ثقافة التنمية، والتي تستند على ما يمكن أن نطلق عليه تنمية الثقافة لتصبح قادرة على بناء ثقافة عربية وحدوية وسطية بعيدة عن الغلو والتطرف بكافة أشكاله.

رابعاً: التكامل الوحدوي العربي والمنظومة الثقافية:

أ- مع تدهور حالة الأمن القومي العربي بأبعاده السياسية والاقتصادية والعسكرية، وظهور بوادر احتقان اجتماعي ينذر بالخطر ويهدد سلامة العديد من الكيانات القطرية العربية، فلابد من إجراء مراجعة شاملة لوظيفة الدولة القطرية خلال العقود الماضية، وكذلك مسلكيات وطروحات التيارات والأنظمة ذات الطرح القومي، ومدى ما قدمته لفكرة القومية العربية والوحدة العربية، وباعتقادي أن هناك شبه إجماع بأن الدولة القطرية العربية، وبخاصة خلال هذه الحقبة التي أصبحت تظهر بها تكتلات اقتصادية وحدوية كبرى، غير مؤهلة للاستمرار بمنأى عن الأقطار العربية الأخرى، وغير قادرة بمفردها للحافظ على أمنها واستقرارها، ولكنها على أية حال، حالة موجودة وهناك قوى سياسية واقتصادية منتفعة من هذه الحالة، وهي في مركز قوي تم تعزيزه خلال عقود من الزمن، وهذه القوى متمرسة وجاهزة للدفاع عن امتيازاتها الذاتية الضيقة في مواجهة الجهود القومية، وأيضاً في المقابل فإن الأنظمة والتيارات القومية التي ظهرت على مسرح الوطن العربي لم تكن كلها خيراً على فكرة القومية والوحدة العربية، بل إن العديد من الأنظمة والتيارات القومية في سعيها لتحقيق فكرة الوحدة العربية، قد عملت على تدمير الفكرة القومية أو أحبطتها وقدمت من نفسها نموذجاً سيئاً للشعوب العربية، من حيث تنكرها للديموقراطية وامتهانها لحقوق الإنسان، الأمر الذي أفقد الفكرة العديد من مناصريها، كما أن الهزائم المتكررة عسكرياً وسياسياً لقوى التبشير القومي وعدم قدرتها على توفير حياة فضلى لشعوبها وفشل خططها الاقتصادية الموجهة من الدولة وترهل قطاعها العام وعدم كفاءته وفشله والتخبط الفكري والسياسي والاستبداد والفردية، قد أفقدها أيضاً الكثير من زخمها كما أوصل العديد من معتنقي الفكرة والمتحمسين لها إلى حالة من اليأس والإحباط وفقدان الأمل، الذي جعلهم يتقوقعون في زنازنهم الفكرية العاجية.

ب- إن الاتكاء على الغوغائية والحماس الشعبي العاطفي، غير المنظم ضمن أطر تستطيع توظيف هذا الحماس ضمن خطط عملية ومدروسة، ومحاولة بعض القادة والتيارات والأحزاب استباق الزمن لقطف الثمار قبل أوانها من خلال الانقلاب العسكري أو حرق المراحل الزمنية، قد دل على جهل كبير بظروف وأوضاع المجتمع العربي والقوى الاجتماعية الكامنة فيه، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال إلغاؤها بقرار أو تفكيكها بجرة قلم أو مرسوم، وعليه فإنه في إطار المراجعة الشاملة لتاريخ التطلعات الوحدوية العربية ومنهجياتها وتطبيقاتها، أن نتنبه لهذه الأمور، فالبنى الاجتماعية التي تشكلت خلال مئات السنين لا يمكن صهرها وإعادة تشكيلها في غضون عدة سنين وبمعزل عن إحداث تغييرات سياسية واقتصادية متدرجة تستطيع من خلالها إلغاء بعض القيم السابقة غير الملائمة وإعادة صياغة قيم جديدة للمجتمع لتحل محلها، وهنا يأتي دور التنمية الشاملة والتوعية الثقافية القادرة على إنجاح التنمية الثقافية المطلوبة، كذلك فإنه على الجميع أيضاً أن يدركوا أن تحقيق الوحدة العربية وعلى الرغم من أهميته وضرورته للأمة العربية فإن له شروطه الموضوعية، فالوحدة العربية بالطريقة البسماركية غير واردة، والوحدة بالتوافق الفكري والسياسي للنخب العربية وحدها، وكما كان يعتقد العديد من المثقفين العرب سابقاً، غير مجدية، والوحدة المستندة على العاطفة الشعبية الطارئة ستفشل لدى اصطدامها بحقائق الواقع المعقد الذي لا تسيره العاطفة لوحدها.

جـ- لقد عمل المنظرون العرب والسياسيون سابقاً على بلورة مفهوم واحد للوحدة، وحاولوا من خلال كتاباتهم وتنظيراتهم تسويق هذا المفهوم للشعوب العربية بحيث أصبح العرب ينظرون للوحدة بأنها اتحاد مركزي فوري تذوب فيه كافة الشعوب العربية، أما كيف سيتم هذا الاتحاد في ظل الاختلافات الجوهرية في الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بين الشعوب العربية واختلاف درجة تطورها، فإنه لم يدرس الدراسة الموضوعية التي يستحقها، كذلك فقد اعتقد العديد من العرب وعلى صعيد المثقفين والنخب السياسية وكذلك الجماهير، أن هذا الأمر سيتم مع ظهور قائد عربي كصلاح الدين مثلاً، يعمل على تنفيذ هذه المهمة نيابة عن دور الشعوب العربية ومثقفيها ونخبها السياسية، وهذا يعزى في جزء منه إلى الأنماط الثقافية المتوارثة التي شكلت الشخصية العربية عبر تاريخها الطويل.

د- إن دور الرجل أو الزعيم الخارق الذي تقع عليه مسؤولية الدور، كان جزءاً أساسياً من تاريخنا وتراثنا القومي، الذي لم يعه الباحثون العرب المحدثون، علماً أن الباحثين والمستشرقين الغربيين قد أدركوا هذا البعد في ثقافتنا وقدموا لنا مساعدة كبيرة في إنجاز هذا الوهم.

هـ- إن الدارس لتاريخنا العربي الإسلامي المدون يستطيع أن يتبين أنه تاريخ أشخاص، أو أن الأعمال العظيمة نسبت إلى الأشخاص مجازاً ولم تنسب إلى الشعب أو الأمة، فنحن ما زلنا لليوم نقرأ في تاريخنا عن الدولة العشيرة أو الفخذ من العشيرة فهناك دولة بني أمية ودولة بني العباس ودولة بني حمدان وغيرها، وكذلك نقرأ في أدبيات تراثنا وتاريخنا أن خالد بن الوليد هزم الروم وأن صلاح الدين هزم الصليبيين وقطزاً هزم التتار، ولا نقرأ عن الشعوب بحيث أن دور الأمة تقزم واختفى في ثنايا الفرد أو العشيرة وربما تكون عملية الإسقاط هذه قد جاءت من تراثنا العربي القبلي الذي يكون فيه الزعيم أو شيخ القبيلة هو محور الاهتمام والمرجع وهو الآمر الناهي في قبيلته، وأن هذه الممارسة قد تم إسقاطها سياسياً مع نشوء وتطور الدولة العربية الإسلامية لاحقاً بحيث أصبحت جزءاً من الموروث الثقافي للأمة، والذي لا زلنا نعاني منه للآن، حيث لا يزال الفرد أو العشيرة هو محور العملية السياسية وهو الموجه والمرجع، الامر الذي يمنع تشكيل مؤسسات المجتمع المدني بمفهومها الحديث، إن تاريخنا الحديث يزخر بمثل هذه الحالات، وأن جزءاً كبيراً من معاناة الشعوب العربية يعزى إلى أننا في أوقات الأزمات والظروف الحرجة نعمل على خلق الرمز ونوكل إليه كافة المسؤوليات، ونفرح إذا استحوذ عليها رغماً عنا ونشجعه على التضخم ونعمل منه أسطورة، ومن ثم نطلب منه أو نتوقع منه أن يخوض نيابة عنا كافة معاركنا العسكرية والسياسية والاقتصادية لنكتشف لاحقاً أن السحر قد انقلب على الساحر، وأن ما صنعناه ليس إلا صنماً من الحلوى، نعود لنأكله ونفكر من جديد في خلق رمز آخر يعفينا من مسؤولية العمل والمخاطرة واستغلال عقولنا، ومن الطريف أن هذه اللعبة وهذا النمط الثقافي وعلى الرغم من تكراره ومن المآسي التي حاقت بنا بسببه، فإننا ما زلنا نكرره بوعي أو بدون وعي.

خامساً: التكامل الوحدوي العربي والبعد النفطي:

أ- يعد النفط دم الحياة للحضارة الحديثة، وشاء القدر أن تكون معظم منابع هذا السائل الحيوي في وطننا العربي، إن هذا السائل الأسود الذي بدأ يتدفق من أرض العرب كان له جوانب إيجابية، ولكن أيضاً كان له مضاعفات وآثار جانبية سلبية خطيرة أيضاً، فما أن اعتاد الجسم العربي على هذا السائل الجديد حتى بدأ ذلك الجسم يفقد العديد من عوامل قوته ومنعته بعد أن أدى النفط وعائداته المالية الضخمة إلى تغيير العديد من القيم رأساً على عقب، حين استبدلت قيم الشهادة والمروءة والإيثار والتضحية والكرم والنخوة، بقيم أخرى مضادة تماماً لهذه القيم النبيلة أدت إلى زلزال في البنيان الثقافي والقيمي للإنسان العربي الراهن.

ب- لقد دخلت الأمة العربية القرن العشرين وهي تعاني من آفات عديدة مستوطنة وساعد على ظهورها ورسوخها عوامل خارجية، وفي مقدمة هذه الآفات أنيمياء الاقتصاد التي كان من أعراضها الفقر والجهل، ولوكيميا السياسية التي كان من أعراضها استلاب الحريات والاستبداد والدكتاتورية وتهميش دور الشعوب، وروماتيزم الاجتماع، والذي كان من أعراضه تخريب مفاصل الأمة وعودتها شعوباً وقبائل وطوائف، إن هذه العوامل جميعها كانت سبباً رئيسياً في طرح مفهوم المشروع النهضوي العربي، كرد على هذه التحديات وكعلاج لهذه الآفات، إن ما حققه عصر النهضة أو ما كان على وشك تحقيقه من آمال وطموحات خلال النصف الأول من القرن المنصرم قد تبخرت وأحبطت خلال النصف الثاني من هذا القرن، وقد تزامن هذا التراجع القومي مع ظهور الحقبة النفطية العربية، فالدم الأسود الذي بدأ يضخ في بعض أوصال الأمة بدلاً من أن يزيد من مناعة الأمة وقوتها قد أدى إلى فقدانها لمناعتها المكتسبة وخلال عشرات القرون، بحيث أصبحت الأمة معرضة لكافة أنواع الفيروسات والطفيليات والميكروبات الموجودة على هذه البسيطة، دون أن يكون لديها الوسائل المضادة لمقاومتها، والتي كان يؤمل تحقيقها من خلال تحقيق المشروع النهضوي الوحدوي العربي الحديث، وليس من المتوقع أن تجد الأمة علاجاً لآفاتها في المدى القريب خارج نطاق هذا المشروع ما دامت سادرة في جهلها ومستهينة بأوضاعها وراضية بقدرها البائس المحتوم.

جـ- باعتقادي، أنه لا يوجد عامل وعلى مدار تاريخ الأمة أثر على حاضرها ومستقبلها كما فعل ذلك السائل الأسود، وبخاصة خلال النصف الثاني من القرن المنصرم المشؤوم، والذي خسرنا فيه كافة معاركنا وخسرنا فيه الأهم وهو حلم الأمة بالوحدة والقوة، لقد أدى ظهور هذا السائل الأسود مع فترة استشراء الأطماع الاستعمارية وتعاظم قوة الغرب الصناعي والعسكري وضعف الأمة وتمزقها وتخلفها على كافة الجبهات، الأمر الذي عرض الوطن العربي لأعظم هجمة شرسة وخلال تاريخها الطويل، وربما كانت الفرقة والتمزق والتآمر على الأمة ومراكز الوعي والقوة فيها متطلباً أولياً للاستحواذ على ماء الحياة قبل أن يكون نتيجة له، وأن الحروب والثورات والانقلابات وإثارة النعرات الطائفية والانفصالية التي عصفت بالأمة هي أحد إفرازات هذا الوضع أو إحدى آليات التمهيد لتهيئة المناخ العام لاستباحة الامة أرضاً وثروات وشعوباً، وهكذا بدلاً من أن يتحول أكسير الحضارة الجديد إلى دم أرجواني يحمل مورثات الأمة وتقاليدها العريقة وصالحاً لتعزيز مناعة الجسم العربي من الآفات التي فتكت به، فقد زاد الطين بلة وفاقم أوضاع هذا الجسم سوءاً.

د- أعتقد أن صدمة النفط أثرت وبشكل حاسم على بنية المجتمعات العربية، &